الانتخابات الفلسطينية بين الاستحقاق الدستوري وتعقيدات الواقع السياسي
المحامي علي أبوحبلة
الانتخابات الفلسطينية بين الاستحقاق الدستوري وتعقيدات الواقع السياسي
المحامي علي أبوحبلة
أعادت تصريحات عضو اللجنة المركزية لحركة فتح جبريل الرجوب، التي قال فيها إنه لا يتوقع إجراء الانتخابات التشريعية الفلسطينية في موعدها المقرر في تشرين الثاني/نوفمبر المقبل، ملف الانتخابات إلى واجهة المشهد السياسي الفلسطيني، وفتحت الباب أمام نقاش أوسع حول مستقبل النظام السياسي الفلسطيني، وآليات تجديد الشرعية، وإمكانات إجراء انتخابات شاملة في ظل الظروف الراهنة.
وتكتسب تصريحات الرجوب أهميتها من موقعه القيادي، لكنها في الوقت نفسه تبقى تقديرًا سياسيًا ما لم يصدر موقف رسمي من الجهات صاحبة الاختصاص بشأن تغيير الموعد المحدد للانتخابات.
فالمرسوم الرئاسي الصادر في 9 تموز/يوليو 2026 حدد يوم 28 تشرين الثاني/نوفمبر موعدًا لإجراء الانتخابات التشريعية في القدس والضفة الغربية وقطاع غزة. كما أكدت لجنة الانتخابات المركزية جاهزيتها لتنفيذ الاستحقاق، وأعلنت جدول المواعيد القانونية للعملية الانتخابية، بما في ذلك فتح باب الترشح في 26 أيلول/سبتمبر، والدعاية الانتخابية في تشرين الثاني/نوفمبر، والاقتراع في 28 منه.
وعليه، فإن الوضع القانوني والرسمي حتى الآن لا يشير إلى إلغاء الانتخابات أو تأجيلها، وإنما إلى استمرار الإجراءات وفق الجدول المعلن. وفي المقابل، فإن تصريحات الرجوب تعكس وجود تقديرات سياسية ترى أن البيئة العامة قد لا تكون مهيأة للوصول إلى موعد الاقتراع، وهو ما يستحق قراءة متأنية بعيدًا عن الاستنتاجات المسبقة.
الانتخابات ليست إجراءً فنيًا فقط
المشكلة الفلسطينية لا تختزل في تحديد يوم الاقتراع، فالانتخابات في الحالة الفلسطينية ترتبط بصورة مباشرة بمسألة الشرعية السياسية ووحدة النظام السياسي وإمكان مشاركة مختلف القوى والمناطق الفلسطينية.
وهنا تبرز مجموعة من الأسئلة الموضوعية: هل يمكن إجراء انتخابات تشريعية في ظل الانقسام السياسي والجغرافي؟ وكيف يمكن ضمان مشاركة قطاع غزة؟ وما هي الترتيبات المتعلقة بالقدس؟ وكيف يمكن ضمان مشاركة سياسية واسعة تتيح نتائج الانتخابات أن تكون مقبولة من مختلف الأطراف؟
هذه الأسئلة لا تعني بالضرورة استحالة إجراء الانتخابات، لكنها تؤكد أن نجاح العملية الانتخابية يحتاج إلى توافقات سياسية وميدانية تتجاوز الجوانب الإجرائية التي تتولاها لجنة الانتخابات.
دعوة إلى إعادة ترتيب البيت السياسي
اللافت في تصريحات الرجوب أنه لم يتحدث عن الانتخابات بمعزل عن الأزمة السياسية الفلسطينية، بل طرح رؤية أوسع تقوم على ثلاثة مسارات مترابطة: الوحدة الوطنية، والإصلاح، وتجديد شرعية النظام السياسي.
كما دعا إلى اجتماع يضم القيادة الفلسطينية والفصائل ومؤسسات المجتمع المدني، وإلى حوار وطني شامل تستضيفه مصر، مشيرًا إلى أهمية إصلاح المؤسسات السياسية والقضائية والأمنية والإدارية والمالية، وإعادة تنظيم العلاقة بين السلطة الوطنية ومنظمة التحرير.
وهذا الطرح يضع الانتخابات في إطار أوسع؛ فهي ليست هدفًا منفصلًا، وإنما إحدى الأدوات الممكنة لإعادة بناء الشرعية وتجديد المؤسسات.
وفي هذا السياق، فإن الدعوة إلى حوار وطني لا تتعارض من حيث المبدأ مع فكرة الانتخابات، بل يمكن أن تكون وسيلة لتوفير الشروط السياسية التي تسمح بإجرائها بصورة أكثر شمولًا واستقرارًا، شرط ألا يتحول الحوار إلى بديل دائم عن الاستحقاق الديمقراطي.
بين الانتخابات التشريعية وتجديد الشرعية
ومن النقاط اللافتة في رؤية الرجوب حديثه عن إمكانية إجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية بصورة متزامنة، إلى جانب تشكيل مجلس وطني جديد يعكس التوافقات الفلسطينية، مع التأكيد على دور منظمة التحرير كمظلة جامعة للفلسطينيين.
وهنا تبرز مسألة جوهرية: هل المطلوب تجديد شرعية مؤسسة واحدة، أم إعادة بناء متكاملة للنظام السياسي الفلسطيني؟
ربما يكون هذا هو السؤال الأكثر أهمية في المرحلة الراهنة.
فالانتخابات التشريعية يمكن أن تعيد تشكيل المجلس التشريعي، لكنها لا تعالج وحدها قضية الانقسام، ولا تعيد تنظيم العلاقة بين مؤسسات السلطة ومنظمة التحرير، ولا تنهي الحاجة إلى إصلاح سياسي ومؤسسي أوسع.
وفي المقابل، فإن تأجيل الانتخابات من دون تحديد إطار زمني واضح وبديل سياسي ودستوري يمكن أن يضيف إلى أزمة الشرعية بدل أن يحلها.
دحلان والخلافات الفتحاوية
أما موقف الرجوب من عودة محمد دحلان إلى حركة فتح، وقوله إنه «لا مكان لدحلان»، فينبغي وضعه في إطاره التنظيمي والسياسي داخل الحركة، وعدم تحميله أكثر مما يحتمل.
فالخلافات داخل التنظيمات السياسية أمر طبيعي، لكن القضية الأوسع تتعلق بقدرة النظام السياسي الفلسطيني على إدارة الاختلافات بصورة ديمقراطية، وعلى استيعاب التعدد السياسي، بما يحفظ وحدة المؤسسات ويمنع تحول الخلافات الداخلية إلى عامل إضافي لتعطيل الحياة السياسية.
ومن هذه الزاوية، فإن النقاش حول الانتخابات ينبغي ألا يتحول إلى نقاش حول أسماء الأشخاص فقط، بل حول القواعد والمؤسسات التي تحكم المشاركة السياسية وتداول المسؤولية والاحتكام إلى إرادة الناخبين.
ماذا تعني تصريحات الرجوب؟
من المبكر اعتبار تصريحات الرجوب إعلانًا عن تأجيل الانتخابات، كما أنه من غير الدقيق تجاهلها باعتبارها مجرد موقف شخصي.
الأقرب إلى الموضوعية أنها تعكس قلقًا سياسيًا بشأن قدرة المشهد الفلسطيني على الوصول إلى استحقاق انتخابي متكامل في الموعد المحدد، خصوصًا في ظل استمرار الانقسام والتحديات المتعلقة بقطاع غزة والقدس وبنية النظام السياسي.
وفي المقابل، فإن استمرار لجنة الانتخابات في تنفيذ الجدول المعلن يؤكد أن العملية الانتخابية، من الناحية الرسمية، لا تزال قائمة.
وبالتالي، فإن الحكم النهائي على مصير انتخابات تشرين الثاني لا ينبغي أن يستند إلى تصريح سياسي منفرد، وإنما إلى القرارات الرسمية التي تصدر عن الجهات المختصة، وإلى التطورات السياسية التي قد تطرأ خلال الأسابيع المقبلة.
صندوق الاقتراع هو المعيار
الفلسطينيون بحاجة إلى استعادة الثقة بمؤسساتهم السياسية، وهذه الثقة لا يمكن أن تتحقق من خلال الانتخابات وحدها، لكنها لا يمكن أيضًا أن تتحقق من دون انتخابات دورية ونزيهة وشفافة تحترم إرادة الناخبين.
وإذا كانت هناك حاجة إلى حوار وطني، فإن هذا الحوار ينبغي أن يهدف إلى توفير الظروف اللازمة لإنجاح العملية الديمقراطية، لا إلى تأجيلها إلى أجل غير معلوم.
كما أن أي قرار يتعلق بتأجيل الانتخابات، إن حدث، ينبغي أن يكون واضحًا ومعلنًا ومبررًا، وأن يقترن بخارطة طريق محددة لتجديد الشرعية السياسية والمؤسساتية.
في نهاية المطاف، لا تكمن المسألة في إجراء الانتخابات من عدمه فقط، وإنما في قدرة الفلسطينيين على بناء نظام سياسي يستند إلى الشرعية الشعبية، ويجمع بين التعددية والوحدة الوطنية، ويحافظ على دور منظمة التحرير، ويعزز سيادة القانون، ويتيح التداول السلمي للمسؤولية.
ومن هنا، فإن تصريحات جبريل الرجوب تستحق القراءة باعتبارها مؤشرًا على عمق النقاش الدائر حول مستقبل النظام السياسي الفلسطيني، لا باعتبارها حكمًا نهائيًا على مصير الانتخابات.
ويبقى القرار الحاسم في النهاية هو قرار المؤسسات المختصة وإرادة الشعب الفلسطيني، لأن الشرعية السياسية لا تستقيم من دون احترام إرادة الناخب، ولا يمكن أن تستمر الثقة بالمؤسسات من دون تجديد هذه الشرعية بصورة دورية وديمقراطية.



