من رواية تحت سطح البحر إلى سؤال العلامة: 

هل سبقت الممارسةُ علمَ السيميائية؟

سبتمبر 7, 2026 - 13:10
من رواية تحت سطح البحر إلى سؤال العلامة: 

من رواية تحت سطح البحر إلى سؤال العلامة: 

هل سبقت الممارسةُ علمَ السيميائية؟

محمد قاروط أبو رحمه عضو مجلس إدارة مركز الانطلاقة للدراسات والأبحاث

المحتويات:

اما قبل

الملخص

المقدمة

المحاور ال 13

الخلاصة

تحليل شعار الغلاف وبيانات الرواية

 

أما قبل: من السؤال إلى الإجابة

في 14/1/2025، وفي إشهار رواية تحت سطح البحر في المكتبة العامة لبلدية أريحا، كنتُ المتحدث الرئيس في مناقشتها. وقد استوقفني منذ البداية ما يتصدر غلاف الرواية: ختم أريحا القديم، الذي كان يُستخدم لختم بضائع أريحا التي كانت تتجه في تجارتها حتى بلاد ما بين النهرين. ولم يكن الختم بالنسبة لي مجرد عنصر بصري على الغلاف، بل علامة مادية تؤدي وظيفة التعريف والتمييز والإثبات؛ أي إن شيئًا محسوسًا كان يدل على مصدر شيء آخر وهويته.

ومن هنا جاء السؤال الذي طرحته في تلك المناسبة، ثم عدت إليه في مقالي تحت سطح البحر – قراءة وتعقيب، وفي مقال قيساريا بين سلمى ونتنياهو:

إذا كان الإنسان في أريحا القديمة قد استخدم الختم للتعريف ببضائعه وتمييزها، وإذا كانت العلامة قد أدت وظيفة التعريف والتمييز قبل آلاف السنين، فمتى بدأ الإنسان استخدام العلامة؟ ومتى تحولت ممارسة العلامة وقراءتها وتأويلها إلى علم؟

كان السؤال يومها مفتوحًا، أما هذا المقال فهو محاولة للإجابة عنه.

فالختم نفسه يضعنا أمام الفكرة المركزية التي سنعود إليها في هذا المقال: العلامة أقدم من علم العلامات. لقد عرف الإنسان العلامة واستخدمها وقرأ دلالتها قبل أن تظهر السيميائية الحديثة بوصفها علمًا له مفاهيمه ونظرياته ومناهجه. ولذلك لا يكون السؤال: هل عرف الكنعانيون علم السيميائية بفهومه الحديث؟ وإنما السؤال الأدق: هل مارسوا العلامة، واستخدموها للتعريف والتمييز وحمل المعنى، قبل أن تصبح هذه الممارسة موضوعًا لعلم حديث؟

 

الملخص

تنطلق هذه القراءة من رواية تحت سطح البحر لمروان سمرات، ومن عالمها المليء بالأسماء والأختام والمخطوطات والآثار والأماكن والشيفرات والإشارات، لتطرح سؤالًا يتجاوز الرواية نفسها: هل كانت ممارسة العلامة وتأويلها أقدم من علم السيميائية؟

تكشف الرواية أن المكان ليس مجرد فضاء تجري فيه الأحداث، بل منظومة من العلامات والآثار والدلالات التي يمكن قراءتها لفهم ما يخفيه الواقع وما يحمله الماضي. فالعلامة لا تكتسب دلالتها من وجودها المادي وحده، وإنما من قدرتها على الإحالة إلى معنى يتجاوز ظاهرها؛ ولذلك يصبح الاسم علامة على الهوية، والختم علامة على التعريف، والمخطوط علامة على معرفة تحتاج إلى القراءة والتأويل، والأثر علامة على ما غاب، والمكان علامة على ذاكرة تتجاوز حدوده الجغرافية.

ومن هنا تصبح قراءة المكان قراءةً لعلاماته؛ فتغيير المكان يبدأ أحيانًا بتغيير علامته، ومن لا يعرف كيف يقرأ المكان قد يرى الأرض ولا يرى ما تقوله. كما أن طمس الأثر أو استبدال الاسم لا يعني تغيير مادة أو كلمة فحسب، بل قد يعني التأثير في الذاكرة وفي الطريقة التي يُفهم بها الماضي والحاضر.

وتذهب الرواية، من خلال هذا المنظور، إلى أن من يملك العلامة يملك جزءًا من القدرة على إنتاج المعنى؛ لأن تسمية المكان، وحفظ آثاره، وتفسير رموزه، كلها تؤثر في تشكيل الذاكرة والهوية. ومن هنا تتحول السيميائية من مجرد أداة لقراءة النص إلى أداة لقراءة الصراع نفسه: من يترك علامة تحفظ ذاكرة، ومن يطمس علامة يحاول إعادة كتابة الذاكرة.

وبذلك تفتح الرواية سؤالًا تاريخيًا ومعرفيًا:

 إذا كان الإنسان قد استخدم العلامات وقرأها وتأولها منذ عصور قديمة، فهل بدأ علم السيميائية مع ظهور نظرياته الحديثة، أم أن تلك النظريات جاءت لاحقًا لتدرس ممارسة إنسانية أقدم منها؟

وتقترح هذه القراءة أن العلامة وممارستها وتأويلها أقدم من علم السيميائية الحديث؛ فالسيميائية لم تخترع العلامة، وإنما جاءت لاحقًا لتحول ممارستها إلى موضوع للدراسة النظرية والمنهجية.

 

تعريف بالمقال

ينطلق هذا المقال من رواية تحت سطح البحر للكاتب والمؤرخ الفلسطيني مروان سمرات، ومن الختم الذي يتصدر غلافها، ليعيد طرح سؤال تاريخي وفكري: هل مارس أجدادنا الكنعانيون في أريحا، قبل بعثة موسى عليه السلام بقرون، استخدام العلامة وقراءتها وتأويلها قبل أن تظهر السيميائية الحديثة بوصفها علمًا؟ فهؤلاء الكنعانيون لم يكونوا جماعات عابرة، بل يمثلون، في القراءة الحضارية التي تستحضرها الرواية، مرحلة من تاريخ حضاري فلسطيني أقدم، يمتد في جذوره إلى الحضارة النطوفية التي نشأت في الأغوار، والحضارة الكبارية التي نشأت على ساحل عسقلان. ومن خلال الأسماء والأختام والمخطوطات والأماكن والآثار والأرقام والألوان والصمت والضوء، يتتبع المقال تاريخ العلامة بوصفها وسيلة للتعريف وحفظ الهوية وإنتاج المعنى، ليخلص إلى أن ممارسة العلامة أقدم بكثير من علم العلامات، وأن حداثة السيميائية لا تعني حداثة العلامة.

 

مقدمة

حين نتعمق في غلاف رواية تحت سطح البحر لمروان سمرات، تستوقفنا قبل قراءة الرواية علامة واضحة: ختم أثري يتصدر الغلاف، تحيط به صورة البحر، بينما تظهر المخطوطات عند حافة الصخر. وكأن الغلاف نفسه يضع القارئ منذ اللحظة الأولى أمام سؤال الرواية: كيف نقرأ ما تركه الذين سبقونا من علامات وآثار، وكيف نصل من ظاهرها إلى ما تخفيه في باطنها من معنى؟

وهنا استوقفتني فكرة أوسع من الرواية نفسها، وكنت اشرت للمؤلف عنها: هل عرف أجدادنا الكنعانيون علم العلامات قبل أن يظهر علم السيميائية بقرون طويلة؟

قد تبدو العبارة جريئة، ولذلك تحتاج إلى تمييز أساسي. فـالعلامة ليست هي علم العلامات، وممارسة السيميائية ليست هي السيميائية بوصفها علمًا حديثًا. فالإنسان عرف الأسماء والرموز والأختام والكتابة والإشارات، واستخدمها للتعريف والتواصل وحفظ الملكية والذاكرة ونقل المعنى، قبل أن تظهر السيميائية الحديثة بوصفها علمًا له مفاهيمه ومناهجه ورواده.

لقد ظهرت السيميائية الحديثة في القرنين التاسع عشر والعشرين، ومن أبرز روادها فرديناند دي سوسير وتشارلز ساندرس بيرس؛ لكن ظهور العلم لا يعني بالضرورة ظهور الممارسة التي أصبح العلم يدرسها. فكما أن الإنسان مارس الملاحظة قبل أن تظهر علوم الملاحظة، ومارس التفكير في الأسباب قبل أن تتشكل نظريات السببية، يمكن أن يكون قد مارس قراءة العلامات وتأويلها قبل أن يمنح هذه الممارسة اسمًا علميًا.

ومن هذه الناحية تكتسب رواية تحت سطح البحر أهمية خاصة؛ فهي لا تضع أمام القارئ أحداثًا وشخصيات فقط، بل تضع أمامه مخطوطًا، ولغة قديمة، وأسماءً، وأختامًا، وآثارًا، وأماكن، وشيفرات، وأرقامًا، وألوانًا، وصمتًا وضوءًا وظلامًا؛ أي شبكة من العلامات التي لا تكتمل دلالتها إلا بالقراءة والتأويل والربط بينها.

ولعل هذا هو جوهر فكرة الرواية: الحقيقة ليست دائمًا على السطح؛ أحيانًا علينا أن نقرأ العلامة لكي نصل إلى ما تحتها.

ومن هنا يبدأ هذا المقال القراءة للسؤال: هل كانت ممارسة علم العلامات موجودة قبل أن يظهر علم السيميائية؟ وهل تقدم تحت سطح البحر نموذجًا أدبيًا يكشف أن الإنسان القديم لم يكن يعيش في عالم الأشياء فقط، بل في عالم من العلامات والدلالات والمعاني؟

 

1.    بين ظهور علم السيميائية وممارسة السيميائية

قبل الحديث عن رواد السيميائية الحديثة، من الضروري أن نميز بين العلامة، وممارسة العلامة، وعلم العلامات؛ لأن الخلط بينها قد يقود إلى نتيجة غير دقيقة، وهي أن السيميائية لم تكن موجودة قبل ظهورها الحديث.

فالعلامة أقدم من العلم الذي يدرسها. وقد عرف الإنسان منذ أقدم العصور أن شيئًا ما يمكن أن يدل على شيء آخر: أثر قدم يدل على مرور إنسان، دخان يدل على نار، ختم يدل على صاحبه، اسم يدل على شخص أو مكان، ورمز يدل على معنى، وقد ألف اجدادنا كتبا عن الفراسة، وهي علم علامات او هو نظام للاستلال بالعلامات الحيوية والجسدية للتمييز بين طبائع الناس وصفاتهم الداخلية واصولهم القبلية.  ولم يكن الانسان يحتاج إلى نظرية علمية كي يستخدم هذه العلامات أو يفسرها.

ومن هنا يمكن التمييز بين ثلاث مراحل:

العلامة وممارسة العلامة وتأويلها، وعلم العلامات.

فالمرحلة الأولى هي وجود العلامة واستخدامها. والمرحلة الثانية هي أن يصبح الإنسان قادرًا على قراءة العلامة والبحث عما تشير إليه وما تعنيه. أما المرحلة الثالثة فهي أن تتحول هذه الممارسة إلى موضوع للدراسة المنظمة، فتظهر المفاهيم والمناهج والنظريات التي تجعل من العلامات علمًا قائمًا بذاته.

وهذا التمييز مهم جدًا عند الحديث عن أجدادنا الكنعانيين. فليس المقصود القول إن الكنعانيين كانوا يعرفون نظرية سوسير أو بيرس، أو أنهم كانوا يستخدمون مصطلح السيميائية بمعناه الحديث. وإنما المقصود أن ممارسات العلامة التي أصبحت لاحقًا موضوعًا للسيميائية كانت حاضرة في حياتهم وثقافتهم.

فالختم، مثلًا، ليس مجرد قطعة محفورة؛ إنه علامة تؤدي وظيفة التعريف والإثبات. والاسم ليس مجرد كلمة؛ إنه علامة تحمل دلالة على الإنسان أو المكان. والكتابة ليست مجرد أشكال مرسومة؛ إنها نظام من العلامات يحتاج إلى قارئ يفكها ويمنحها معنى. وكذلك الأثر لا يكتفي بوجوده المادي، بل يحيل إلى زمن وحدث وإنسان وحضارة غابت وبقي أثرها.

وهنا تبرز أهمية رواية تحت سطح البحر؛ إذ تجعل من هذه الممارسات جزءًا من عملية الوصول إلى الحقيقة. فالمخطوط لا يُقرأ بوصفه نصًا فقط، بل يحتاج إلى معرفة اللغة القديمة وفك الألغاز والشيفرات؛ والختم لا يظهر بوصفه أثرًا ماديًا فقط، بل بوصفه علامة ذات دلالة؛ والأسماء والأماكن والآثار تتحول إلى مفاتيح تقود القارئ إلى ما هو أعمق من ظاهر الأحداث.

لذلك فإن السؤال الصحيح ليس: متى اخترع الإنسان السيميائية؟ بل:

متى بدأ الإنسان يمارس قراءة العلامات وتأويلها؟ ومتى تحولت هذه الممارسة إلى علم؟

وهنا يمكن صياغة الفكرة المركزية لهذا المقال:

لم تبدأ العلامة عندما بدأت السيميائية، ولم تبدأ ممارسة تأويل العلامة عندما ظهر علم السيميائية؛ الذي ظهر حديثًا هو التنظير العلمي المنهجي للعلامة. أما العلامة وقراءتها وتأويلها، فقد سبقت ذلك بقرون طويلة.

ومن هذه النقطة تحديدًا يمكن قراءة تحت سطح البحر باعتبارها نصًا أدبيًا يكشف عن ممارسة سيميائية: البحث عن المعنى من خلال العلامات، والانتقال من الأثر إلى ما يدل عليه، ومن الظاهر إلى المخفي، ومن العلامة إلى الحقيقة.

 

2.    متى ظهر علم السيميائية الحديث؟ ومن روّاده؟

إذا كانت العلامة وممارستها وتأويلها أقدم من السيميائية الحديثة، فإن السؤال التالي هو: متى انتقلت دراسة العلامة من ممارسة إنسانية قديمة إلى علم له مفاهيمه ونظرياته ومناهجه؟

ارتبط التأسيس الحديث لعلم السيميائية، أو علم العلامات، بالقرنين التاسع عشر والعشرين، وبرز في هذا التأسيس اسمان أساسيان: فرديناند دي سوسير وتشارلز ساندرس بيرس. لكن كلاً منهما دخل إلى عالم العلامات من طريق مختلف، ووضع تصورًا مختلفًا لطبيعتها وكيفية إنتاج المعنى.

فرديناند دي سوسير: العلامة داخل النظام اللغوي

نظر اللغوي السويسري فرديناند دي سوسير إلى العلامة من داخل اللغة، وميّز في العلامة اللغوية بين الدال والمدلول.

فالكلمة، في نظره، ليست مجرد صوت، وإنما تتكون من علاقة بين صورة صوتية أو لفظية وبين مفهوم ذهني. ومن هنا أصبحت دراسة العلامة مرتبطة بدراسة النظام الذي تنتظم داخله العلامات والعلاقات التي تربط بينها.

وقد استخدم سوسير مفهوم السيميولوجيا للدعوة إلى علم يدرس حياة العلامات داخل المجتمع، وكان يرى أن علم اللغة جزء من هذا العلم الأوسع.

تشارلز ساندرس بيرس: العلامة بوصفها عملية دلالية

أما الفيلسوف والمنطقي الأمريكي تشارلز ساندرس بيرس فقد بنى تصورًا مختلفًا للعلامة. فالعلامة عنده لا تقف عند طرفين فقط، وإنما تدخل في علاقة ثلاثية بين:

العلامة، وما تشير إليه، وتأويلها.

ومن هنا لم تعد العلامة شيئًا ثابتًا يحمل معنى جاهزًا، بل أصبحت جزءًا من عملية مستمرة لإنتاج المعنى وتأويله.

ومن أشهر تصنيفاته للعلامات:

·         الأيقونة: تدل من خلال المشابهة

·         المؤشر: يرتبط بما يدل عليه بعلاقة أو أثر

·         الرمز: تقوم علاقته بما يدل عليه على الاصطلاح أو العرف

وهذا التصور سيكون مفيدًا جدًا عند قراءة تحت سطح البحر؛ لأن الرواية لا تقدم العلامات بوصفها أشكالًا منفصلة، وإنما تجعل القارئ يبحث عما تشير إليه، ويربط العلامة بسياقها، ثم يؤولها للوصول إلى معنى أعمق.

سوسير وبيرس: تأسيس العلم لا اختراع العلامة

وهنا نعود إلى الفكرة التي انطلق منها هذا المقال.

لم يخترع سوسير وبيرس العلامة، ولم يبدآ ممارسة الإنسان لها؛ وإنما أسهما في الانتقال من ممارسة العلامة وتأويلها إلى دراسة العلامة دراسة نظرية ومنهجية.

وهذا هو الفارق الذي ينبغي أن ننتبه اليه.

العلامة قديمة، وممارسة العلامة قديمة، وتأويل العلامة قديم؛ أما علم العلامات بوصفه علمًا حديثًا ذا بناء نظري ومفاهيمي، فهو حديث.

ومن هنا يصبح من الممكن أن نعود إلى أجدادنا الكنعانيين دون الوقوع في إسقاط نظريات سوسير أو بيرس عليهم. فالسؤال ليس: هل كان الكنعانيون سوسيريين أو بيرسيين؟ فهذا غير صحيح. وإنما السؤال:

ما العلامات التي استخدموها؟ وما الوظائف التي أدتها؟ وكيف حفظت الأسماء والأختام والكتابات والرموز والآثار المعاني والهوية والذاكرة؟

وهنا تبدأ رواية: تحت سطح البحر في تقديم مادة أدبية ثرية تسمح لنا بأن نختبر هذه الفكرة عمليًا: هل يمكن أن نجد في الرواية ممارسة للعلامة تسبق، من حيث الممارسة، التنظير الحديث الذي جاء بعد ذلك بقرون؟

 

3.    رواية تحت سطح البحر بوصفها ممارسة سيميائية

بعد التمييز بين ظهور علم السيميائية الحديث وبين ممارسة العلامة وتأويلها، يمكن النظر إلى رواية تحت سطح البحر من زاوية مختلفة: ليست الرواية مجرد نص يحكي أحداثًا، بل نص يقوم جزء أساسي من بنائه على العلامات التي تقود إلى المعنى.

فمنذ الصفحات الأولى، تجعل الرواية القارئ أمام مهمة تتجاوز القراءة المباشرة. هناك حقيقة مخفية، ومخطوط قديم، ولغة تحتاج إلى فك، وألغاز وشيفرات ينبغي فهمها. وبذلك تتحول القراءة نفسها إلى عملية سيميائية: علامة نراها، ثم نبحث عما تشير إليه، ثم نؤولها للوصول إلى معنى أعمق. وتصف الرواية الرحلة بأنها مرتبطة بفك لغز مخطوط قديم وفهم الألغاز والشيفرات. (ص11)

المخطوط: العلامة التي تخفي معنى

المخطوط في الرواية ليس مجرد وثيقة تاريخية؛ إنه علامة تحمل معنى غير متاح مباشرة. فاللغة القديمة لا تمنح سرها لمن يراها، وإنما تحتاج إلى معرفة، وقراءة، وفك، وتأويل.

وهنا تظهر سلسلة سيميائية واضحة:

المخطوط، الكتابة، اللغة، فك الشفرة، التأويل، المعنى، الحقيقة.

وهذا قريب من جوهر الممارسة السيميائية: الانتقال مما يظهر إلى ما يدل عليه.

الاسم: عندما تتحول التسمية إلى علامة للهوية

تولي الرواية أسماء الأماكن أهمية واضحة. فعندما يتغير اسم مكان أو شارع، لا يتغير اللفظ فقط، وإنما تتعرض الذاكرة التي يحملها الاسم للتغيير أيضًا.

وتظهر الرواية مشهد تغيير إشارة الجفتلك واستبدالها بإشارات بلغات أخرى، في سياق حديث عن تغيير أسماء المدن والطرق. (ص37)

وهنا يصبح الاسم علامة مركبة: الاسم، المكان، التاريخ، الذاكرة، الهوية.

ومن ثم فإن الصراع على الاسم يمكن قراءته بوصفه صراعًا على الدلالة؛ فمن يغيّر العلامة يحاول أن يغيّر ما تستدعيه في الوعي.

الختم: علامة تتجاوز شكلها

الختم الذي تتكرر دلالته في الرواية، والذي يظهر أيضًا على غلافها، يمثل نموذجًا أكثر وضوحًا للعلامة.

فالختم ليس مجرد شكل محفور؛ إنه يدل على صاحب، أو جهة، أو مصدر، أو هوية، أو علاقة بشيء مختوم به. وتصف الرواية ختم أريحا بأنه ذو دلالة رمزية، وتربطه بالسجلات القديمة والقمر ومدينة القمر. (ص73)

وهنا تتحول العلامة المادية إلى مدخل للمعنى:

الختم، أريحا، الماضي، الهوية، التاريخ.

المكان: حين تصبح الجغرافيا نصًا

لا تتعامل الرواية مع أريحا بوصفها مكانًا تجري فيه الأحداث فقط، وإنما تجعل منها حاملًا للذاكرة التاريخية. وكذلك الحال بالنسبة إلى الكهوف والبحر والقدس وغيرها من الأماكن.

فالـمكان هنا لا يجيب فقط عن سؤال أين؟، بل يفتح أسئلة:

ماذا حدث هنا؟ من كان هنا؟ ماذا بقي؟ وماذا يخبرنا هذا المكان عن الماضي؟

وبذلك يصبح المكان نفسه علامة تحتاج إلى قراءة.

الأثر: ما بقي ليدل على ما غاب

الأثر من أقوى العلامات في الرواية؛ لأنه شيء موجود في الحاضر، لكنه يحيل إلى شيء غائب في الماضي.

فالقطعة الأثرية، والمخطوط، والختم، والكتابة القديمة ليست غايات في ذاتها، وإنما آثار تقود إلى ما وراءها.

وهذه بالضبط إحدى أهم الأفكار التي يمكن أن تساعدنا في فهم العلاقة بين الرواية والسيميائية:

الأثر لا يتحدث عن نفسه فقط؛ إنه يدل على ما كان.

الرقم بدل الاسم: العلامة التي يمكن أن تمحو

تقدم الرواية في مقابر الأرقام نموذجًا مختلفًا للعلامة: استبدال الاسم بالرقم. (ص91)

فالرقم يؤدي وظيفة التعريف الإداري، لكنه في الوقت نفسه يختلف دلاليًا عن الاسم. فالاسم يحمل شخصًا وذاكرةً وهويةً، بينما يحوّل الرقم الإنسان إلى وحدة في سجل.

ومن هنا يمكن أن تصبح السيميائية أداة لفهم كيفية استخدام العلامة للحفظ أو للمحو.

الضوء والظلام والصمت: علامات لا تحتاج إلى كلام

لا تحصر الرواية العلامة في الكلمات والكتابة.

فالضوء والظلام، والصمت والبكاء، والإشارة والحركة، كلها يمكن أن تحمل دلالة. ففي الرواية يرتبط الظلام بإخفاء الحقيقة، بينما يرتبط الضوء بعودتها وانكشافها. (ص61–62)

ويظهر البكاء كذلك بوصفه تعبيرًا يتجاوز الكلمات؛ فحين تعجز اللغة عن قول كل شيء، يصبح البكاء نفسه علامة. (ص183)

وهكذا توسع الرواية مفهوم العلامة من اللغة المنطوقة والمكتوبة إلى العلامات البصرية، والجسدية، والمكانية، والوجدانية.

 من تحت السطح إلى ما وراء العلامة

ولعل أكثر ما يجمع هذه العلامات كلها هو عنوان الرواية نفسه: تحت سطح البحر.

فالسطح يمثل ما نراه، بينما ما تحته يمثل ما لا نراه مباشرة. وبين الاثنين تقوم رحلة الرواية:

رؤية، انتباه، علامة، قراءة، تأويل، كشف.

ولهذا يمكن القول إن الرواية لا تطلب من القارئ أن يسأل فقط: ماذا حدث؟ وإنما تدفعه إلى السؤال الأهم:

ماذا تعني هذه العلامة؟ وإلى ماذا تقودني؟

وهنا تحديدًا تلتقي الرواية مع جوهر الممارسة السيميائية: أن نرى الشيء، ثم لا نتوقف عنده، بل نبحث عما يدل عليه.

 

4.    الاسم بوصفه علامة على الهوية والذاكرة

من أكثر الممارسات السيميائية وضوحًا في رواية تحت سطح البحر التعامل مع الاسم باعتباره أكثر من مجرد وسيلة للتعريف. فالاسم في الرواية يحمل تاريخ المكان وذاكرته، ولذلك يصبح تغييره أو استبداله فعلًا يتجاوز اللغة إلى المعنى والهوية.

يظهر ذلك بوضوح في المشهد الذي تتحدث فيه الرواية عن إشارة الجفتلك التي استُبدلت بإشارة أخرى بالعبرية ولغة أخرى، وما يرافق ذلك من حديث عن تغيير أسماء المدن والطرق واستبدالها بأسماء لا يعرف أصحاب المكان حتى قراءتها. ((ص37)

هنا لا يعود السؤال: ما اسم المكان؟ بل يصبح:

ماذا يعني الاسم؟ ومن يملك حق تسميته؟ وماذا يحدث لذاكرة المكان عندما تتغير علامته؟

فالاسم يربط بين عدة مستويات: الاسم، اللغة، المكان، التاريخ، الذاكرة، الهوية.

ومن منظور سيميائي، فإن تغيير الاسم يعني تغيير العلامة التي يُستدعى بها المكان في الوعي. فإذا كان الاسم القديم يستحضر تاريخًا وذاكرة وانتماءً، فإن استبداله بعلامة جديدة يمكن أن يؤدي إلى إعادة إنتاج معنى جديد للمكان.

وهنا تكشف الرواية عن وظيفة أخرى للعلامة: فهي ليست دائمًا وسيلة لحفظ الحقيقة؛ يمكن أن تصبح أيضًا وسيلة لإعادة صياغتها أو طمسها.

وهذا يتضح أكثر حين تربط الرواية بين الأسماء القديمة والتاريخ الكنعاني. فهي تستعيد أسماء مثل قرية أربع وحزون، وتربطها بتاريخ المكان ومدينة الخليل، فتتحول الأسماء القديمة إلى آثار لغوية تستعيد ما غاب من التاريخ. ص (75)

وبذلك يصبح الاسم نفسه أثرًا؛ فهو قد يبقى بعد زوال من أطلقه، ويحمل إلى الحاضر شيئًا من الماضي.

وهنا تقترب الرواية من أحد الأسئلة الأساسية في السيميائية: كيف تنتج العلامة المعنى؟ فالاسم لا يحمل معناه منفردًا، وإنما يكتسب دلالته من علاقته بالمكان والتاريخ، واللغة، والذاكرة، والثقافة.

ومن هذه الناحية يمكن فهم الصراع على أسماء المدن والطرق في الرواية بوصفه صراعًا على العلامة، وبالتالي صراعًا على المعنى.

فالسيطرة على المكان لا تكون دائمًا بالسيطرة على أرضه فقط؛ قد تبدأ بالسيطرة على اسمه، وإشارته، واللغة التي يُكتب بها، والمعنى الذي يستدعيه.

وهذا يقودنا إلى فكرة أوسع:

إذا كان تغيير الاسم يستطيع أن يغيّر صورة المكان في الوعي، فإن الاسم ليس مجرد كلمة؛ إنه علامة تحمل هوية.

ومن هنا يصبح استعادة الاسم القديم في الرواية فعلًا من أفعال استعادة الذاكرة، وتصبح قراءة الأسماء القديمة شكلًا من أشكال قراءة التاريخ نفسه.

وهذه إحدى النقاط التي تجعل تحت سطح البحر نصًا صالحًا للقراءة السيميائية: فالرواية لا تستخدم العلامة للزينة، وإنما تجعلها جزءًا من الصراع بين الطمس والكشف، والنسيان والذاكرة، والرواية المفروضة والحقيقة المدفونة تحت السطح.

 

5.    الختم بوصفه علامة ودليلًا على الهوية

إذا كان الاسم في الرواية علامة لغوية تحمل هوية المكان وذاكرته، فإن الختم يمثل الوجه المادي للعلامة. فهو لا يكتفي بأن يكون أثرًا محفوظًا من الماضي، وإنما يحمل دلالة تتجاوز شكله المادي إلى الهوية، والمصدر، والملكية، والتوثيق.

ولعل اختيار الختم ليظهر على غلاف رواية تحت سطح البحر ليس تفصيلًا عابرًا؛ فهو يضع القارئ منذ البداية أمام واحدة من أقدم صور العلامة التي عرفها الإنسان: شكل مادي يُترك أثره ليقول شيئًا عن صاحبه أو مصدر الشيء الذي حُمل عليه.

وتمنح الرواية ختم أريحا دلالة خاصة، فتصفه بأنه رمزي جدًا، وتربطه بالسجلات القديمة وبالقمر ومدينة القمر. ص (73) وهنا يتحول الختم من قطعة أثرية إلى علامة تفتح بابًا على تاريخ أريحا ومعناها.

ومن المنظور السيميائي يمكن النظر إلى الختم عبر هذه السلسلة:

الختم، الأثر، التعريف، المصدر، الهوية، المعنى.

فالذي يرى الختم لا يتوقف عند شكله؛ بل يسأل: من وضعه؟ وعلى ماذا؟ ولماذا؟ وماذا يعني؟ وهذه الأسئلة هي جوهر ممارسة العلامة وتأويلها.

والأهم أن الختم يوضح الفرق الذي انطلقنا منه بين ممارسة السيميائية وعلم السيميائية. فالإنسان القديم لم يكن بحاجة إلى أن يعرف مصطلح السيميائية حتى يدرك أن وضع علامة خاصة على شيء ما يجعله مختلفًا عن غيره، ويشير إلى صاحبه أو مصدره أو وظيفته. لقد كان يمارس وظيفة العلامة قبل أن تظهر النظرية التي ستدرسها.

وهنا يمكن أن نقترب من تصنيف بيرس للعلامات، وبخاصة مفهوم المؤشر؛ فالختم أثر مادي موجود في الحاضر، لكنه يحيل إلى شخص، أو جهة، أو زمن، أو ممارسة في الماضي. ومن ثم فهو لا يخبرنا عن نفسه فقط، بل يقودنا إلى شيء غائب عنه.

وهذا هو ما يجعل الختم مهمًا في رواية تبحث عن الحقيقة المدفونة تحت السطح. فالمخطوط يحفظ الكلام، والاسم يحفظ الذاكرة، والأثر يحفظ حضور الماضي، أما الختم فيضيف إلى ذلك دلالة الهوية والإثبات.

وبذلك يصبح الختم في الرواية مثالًا مكثفًا على الفكرة التي يقوم عليها هذا المقال:

العلامة قديمة بقدم حاجة الإنسان إلى أن يترك أثرًا يدل عليه، أما علم العلامات فهو حديث لأنه جاء لاحقًا ليدرس هذه الممارسة ويصوغ لها نظرياتها.

ومن هنا فإن ختم أريحا لا ينبغي أن يُقرأ في الرواية بوصفه أثرًا تاريخيًا فقط، بل بوصفه علامة تقود إلى علامة، وأثرًا يقود إلى معنى، ومعنى يقود إلى تاريخ.

 

6.    المخطوط والشيفرة — من العلامة إلى التأويل

من أبرز ما يجعل رواية تحت سطح البحر قابلة للقراءة السيميائية أنها لا تقدم المخطوط القديم باعتباره وثيقة جاهزة المعنى، وإنما تجعله علامة تحتاج إلى القراءة والكشف والتأويل.

فمنذ بداية الرواية، يرتبط الوصول إلى الحقيقة بفهم مخطوط قديم، وبالقدرة على قراءة اللغة القديمة وفك الألغاز والشيفرات التي يحتويها. وهنا لا تكون المشكلة في وجود المعلومة، وإنما في كيفية الوصول إلى معناها. فالمخطوط موجود، لكن معناه لا يظهر بمجرد النظر إليه؛ لا بد من قارئ يمتلك المعرفة اللازمة لفك علاماته.

وهذا يضعنا أمام سلسلة واضحة:

مخطوط، كتابة، لغة، شفرة، قراءة، تأويل، معنى، حقيقة.

وهذه السلسلة تمثل جوهر الممارسة السيميائية؛ فالعلامة لا تنتهي عند شكلها المادي، وإنما تبدأ منه. الحروف التي يراها القارئ ليست الغاية، وإنما هي الطريق إلى معنى وراءها.

المخطوط بوصفه نظامًا من العلامات

اللغة القديمة في الرواية تكشف لنا أن العلامة لا تعمل منفردة. فالحرف يرتبط بالكلمة، والكلمة بالجملة، والجملة بالسياق، والسياق بالتاريخ. ولذلك فإن فهم علامة واحدة قد يتطلب فهم النظام الذي توجد داخله.

وهنا تقترب الرواية من الفكرة السيميائية الأساسية: المعنى لا ينتج من العلامة وحدها، وإنما من العلاقات التي تربطها بغيرها ومن عملية تأويلها.

ولهذا فإن القارئ في الرواية لا يقوم بدور المتلقي السلبي، بل يتحول إلى مفسر للعلامات. إنه يبحث عن العلاقة بين ما هو مكتوب وما حدث، وبين الأسماء القديمة والأماكن، وبين المخطوط والآثار، وبين الأثر والحقيقة.

من فك الشيفرة إلى اكتشاف الحقيقة

الشيفرة في الرواية تؤدي وظيفة مهمة؛ فهي تجعل الحقيقة غير مباشرة. هناك شيء ظاهر، لكنه يشير إلى شيء آخر مخفي.

وهذا ينسجم مع العنوان نفسه تحت سطح البحر.

فالسطح هو ما يمكن رؤيته، أما ما تحته فيحتاج إلى الغوص. وكذلك العلامة: نرى شكلها أولًا، ثم نغوص في دلالتها.

ومن هنا يمكن صياغة المسار الذي تقترحه الرواية: لا يكفي أن ترى العلامة؛ عليك أن تعرف كيف تقرؤها. ولا يكفي أن تقرأها؛ عليك أن تعرف كيف تؤولها.

وهذا هو الفارق بين رؤية الشيء وقراءة دلالته.

المخطوط كذاكرة تقاوم الطمس

لا تكتسب الكتابة القديمة أهميتها في الرواية من قدمها فقط، وإنما من قدرتها على حفظ ما يمكن أن يضيع. فحين تتغير الأسماء، وتُطمس الآثار، وتُعاد كتابة التاريخ، يصبح المخطوط شاهدًا ماديًا يمكن العودة إليه.

وبذلك تتحول الكتابة إلى علامة تحفظ الذاكرة: الكتابة، الحفظ، الأثر، الذاكرة، استعادة الحقيقة.

وهنا تتجاوز السيميائية حدود السؤال: ماذا تعني العلامة؟ لتصل إلى سؤال آخر أكثر أهمية في الرواية:

ماذا يحدث عندما نحافظ على العلامة، وماذا يحدث عندما نطمسها؟

إن الرواية بذلك تقدم المخطوط والشيفرة والأثر باعتبارها وسائل لاستعادة معنى حاول الزمن أو الصراع أن يخفيه.

ومن هنا فإن المخطوط في تحت سطح البحر ليس مجرد وثيقة تاريخية؛ إنه علامة على حقيقة غائبة، ولا تظهر هذه الحقيقة إلا عندما ينجح الإنسان في قراءة العلامة وتأويلها.

وهذا يقودنا إلى نتيجة أساسية في موضوعنا: إن ممارسة التأويل التي تقوم عليها السيميائية الحديثة ليست جديدة في جوهرها؛ الجديد هو أن الإنسان الحديث حوّل هذه الممارسة القديمة إلى علم ونظرية ومناهج.

 

7.    المكان بوصفه علامة — عندما تتحول الجغرافيا إلى ذاكرة

في رواية تحت سطح البحر لا يظهر المكان مجرد إطار تجري فيه الأحداث، وإنما يتحول إلى علامة تحمل تاريخًا وذاكرة ومعنى. فأريحا، والقدس، والطرق، والكهوف، والبحر ليست أماكن محايدة؛ بل لكل منها ما يحيل إليه من تاريخ وتجربة وذاكرة.

وهنا ننتقل من النظر إلى المكان بوصفه جغرافيا إلى النظر إليه بوصفه نصًا قابلًا للقراءة.

فحين تتحدث الرواية عن أريحا، فإنها لا تشير إلى مدينة في الحاضر فقط، بل تستدعي طبقات من الماضي: أريحا القديمة، تل عين سلطان، الأسماء الكنعانية، الآثار، والمخطوطات. وتستخدم الرواية هذه العناصر بوصفها شواهد تقاوم الرواية التي تريد فصل المكان عن تاريخه. كما تربط بين أريحا وتاريخها الأثري، وبين ما بقي من آثارها وما يمكن أن تقوله عن الماضي.

المكان لا يقول أين فقط، بل يقول ماذا كان

في القراءة السيميائية، يمكن أن يصبح المكان علامة عندما يتجاوز وظيفته المكانية المباشرة ويشير إلى معنى آخر.

فأريحا في الرواية يمكن قراءتها ضمن هذه السلسلة: أريحا، الأثر، التاريخ، الذاكرة، الهوية.

والكَهف كذلك لا يمثل مجرد مكان للاختباء أو العبور؛ فهو في سياق الرواية يرتبط بما هو مخفي، وبالحقيقة التي تحتاج إلى الوصول إليها. وكذلك البحر الذي يظهر في العنوان ليس مجرد فضاء طبيعي، وإنما يصبح رمزًا لما هو مدفون وغير مرئي ويحتاج إلى الغوص لاكتشافه.

المكان بوصفه أثرًا

المكان يحتفظ بما مرّ به، حتى عندما يختفي أصحابه. فالآثار الموجودة فيه تصبح علامات تشير إلى حياة سابقة.

ولهذا فإن قراءة المكان في الرواية تشبه قراءة المخطوط:

المخطوط يحفظ أثرًا مكتوبًا، والمكان يحفظ أثرًا ماديًا.

وفي الحالتين لا تكفي المشاهدة؛ بل نحتاج إلى قراءة الأثر وتأويله.

وهنا تقترب الرواية من جوهر التفكير السيميائي: أن ما نراه لا يمثل بالضرورة كل ما يعنيه الشيء. فالأثر الموجود أمامنا يحيل إلى شيء غائب؛ والمكان الحاضر يحيل إلى زمن غائب؛ والاسم الموجود على الخريطة قد يحيل إلى تاريخ كامل.

تغيير المكان يبدأ أحيانًا بتغيير علامته

وهذا يعيدنا إلى قضية الأسماء التي تناولناها في المحور السابق. فالسيطرة على المكان لا تتعلق بالأرض وحدها، وإنما يمكن أن تمتد إلى علاماته، وأسمائه، ولغته، وذاكرته.

ولهذا يصبح تغيير اسم المكان أو إشاراته محاولة لإعادة إنتاج دلالته.

فالمكان: أرض + اسم + أثر + ذاكرة = هوية.

ومن هنا يمكن فهم أهمية استعادة الأسماء القديمة والآثار في الرواية؛ فهي ليست عودة إلى الماضي من أجل الماضي، وإنما محاولة لقراءة المكان بما يحمله من دلالات.

تحت سطح البحر: المكان الذي يخفي الحقيقة

ولعل العنوان يجمع هذه الفكرة كلها. تحت سطح البحر يحول المكان إلى استعارة معرفية:

فوق السطح: ما نراه.
تحت السطح: ما لا نراه.
الغوص: فعل البحث.
الأثر: العلامة.
التأويل: طريق الكشف.

وبذلك يصبح المكان نفسه جزءًا من بنية البحث عن الحقيقة.

وهنا تكشف الرواية عن مستوى آخر من ممارسة العلامة: ليست العلامة دائمًا كلمة أو رمزًا أو ختمًا؛ قد تكون مدينة، أو كهفًا، أو أثرًا، أو بحرًا.

ومن ثم يمكننا القول:

في تحت سطح البحر لا نقرأ التاريخ في الكتب وحدها؛ نقرأه أيضًا في الأماكن وآثارها وأسمائها. فالمكان قد يكون علامة، ومن لا يعرف كيف يقرأ المكان قد يرى الأرض ولا يرى ما تقوله.

 

8.    الأثر بوصفه علامة — حين يتكلم ما بقي من الماضي

إذا كان المكان في رواية تحت سطح البحر يحمل ذاكرة، فإن الأثر هو العلامة التي تجعل هذه الذاكرة قابلة للقراءة. فالأثر هو شيء بقي في الحاضر ليشير إلى شيء كان موجودًا في الماضي؛ ولذلك لا تتوقف دلالته عند وجوده المادي، بل تمتد إلى ما يحيل إليه من إنسان أو حدث أو حضارة.

وهنا تظهر إحدى أهم وظائف العلامة: أن تجعل الغائب حاضرًا من خلال أثره.

فالختم، والمخطوط، والكتابة القديمة، وبقايا المواقع الأثرية، كلها لا تتحدث عن نفسها فقط، وإنما تقود القارئ إلى ما وراءها. ويمكن التعبير عن ذلك بالسلسلة: الأثر، ما غاب، البحث، التأويل، استعادة المعنى.

الأثر لا يساوي الحقيقة، لكنه يقود إليها

الرواية لا تتعامل مع الأثر باعتباره حقيقة مكتملة، بل باعتباره دليلًا يحتاج إلى قراءة. فوجود أثر قديم يثير السؤال: ماذا يعني؟ إلى أي زمن يعود؟ من تركه؟ وما الذي يخبرنا به؟

وهنا يتحول الباحث من مجرد مشاهد إلى قارئ للعلامات.

وهذا ما يجعل الأثر قريبًا من مفهوم المؤشر عند بيرس؛ فالمؤشر يرتبط بما يدل عليه بعلاقة فعلية أو أثرية. والدخان، مثلًا، يدل على النار، والأثر يدل على وجود سابق. وبالمعنى نفسه، يمكن للأثر الأثري أن يدل على حياة أو نشاط أو حضارة لم تعد موجودة في صورتها الأصلية.

أريحا: حين يصبح الأثر شاهدًا

تمنح الرواية أريحا أهمية خاصة، ولا تقدمها بوصفها مدينة حاضرة فقط، وإنما تستحضر تاريخها وآثارها، ومنها تل عين سلطان، لتجعل من بقايا الماضي جزءًا من عملية البحث عن الحقيقة.

وهنا تصبح الآثار بمثابة ذاكرة مادية للمكان. فحين تضيع الوثائق أو تتغير الأسماء أو تتعدد الروايات، يبقى الأثر قادرًا على طرح أسئلة لا يمكن تجاهلها.

ولهذا فإن قراءة أريحا في الرواية لا تتم من خلال النصوص وحدها، وإنما من خلال الجمع بين:

الاسم + المخطوط + الأثر + المكان + الذاكرة.

وهذا الجمع بين العلامات مهم جدًا؛ لأن العلامة الواحدة قد تحتمل أكثر من تفسير، بينما يؤدي ترابط العلامات إلى بناء معنى أكثر قوة.

الأثر في مواجهة الطمس

تزداد أهمية الأثر عندما يكون الماضي موضع صراع. فطمس الأثر أو تجاهله لا يعني إزالة حجر أو قطعة مادية فقط، بل قد يعني قطع الصلة بين الحاضر وما كان قبله.

ولهذا تصبح المحافظة على الأثر فعلًا من أفعال حفظ الذاكرة.

وفي هذا السياق يمكن فهم عنوان الرواية مرة أخرى: فالحقيقة التي تبحث عنها الرواية ليست دائمًا فوق السطح؛ إنها موجودة في آثار وأسماء ومخطوطات وأماكن تحتاج إلى من يقرأها.

وهنا تتقاطع الرواية مع جوهر الممارسة السيميائية:

أن ترى الأثر، ثم تسأل عمّا يدل عليه؛ وأن تنتقل من الشيء الموجود أمامك إلى الشيء الغائب الذي يشير إليه.

وبذلك لا يعود الأثر مجرد بقايا من الماضي، بل يصبح لغة صامتة.

فالحجر يمكن أن يتكلم، والختم يمكن أن يتكلم، والمكان يمكن أن يتكلم، والمخطوط يمكن أن يتكلم؛ لكنهم لا يتكلمون باللغة المعتادة، وإنما بلغة العلامات.

ومن هنا يمكن القول إن تحت سطح البحر تقدم تصورًا مهمًا للمعرفة: الحقيقة لا تُستخرج دائمًا من رواية جاهزة، بل قد تُبنى من قراءة الآثار وربط العلامات وتأويلها.

وهذه، في جوهرها، ليست مجرد تقنية روائية؛ إنها صورة مبكرة جدًا لما ستأتي السيميائية الحديثة لاحقًا لتدرسه بصورة علمية ومنهجية: كيف يدل شيء على شيء آخر، وكيف ينتقل الإنسان من العلامة إلى المعنى؟

 

9.    من الاسم إلى الرقم — عندما تتحول العلامة من حفظ الهوية إلى محوها

تقدم رواية تحت سطح البحر نموذجًا آخر بالغ الدلالة لوظيفة العلامة، من خلال مشهد مقابر الأرقام، حيث يحل الرقم محل اسم الشهيد. وهنا لا تعود العلامة مجرد وسيلة للتعريف، بل تصبح جزءًا من سؤال أعمق: يمكن للعلامة أن تحفظ الإنسان، كما يمكن أن تستخدم لمحو هويته؟

فالاسم يحمل أكثر من وظيفة تعريفية؛ إنه يستدعي شخصًا بعينه، وتاريخه، وأسرته، وذاكرته. أما الرقم، فعلى الرغم من أنه علامة تعريفية، فإنه يفصل الإنسان عن اسمه ويضعه في صيغة مجردة.

يمكن تمثيل التحول هكذا: الإنسان، الاسم، الهوية، الذاكرة. مقابل: الإنسان، الرقم، التجريد، محو الخصوصية.

وهنا تكشف الرواية أن العلامة ليست محايدة دائمًا. فالمعنى الذي تحمله العلامة يتحدد أيضًا بالوظيفة التي تؤديها والسياق الذي تستخدم فيه.

الاسم يحفظ، والرقم قد يجرّد

عندما يكون الاسم حاضرًا، يبقى الإنسان حاضرًا في الذاكرة باسمه. أما عندما يستبدل الاسم برقم، فإن العلامة الجديدة قد تؤدي وظيفة مختلفة تمامًا: التعريف الإداري بدل التعريف الإنساني.

ومن منظور سيميائي، نحن أمام تغيير في نظام الدلالة نفسه. لم يعد المطلوب أن نتذكر: من هو؟ بل يكفي أن نعرف: ما رقمه؟

وهنا يصبح السؤال:

ماذا يحدث للإنسان عندما تستبدل علامته التي تحمل هويته بعلامة تختصره في رقم؟

وهذه النقطة مهمة لأنها توسع مفهوم السيميائية من دراسة كيفية إنتاج المعنى إلى دراسة آثار استخدام العلامات في الإنسان والمجتمع.

العلامة يمكن أن تكون أداة مقاومة

لكن الرواية لا تجعل العلامة أداة للمحو فقط. فالعودة إلى الاسم القديم، واستعادة الكتابة، وحفظ المخطوط، وقراءة الأثر، كلها يمكن أن تصبح وسائل لمقاومة النسيان.

وهنا تظهر ثنائية واضحة في الرواية: طمس الاسم، طمس الذاكرة

في مقابل: استعادة الاسم، استعادة الذاكرة.

وبذلك يصبح الصراع على العلامة صراعًا على ما تمثله العلامة.

فالذي يغير الاسم لا يغير كلمة فقط، والذي يستبدل الاسم بالرقم لا يغير طريقة التسجيل فقط؛ إنما يمكن أن يغير المعنى الذي يبقى للإنسان أو المكان في الذاكرة.

من السيميائية إلى سؤال المسؤولية

وهنا تقدم الرواية بعدًا مهمًا لفهم العلامة: العلامات يمكن أن تحفظ الحقيقة ويمكن أن تخفيها، ويمكن أن تمنح الإنسان حضورًا ويمكن أن تجرده من خصوصيته.

وهذا يجعل قراءة العلامات ليست تمرينًا لغويًا أو أدبيًا فقط، بل فعلًا يحتاج إلى وعي بالسياق والغاية والنتائج.

ولعل هذا من أكثر ما يجعل تحت سطح البحر مثيرة للاهتمام في موضوع السيميائية: فهي لا تسأل فقط ماذا تعني العلامة؟، بل تدفعنا إلى سؤال آخر:

من يصنع العلامة؟ ولماذا؟ ولمن؟ وماذا يريد أن يجعلنا نرى أو لا نرى؟

وهنا نقترب من جوهر الفكرة التي يمكن أن تحملها الرواية إلى خارج الأدب:

العلامة قد تكون وسيلة لحفظ الذاكرة، وقد تكون وسيلة لإعادة تشكيلها.

ومن ثم فإن فهم العلامات لا يعني فقط فك رموزها، وإنما فهم القوة التي تقف وراء إنتاجها واستخدامها.

 

10.                       الصمت واللون والضوء — علامات تتجاوز اللغة

لا تجعل رواية تحت سطح البحر العلامة محصورة في الكلمة المكتوبة، أو الاسم، أو الختم، أو المخطوط؛ بل توسع مجالها ليشمل الصمت، والبكاء، واللون، والضوء، والظلام، والإشارة، والحركة. وهنا تقترب الرواية بصورة واضحة من الفكرة الأساسية في السيميائية: المعنى لا ينتج من اللغة وحدها، بل يمكن أن تحمله أشياء وأفعال لا تتكلم.

الصمت بوصفه علامة

في الرواية، لا يعني الصمت غياب الكلام بالضرورة. فقد يكون الصمت نفسه حاملًا لمعنى لا تستطيع الكلمات التعبير عنه.

وهذا يتضح بصورة أقوى في مشهد البكاء، حين يصبح البكاء تعبيرًا يتجاوز اللغة، وتقول الرواية إن البكاء وحده يعبر عن أشياء لا تستطيع الكلمات أن تعبر عنها. (ص183)

هنا تتحول الاستجابة الإنسانية إلى علامة: البكاء، الألم، العجز عن الكلام، المعنى.

فالذي يرى البكاء لا يحتاج إلى أن يسمع شرحًا طويلًا حتى يدرك أن وراءه تجربة أو ألمًا أو فقدًا.

اللون بوصفه علامة

تستخدم الرواية الألوان أيضًا ضمن بناء المشهد والدلالة. فالمرأة ذات الملابس السوداء، والوشاح الأحمر، والثوب الأبيض ذي الورود الخضراء في مشهد مقابر الأرقام (ص91)، ليست مجرد تفاصيل وصفية بالضرورة؛ وإنما يمكن قراءتها داخل السياق بوصفها عناصر بصرية تساهم في إنتاج المعنى.

وهنا يجب أن ننتبه إلى أن اللون لا يحمل معنى واحدًا ثابتًا في كل الثقافات والسياقات؛ فدلالته تتشكل من السياق الذي يظهر فيه وعلاقته ببقية العلامات.

وهذه نقطة سيميائية مهمة: العلامة لا تُقرأ منفصلة عن النظام الذي توجد داخله، والوان ملابس المرأة داخل النظام الثقافي الفلسطيني تعني العلم.

الضوء والظلام

من أكثر الثنائيات حضورًا في الرواية الضوء والظلام.

فالظلام يرتبط بما هو مخفي ومجهول، بينما يرتبط الضوء بالكشف والعودة إلى الحقيقة. وفي الصفحات التي تتحدث عن الحقيقة والظلام والنور وعودة الضوء، يصبح الضوء أكثر من ظاهرة طبيعية؛ إنه جزء من البنية الدلالية للرواية. (ص61–62)

وهكذا يمكن أن نقرأ: الظلام، الاختفاء، المجهول.

مقابل: النور، الكشف، المعرفة، الحقيقة.

وهذا ينسجم مع الحركة الأساسية في الرواية مما هو مخفي إلى ما هو مكشوف.

العلامة التي لا تتكلم

تكشف هذه الأمثلة أن الإنسان يستطيع أن يتواصل دون أن ينطق بكلمة.

قد تقول العين شيئًا، وقد يقول الصمت شيئًا، وقد تقول الدموع شيئًا، وقد يقول اللون أو الضوء شيئًا آخر.

ومن هنا يمكن توسيع السؤال السيميائي من:

ماذا تعني الكلمة؟ إلى: ماذا يعني ما نراه؟ وماذا يعني ما لا يُقال؟

وهذا ينسجم مع طبيعة رواية تحت سطح البحر، التي تدعو القارئ باستمرار إلى عدم الاكتفاء بالظاهر، بل البحث عما تشير إليه التفاصيل.

من العلامة إلى شبكة العلامات

والأهم أن هذه العلامات لا تعمل منفردة. فالضوء يرتبط بالحقيقة، والحقيقة ترتبط بالمخطوط، والمخطوط يرتبط باللغة، واللغة ترتبط بالأسماء، والأسماء ترتبط بالمكان والتاريخ والهوية.

وبذلك تصبح الرواية شبكة من العلامات المترابطة، لا مجموعة من الرموز المنفصلة.

وهنا نصل إلى فكرة مهمة في القراءة السيميائية:

لا تكمن دلالة العلامة دائمًا في ذاتها، وإنما في علاقتها بالعلامات الأخرى.

وهذا ما يجعل تحت سطح البحر قابلة لأن تُقرأ بوصفها تجربة في قراءة العلامات وتأويلها؛ فالكاتب لا يقول كل شيء مباشرة، والقارئ لا يكتفي بما يرى، وإنما ينتقل من العلامة إلى ما وراءها.

وهنا تلتقي ممارسة الرواية مع جوهر السيميائية: أن نتعلم كيف نقرأ ما لا يتكلم.

 

11.                       تحت سطح البحر — العنوان بوصفه علامة كبرى

قد يكون أول ما ينبغي أن نقرأه في رواية تحت سطح البحر هو عنوانها نفسه. فالعنوان ليس مجرد تسمية للرواية، بل يمكن قراءته بوصفه علامة كبرى تختصر بنيتها الدلالية وتوجه القارئ إلى الطريقة التي ينبغي أن يقرأ بها النص.

فالكاتب يوضح أن اختيار العنوان جاء لأنه يشير إلى حقيقة مدفونة تحت سطح البحر، وأن الوصول إليها يتطلب البحث عما يخفيه الظاهر. (ص12–13)

ومن هنا يصبح العنوان مفتاحًا لفهم الرواية:

السطح، الظاهر
ما تحت السطح، المخفي
الغوص، البحث
الأثر، العلامة
القراءة، التأويل
التأويل، الكشف
الكشف، الحقيقة.

من الظاهر إلى الباطن

هذه الحركة من السطح إلى العمق تتكرر في بناء الرواية كله. فالحقيقة لا تقدم للقارئ بصورة مباشرة، وإنما تتوزع في أسماء ومخطوطات وأختام، وآثار، وأماكن، وشيفرات.

وبذلك يصبح القارئ أمام مستويين: ما تراه العين، وما تدل عليه العين.

وهذا هو جوهر القراءة السيميائية؛ فالعلامة لا تساوي الشيء الذي نراه، وإنما تقودنا إلى شيء آخر يتجاوزها.

فالختم ليس مجرد شكل، والمخطوط ليس مجرد أوراق، والاسم ليس مجرد كلمة، والمكان ليس مجرد مساحة جغرافية. كل واحد منها يحيل إلى معنى يتجاوز وجوده المباشر.

البحر بوصفه علامة

ولا يبدو البحر في العنوان مجرد خلفية مكانية. فالبحر هنا يتحول إلى علامة على العمق وإخفاء الحقيقة والحاجة إلى البحث والغوص.

ولهذا فإن عبارة تحت سطح البحر يمكن قراءتها على مستويين:

مستوى واقعي: شيء موجود في مكان مخفي تحت الماء.

مستوى دلالي: حقيقة موجودة تحت سطح الرواية تحتاج إلى من يبحث عنها.

ومن هنا تتصل صورة البحر بصورة المخطوط والأثر والكهف؛ فكلها تنتمي إلى حقل دلالي واحد:

شيء ظاهر يخفي وراءه شيئًا أعمق.

العنوان يلخص ممارسة سيميائية

إذا كانت السيميائية تقوم على الانتقال من العلامة إلى ما تدل عليه، فإن عنوان الرواية نفسه يقوم بهذه الوظيفة.

فهو لا يخبرنا فقط أين توجد الحقيقة، بل يخبرنا أيضًا كيف نبحث عنها.

إنه يدفع القارئ إلى عدم الاكتفاء بالسطح، وإلى طرح السؤال:

ماذا يوجد تحت ما أراه؟

وهذا السؤال هو في جوهره سؤال سيميائي؛ لأن القراءة السيميائية تبدأ عندما لا نكتفي بما يظهر أمامنا، بل نبحث عما يشير إليه.

ولهذا يمكن القول إن تحت سطح البحر ليست فقط اسم الرواية، وإنما هي منهج قراءتها أيضًا.

فالرواية تقول لنا، بصورة غير مباشرة:

لا تقرأ السطح وحده؛ ابحث عما تحته. لا تنظر إلى العلامة وحدها؛ اسأل عما تدل عليه.

ومن هنا يصبح العنوان نفسه أول درس سيميائي تقدمه الرواية للقارئ، قبل أن يبدأ القارئ في قراءة صفحاتها.

 

12.                       ماذا تكشف الرواية عن السيميائية قبل أن تصبح علمًا؟

تكشف رواية تحت سطح البحر أن الإنسان القديم لم يكن يتعامل مع الأشياء بوصفها أشياء فقط، بل كان يقرأ فيها ما تدل عليه. فالاسم يدل على المكان والهوية، والختم يدل على صاحب الشيء أو مصدره، والمخطوط يحمل معنى يتجاوز مادته، والأثر يدل على زمن غائب، والمكان يحمل ذاكرة، واللون والضوء والصمت والإشارة يمكن أن تقول ما لا تقوله الكلمات.

بهذا المعنى، تقدم الرواية صورة للعلامة قبل أن تتحول إلى موضوع علم مستقل.

فالعلامة في الرواية لا تظهر كتعريف نظري، وإنما بوصفها ممارسة إنسانية حية: شيء موجود أمام العين، لكنه يقود العقل إلى شيء غير حاضر مباشرة.

الختم ليس مجرد قطعة أثرية؛ إنه يدل.
الاسم ليس مجرد لفظ؛ إنه يحيل إلى هوية وذاكرة.
المخطوط ليس مجرد كتابة؛ إنه يحمل سرًا يحتاج إلى قراءة وتأويل.
الأثر ليس مجرد بقايا؛ إنه شاهد على ما غاب.
المكان ليس مجرد جغرافيا؛ إنه نص تاريخي.
الرقم ليس مجرد علامة تعريف؛ فقد يتحول إلى أداة لمحو الاسم والهوية.

وهنا تظهر إحدى أهم أفكار الرواية: المعنى لا يوجد دائمًا على سطح الأشياء.

وهذا ما يفسر دلالة العنوان نفسه: تحت سطح البحر. فالرواية تدعو القارئ إلى تجاوز الظاهر والبحث عما هو مخفي؛ أي إلى الانتقال من رؤية العلامة إلى قراءة دلالتها.

ومن هذه الزاوية يمكن تلخيص ما تكشفه الرواية في ستة مستويات:

وظيفته بوصفه علامة

ما يظهر في الرواية

حفظ الهوية والذاكرة

الاسم

التعريف والإثبات والدلالة

الختم

حفظ المعرفة واستدعاء التأويل

المخطوط

الدلالة على الماضي الغائب

الأثر

تحويل الجغرافيا إلى ذاكرة

المكان

إمكان استخدام العلامة للمحو بدل الحفظ

الرقم

 

والأهم أن هذه العلامات لا تعمل منفردة. فالاسم يقود إلى المكان، والمكان إلى التاريخ، والتاريخ إلى الذاكرة، والذاكرة إلى الهوية. والمخطوط يقود إلى اللغة، واللغة إلى الشيفرة، والشيفرة إلى التأويل، والتأويل إلى الحقيقة.

إذن، ما تكشفه الرواية ليس مجرد وجود علامات قديمة، وإنما وجود وعي عملي بالعلاقة بين العلامة والمعنى.

وهنا تكمن قيمة الرواية بالنسبة إلى سؤال السيميائية: إنها تجعلنا نرى أن علم العلامات حديث، لكن عالم العلامات قديم؛ وأن الإنسان مارس العلامة وقرأها وتأولها قبل أن يأتي من يضع لهذه الممارسات أسماءً ومفاهيم ونظريات.

لذلك يمكن صياغة خلاصة هذا المحور في عبارة واحدة:

لم تبدأ السيميائية عندما بدأ علمها؛ بل بدأ علم السيميائية عندما أصبح الإنسان يدرس ما كان يمارسه منذ زمن طويل: كيف يدل شيء على شيء آخر، وكيف يقودنا الظاهر إلى معنى غير ظاهر.

ومن هنا يصبح السؤال التالي أكثر إثارة:

 إذا كانت العلامة قديمة إلى هذا الحد، فما الذي جعل الإنسان ينتقل من استخدامها إلى التفكير فيها علميًا؟

 

13.                       من أجدادنا الكنعانيين إلى سوسير وبيرس — كيف انتقلت العلامة من الممارسة إلى العلم؟

إذا كانت رواية تحت سطح البحر تضع أمامنا أسماءً وأختامًا ومخطوطات وآثارًا وأماكن وأرقامًا وألوانًا وإشارات صامتة، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو: ما الذي يجعل هذه الممارسات القديمة ذات صلة بعلم السيميائية الحديث؟

الإجابة تبدأ من التمييز الذي انطلقنا منه: العلامة لم تنتظر ظهور علم السيميائية لكي توجد. فالإنسان استخدم العلامات وقرأها وتأولها منذ أن احتاج إلى أن يعرف شيئًا من خلال شيء آخر.

من العلامة إلى النظرية

يمكن تصور المسار التاريخي في سلسلة بسيطة:

الحاجة إلى الدلالة، إنتاج العلامة، قراءة العلامة، تأويلها، تراكم الخبرة، التفكير في كيفية عملها، بناء النظرية، علم السيميائية.

فحين يضع الإنسان ختمًا على شيء ليشير إلى صاحبه أو مصدره، فهو يمارس وظيفة علامية، حتى لو لم يكن يعرف مصطلح السيميائية.

وحين يحافظ على اسم مكان قديم لأنه يحيل إلى تاريخه، فهو يستخدم الاسم بوصفه علامة.

وحين يبحث في مخطوط قديم عن معنى مخفي وراء كلمات أو رموز، فهو لا يكتفي بقراءة النص، بل يدخل في عملية تأويل للعلامات.

وهذه تحديدًا هي المساحة التي تكشفها الرواية.

سوسير وبيرس لم يخترعا العلامة

جاء فرديناند دي سوسير في مطلع القرن العشرين ليمنح دراسة العلامة، ولا سيما العلامة اللغوية، إطارًا نظريًا جديدًا، من خلال التمييز بين الدال والمدلول والنظر إلى اللغة بوصفها نظامًا من العلامات.

وجاء تشارلز ساندرس بيرس بتصور أوسع للعلامة، قائم على علاقة ثلاثية بين العلامة وموضوعها وتأويلها، وميز بين أنماط مختلفة من العلامات، منها الأيقونة والمؤشر والرمز.

لكن لا سوسير ولا بيرس اخترعا الممارسات التي أصبحت موضوعًا للتنظير؛ بل حوّلا سؤال العلامة إلى موضوع للدراسة المنهجية.

وهنا تكمن أهمية الرواية: فهي تعيدنا أدبيًا إلى عالم كانت فيه العلامة تُمارس قبل أن تُنظَّر.

تحت سطح البحر بين الممارسة والتأويل

في الرواية، لا تأتي العلامة منفردة. فالاسم يقود إلى المكان، والمكان إلى التاريخ، والتاريخ إلى الذاكرة، والمخطوط إلى اللغة، واللغة إلى الشيفرة، والشيفرة إلى التأويل.

وهذا يجعل القراءة نفسها فعلًا سيميائيًا:

علامة، سؤال، بحث، تأويل، معنى، حقيقة.

فالمخطوط الذي يحتاج إلى فك ألغاز وشيفرات، كما تذكر الرواية في ص11، لا يقدم الحقيقة جاهزة، وإنما يضع أمام القارئ علامات تحتاج إلى قارئ قادر على فك دلالتها.

والختم الذي تظهر رمزيته في الرواية ص73 لا يصبح مهمًا لمجرد وجوده المادي، بل لأنه يدل على شيء يتجاوز مادته.

والاسم لا يبقى مجرد لفظ عندما يصبح تغيير الاسم تغييرًا في علاقة الإنسان بالمكان وذاكرته، كما يظهر في معالجة الرواية للأسماء في ص37 و75.

وهنا يصبح السؤال أعمق

إذا كانت العلامة قديمة، وممارسة العلامة قديمة، وتأويلها قديمًا أيضًا، فما الذي أضافه علم السيميائية؟

أضاف القدرة على أن نسأل عن كيفية عمل العلامة:

·         كيف يدل شيء على شيء آخر؟

·         كيف يتشكل المعنى؟

·         لماذا تختلف دلالة العلامة باختلاف السياق؟

·         من ينتج العلامة؟

·         من يملك حق تفسيرها؟

·         كيف يمكن للعلامة أن تحفظ الذاكرة؟

·         وكيف يمكن استخدامها أيضًا لتغيير الذاكرة أو محوها؟

وهنا تنتقل المسألة من استخدام العلامة إلى الوعي بنظام العلامات.

من حفظ الهوية إلى الصراع عليها

هذه النقطة مهمة في قراءة تحت سطح البحر.

فالرواية لا تقدم العلامة باعتبارها أداة بريئة دائمًا. فالاسم يمكن أن يحفظ الهوية، لكنه يمكن أن يُستبدل. والرقم يمكن أن يكون وسيلة للتعريف، لكنه في مقابر الأرقام يتحول إلى بديل عن اسم الإنسان وهويته (ص91).

وهكذا تصبح السيميائية، في القراءة التي تقترحها الرواية، مرتبطة بسؤال أكبر:

من يملك العلامة يملك جزءًا من القدرة على إنتاج المعنى.

ومن يغيّر الاسم، أو يخفي الأثر، أو يستبدل الاسم بالرقم، لا يغيّر الكلمات فقط؛ بل يمكن أن يغيّر ما الذي يتذكره الإنسان، وكيف يقرأ المكان، ومن يراه في التاريخ ومن لا يراه.

من الكنعاني إلى السيميائي

وهنا نصل إلى الفكرة المركزية للمحور:

الكنعاني لم يكن سيميائيًا بالمعنى الأكاديمي الحديث، لكنه كان يعيش ويعمل داخل عالم من العلامات.

أما سوسير وبيرس ومن جاء بعدهما، فقد جعلوا هذا العالم موضوعًا للسؤال والنظرية والتحليل.

لذلك فالأدق ألا نقول إن علم السيميائية كان موجودًا عند الكنعانيين، وإنما نقول:

كانت ممارسة العلامة وتأويلها موجودتين قبل أن يظهر علم العلامات الحديث بزمن طويل؛ وما فعله علم السيميائية هو أنه نقل العلامة من كونها ممارسة إنسانية إلى كونها موضوعًا للدراسة النظرية والمنهجية.

ومن هنا تصبح تحت سطح البحر أكثر من رواية تستعيد الماضي؛ إنها تفتح سؤالًا معرفيًا: هل كثير مما نسميه اليوم علومًا حديثة ليس إلا تنظيرًا حديثًا لممارسات إنسانية قديمة؟

 

خلاصة المقال

تكشف رواية تحت سطح البحر أن العلامة أقدم بكثير من علم السيميائية؛ فالإنسان لم ينتظر ظهور النظرية العلمية حتى يستخدم الاسم والختم والرمز والمخطوط والأثر والمكان واللون والصمت والضوء بوصفها وسائل للدلالة والوصول إلى معنى يتجاوز ظاهر الأشياء.

ومن خلال الرواية، نكتشف أن ممارسة العلامة وتأويلها تسبقان علم العلامات الحديث. فالاسم يحفظ الهوية والذاكرة، والختم يدل على المصدر والملكية، والمخطوط يخزن معرفة تحتاج إلى فك وتأويل، والأثر يشهد على ما غاب، والمكان يتحول إلى ذاكرة، بينما يمكن للرقم، في سياق آخر، أن يتحول من وسيلة تعريف إلى وسيلة لمحو الاسم والهوية.

وهنا تكمن أهمية الرواية: إنها لا تقدم السيميائية بوصفها نظرية، بل تكشف عالمًا كانت السيميائية تُمارس فيه قبل أن تصبح علمًا.

فما فعله سوسير وبيرس ومن جاء بعدهما لم يكن اختراع العلامة، وإنما تحويل ممارسة إنسانية قديمة إلى موضوع للتفكير المنهجي والنظرية العلمية.

ولذلك فإن السؤال الأدق ليس:

هل عرف الكنعانيون علم السيميائية؟ بل:

هل مارس الإنسان الكنعاني العلامة وقرأها وتأولها قبل أن يظهر علم السيميائية بآلاف السنين؟

والرواية تفتح الباب أمام الإجابة بنعم، دون أن نسقط على الماضي مفهومًا علميًا لم يكن موجودًا في صورته الحديثة.

وفي النهاية، تأخذ المسألة بُعدًا يتجاوز السيميائية نفسها: فالعلامة ليست مجرد وسيلة للدلالة، بل قد تكون وسيلة لحفظ الهوية أو إعادة تشكيل الذاكرة أو محوها. ومن يملك القدرة على إنتاج العلامة وتسمية الأشياء وتفسيرها، يملك جزءًا من القدرة على إنتاج المعنى.

وهكذا يمكن اختزال رسالة المقال في عبارة واحدة:

لم تبدأ العلامة عندما بدأ علم السيميائية؛ بل بدأ علم السيميائية عندما بدأ الإنسان يدرس ما كان يمارسه منذ زمن طويل: كيف يدل شيء على شيء آخر، وكيف يقودنا الظاهر إلى ما هو أعمق منه.

وهذه، في تقديري، هي النقطة التي تجعل تحت سطح البحر ليست مجرد رواية عن الماضي، وإنما مدخلًا أدبيًا للتفكير في تاريخ العلامة، وتاريخ المعنى، وعلاقة الإنسان بالذاكرة والهوية.

 

 

الشعار على غلاف تحت سطح البحر

يظهر في أعلى غلاف رواية تحت سطح البحر للكاتب والمؤرخ الفلسطيني مروان سمرات شعارٌ على هيئة جعران كنعاني أثري، وهو ختم كان يُستخدم لختم بضائع أريحا التي كانت تتجه في تجارتها حتى بلاد ما بين النهرين.

ولم يكن اختيار هذا الختم للغلاف اختيارًا زخرفيًا؛ فهو يتصل مباشرة بعالم الرواية الذي يستعيد تاريخ فلسطين القديم، ويبحث في الآثار والمخطوطات والأختام والأسماء والأماكن بوصفها شواهد تحمل دلالات على الماضي والهوية.

وتكمن أهمية الختم في وظيفته قبل شكله؛ فهو علامة للتعريف، والتمييز، وإثبات المصدر، والملكية.  فالشيء المختوم يحمل علامة تدل على صاحبه أو مصدره، وبذلك تتحول العلامة من مجرد نقش إلى وسيلة لحمل المعنى.

كما أن الخطوط المتموجة الظاهرة في الجزء السفلي من الشعار تنسجم بصريًا مع عنوان الرواية تحت سطح البحر، بما يفتح صلة بين الختم وفكرة الرواية الأساسية: ما يظهر على السطح قد يكون علامة تقود إلى ما هو مخفي تحته.

وهكذا يمكن قراءة الشعار بوصفه العلامة الأولى للرواية؛ فمن الختم ننتقل إلى الاسم، والمخطوط، والأثر، والمكان، والرقم، واللون، والصمت، وغيرها من العلامات التي تحملها الرواية.

ومن هنا يكتسب الشعار دلالته الأوسع في سياق هذا المقال:
فالعلامة أقدم من علم العلامات، وممارسة العلامة وقراءتها وتأويلها أقدم من السيميائية الحديثة بوصفها علمًا.

إنه ختم على غلاف رواية، لكنه في قراءة أخرى علامة تقود إلى سؤال: متى بدأ الإنسان يجعل شيئًا يدل على شيء آخر؟

عنوان الرواية: تحت سطح البحر

المؤلف: مروان سمرات

دار النشر: دار الياخور للنشر والتوزيع. فلسطين، القدس، أبو ديس، عمارة بجانب عمارة البتراء.

عام النشر: 2023.