هاكابي في ترمسعيا.. بين المسؤولية الدبلوماسية وازدواجية المعايير

بقلم: المحامي علي أبوحبلة

سبتمبر 6, 2026 - 10:41
هاكابي في ترمسعيا.. بين المسؤولية الدبلوماسية وازدواجية المعايير

هاكابي في ترمسعيا.. بين المسؤولية الدبلوماسية وازدواجية المعايير

بقلم: المحامي علي أبوحبلة

تثير زيارة السفير الأمريكي لدى إسرائيل مايك هاكابي إلى بلدة ترمسعيا في الضفة الغربية المحتلة جملة من الأسئلة السياسية والدبلوماسية والقانونية تتجاوز حدود الزيارة الميدانية نفسها، خصوصاً في ظل مواقفه السابقة من القضية الفلسطينية، وفي ظل حساسية العلاقة بين الممثلين الدوليين والمؤسسات الفلسطينية الرسمية.

ولا جدال في أن للسفير الأمريكي مسؤولية دبلوماسية وقنصلية في متابعة أوضاع المواطنين الأمريكيين، والاستماع إلى شكاواهم، ولا سيما عندما يكون بعضهم قد تعرض لأعمال عنف أو اعتداءات. كما أن التواصل مع السكان المتضررين من عنف المستوطنين يمكن أن يدخل في إطار العمل الدبلوماسي والإنساني المشروع.

لكن المسألة لا تتعلق بحق السفير في الاستماع إلى الفلسطينيين، وإنما بالمعيار الدبلوماسي والسياسي الذي يحكم مثل هذه الزيارات، وبمدى احترام المؤسسات الفلسطينية الرسمية باعتبارها الجهة التي تمثل الشعب الفلسطيني سياسياً ووطنياً.

فإذا كانت الزيارة الرسمية قد تمت بالتنسيق مع البلدية والجهات الفلسطينية المختصة، فإن ذلك ينبغي أن يكون واضحاً ومعلناً، وإذا لم يجرِ مثل هذا التنسيق، فإن من حق الرأي العام الفلسطيني أن يتساءل عن الأسباب، خصوصاً أن زيارة مسؤول دبلوماسي رفيع إلى بلدة فلسطينية ليست مجرد نشاط اجتماعي عابر، وإنما تحمل بطبيعتها دلالات سياسية.

وتزداد حساسية الأمر بالنظر إلى مواقف هاكابي السابقة؛ فقد سبق أن شكك علناً في وجود شعب فلسطيني، وعُرف باستخدام تسمية «يهودا والسامرة» بدلاً من «الضفة الغربية»، كما عبّر في مراحل سابقة عن مواقف مؤيدة للاستيطان ومعارضة لإقامة دولة فلسطينية. ولذلك فإن أي تحرك له في الأراضي الفلسطينية لا يمكن فصله عن هذا السياق السياسي.

ومن المنظور القانوني، فإن الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، تُعد أرضاً محتلة وفق قواعد القانون الدولي الإنساني، ولا سيما اتفاقية جنيف الرابعة، التي تفرض على قوة الاحتلال حماية السكان المدنيين وضمان معاملتهم بصورة إنسانية. كما أن مجلس الأمن الدولي، في القرار 2334، أكد عدم شرعية المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، ودعا إلى وقف جميع أعمال العنف ضد المدنيين.

ومن هنا، فإن إدانة الاعتداءات التي يتعرض لها الفلسطينيون، ومطالبة إسرائيل بحمايتهم ومحاسبة المعتدين، تمثل موقفاً إيجابياً ينبغي البناء عليه، لكنها لا ينبغي أن تبقى في إطار التصريحات. فالاختبار الحقيقي لأي موقف دبلوماسي هو مدى تحوله إلى ضغط سياسي وإجراءات عملية تكفل حماية المدنيين ووقف الاعتداءات وفتح الطرق أمام المزارعين والوصول إلى أراضيهم.

أما فلسطينياً، فإن القضية تتعلق أيضاً بمبدأ احترام التمثيل المؤسسي. فلا يجوز أن يصبح التنسيق مع المؤسسات الفلسطينية شرطاً عندما يتعلق الأمر بمسؤول فلسطيني أو جهة فلسطينية، ثم يتحول إلى مسألة ثانوية عندما يتعلق الأمر بمسؤول أجنبي.

السيادة السياسية لا تتجزأ، والشرعية لا ينبغي أن تكون انتقائية.

وإذا كان من حق السفير أن يستمع مباشرة إلى المواطنين الأمريكيين والفلسطينيين، فمن حق المؤسسات الفلسطينية كذلك أن تعرف طبيعة هذه الزيارات وأهدافها ونتائجها، وأن تكون شريكاً في أي جهد يستهدف حماية السكان وتعزيز سيادة القانون.

في النهاية، لا ينبغي الحكم على زيارة هاكابي من خلال الصور أو التصريحات، بل بما ستنتجه على الأرض. فإذا أسهمت في حماية الفلسطينيين ومحاسبة المعتدين ووقف اعتداءات المستوطنين، فإنها تكون قد تجاوزت الرمزية إلى الفعل. أما إذا بقيت مجرد زيارة ميدانية، فإن السؤال سيظل قائماً: هل نحن أمام تغيير في السياسة، أم مجرد استماع مؤقت إلى الضحايا؟