خارطة مقترحة لمخاطر إجراء الانتخابات أو عدم إجرائها
حسن أبو العيلة
خارطة مقترحة لمخاطر إجراء الانتخابات أو عدم إجرائها
حسن أبو العيلة
بتاريخ 18/8/2026 كتبت مقالاً بعنوان: “هل يوجد لدى منظمة التحرير الفلسطينية خطة للمخاطر المحدقة بالنظام السياسي بسبب الأخطار الناشئة في حال إجراء الانتخابات التشريعية أو عدم إجرائها ؟”
تناول المقال المنهج العلمي لإعداد خارطة للمخاطر المحتملة ، وسأحاول هنا إبراز نموذج لبعض هذه المخاطر ، مع التأكيد أن هذه الخارطة مرنة وقابلة للإضافة والتعديل وفقاً للظروف والتطورات ، سواء جرت الانتخابات أم لم تجرِ.
وللموضوع وجهان ... فإجراء الانتخابات قد يحمل مجموعة من المخاطر ، لكن عدم إجرائها قد يحمل مخاطر سياسية ودستورية أكبر على المدى الطويل.
أولاً : مخاطر إجراء الانتخابات
1. استمرار الانقسام وتعميقه بدلاً من إنهائه
من المفترض أن تكون الانتخابات تعبيراً عن الإرادة الشعبية ، باعتبار الشعب مصدر السلطات وفقاً للقانون الأساسي . إلا أن إجراءها دون توافق وطني حقيقي بين مختلف القوى الفلسطينية الفاعلة قد ينتج عنه مجلس تشريعي جديد منتخب ، دون أن يعني ذلك بالضرورة إنهاء حالة الانقسام السياسي والجغرافي.
فإذا استمرت التجاذبات بعد الانتخابات ، سيبقى السؤال قائماً من يحكم غزة ؟ ومن يحكم الضفة الغربية ؟ وكيف ستُمارس السلطة فعلياً على الأرض ؟
ومن المهم الاستفادة من تجربة انتخابات عام 2006 واستخلاص الدروس والعبر منها بما يخدم استدامة النظام السياسي الفلسطيني ، ويعزز حضوره على المستويات الوطنية والإقليمية والدولية.
فقد أعقب فوز حركة حماس في تلك الانتخابات صراع على السلطة ، انتهى بانقلاب و سيطرة حماس على قطاع غزة عام 2007 ، وتكريس الانقسام السياسي والجغرافي بين قطاع غزة والضفة الغربية.
2. احتمال رفض النتائج من الطرف الخاسر
الخطر هنا لا يكمن في آلية التصويت ذاتها بقدر ما يكمن فيما قد يحدث في اليوم التالي لإعلان نتائج العملية الانتخابية.
وهذا يحتم على جميع الأطراف المشاركة إبرام اتفاق مسبق وملزم باحترام نتائج الانتخابات والالتزام بها ، على أن يُعلن هذا الاتفاق أمام أبناء الشعب الفلسطيني باعتباره مصدر السلطات.
كما يتيح ذلك للمجتمع المدني القيام بمسؤوليته في الحفاظ على تماسك المجتمع وصون الحقوق السياسية والمدنية ، ومنع أي طرف من الاستقواء على الآخر ، حتى لا تتحول الانتخابات من وسيلة لحل الخلاف إلى مصدر جديد للصراع.
3. مشاركة القدس
تعد مشاركة القدس الشرقية والمقدسيين من القضايا الوطنية والسياسية المهمة والحساسة جداً.
وقد كانت قضية إجراء الانتخابات في القدس السبب المعلن لتأجيل الانتخابات الفلسطينية التي كان مقرراً إجراؤها عام 2021.
فإجراء الانتخابات دون مشاركة القدس قد يضعف من شرعيتها الوطنية ، في حين أن استمرار تأجيلها بسبب القدس يخلق إشكالية أخرى تتعلق بكيفية اتخاذ قرار بإجراء الانتخابات مستقبلاً ، ما يستدعي إيجاد خيارات وسياسات واضحة للتعامل مع هذا الاحتمال.
4- إمكانية فوز قيادة غير مقبولة دوليا
إذا لم تكن هناك مرجعية سياسية واضحة ومتفق عليها للعملية الانتخابية ، فقد تفضي نتائجها إلى فوز قوى سياسية لا تحظى بالقبول لدى بعض الأطراف العربية أو الإقليمية أو الأوروبية أو الدولية.
وقد يؤدي ذلك إلى إشكاليات تتعلق بالاعتراف السياسي والعلاقات الخارجية والتعامل المالي والدولي.
وهذا لا يعني أن الانتخابات يجب ألّا تُجرى ، وإنما يعني ضرورة دراسة هذا السيناريو مسبقاً ، وصياغة العلاقة مع الأطراف العربية والإقليمية والدولية بصورة مدروسة ، بما يحد من التداعيات المحتملة لأي نتيجة انتخابية.
5. الحيلولة دون تحول نتائج الانتخابات إلى صراع على الشرعية
من المخاطر المحتملة أن تتحول الانتخابات بعد إعلان نتائجها من منافسة بين البرامج والرؤى السياسية إلى صراع على الشرعية والتمثيل.
فبدلاً من أن يكون السؤال من يملك البرنامج الأفضل ؟ قد يصبح من يملك الشرعية ؟ ومن يمثل الشعب الفلسطيني ؟
وهذا قد يشكل خطراً إضافياً إذا لم تكن العلاقة بين المؤسسات ومصادر الشرعية محددة ومتفقاً عليها مسبقاً ضمن إطار قانوني ووطني واضح.
ثانيًا: مخاطر عدم إجراء الانتخابات
أعتقد ، ومن وجهة نظري ، أن مخاطر عدم إجراء الانتخابات قد تكون أكثر خطورة على المدى البعيد ، ومن أبرزها :-
1. استمرار أزمة الشرعية
جرت آخر انتخابات تشريعية فلسطينية عام 2006 ، بينما جرت آخر انتخابات رئاسية عام 2005.
واستمرار عمل المؤسسات السياسية لفترات طويلة دون تجديد التفويض الشعبي يجعل مسألة الشرعية السياسية وشرعية المؤسسات موضع تساؤل ونقاش دائمين.
2. فقدان ثقة الشعب بالنظام السياسي
قد يؤدي إلغاء الانتخابات أو استمرار تأجيلها إلى شعور المواطن بأن صوته لم يعد مؤثراً ، وأن مشاركته السياسية لا تُحدث تغييراً حقيقياً.
وهذا قد يزيد من الإحباط والعزوف عن الحياة السياسية ، وقد يتطور الأمر إلى لجوء المواطنين للاحتجاج والتعبير عن مواقفهم خارج الأطر والمؤسسات السياسية الرسمية.
.استمرار حالة الانقسام السياسي والجغرافي- 3.
إن عدم إجراء انتخابات وطنية شاملة يعني استمرار غياب آلية شعبية موحدة لاختيار قيادة ممثلة للشعب الفلسطيني.
وبالتالي يبقى الخلاف بين القوى السياسية الفلسطينية قائماً ، بدلاً من الاحتكام إلى الإرادة الشعبية وصندوق الاقتراع ضمن عملية ديمقراطية متفق على قواعدها ونتائجها.
4. زيادة ضعف المؤسسات الفلسطينية
من شأن إجراء الانتخابات التشريعية أن ينتج مجلساً تشريعياً منتخباً يسهم في تعزيز النظام السياسي ، وترسيخ مبدأ الفصل بين السلطات ، وتفعيل الرقابة والمساءلة ، وتعزيز التمثيل الديمقراطي والتعددي.
أما استمرار غياب الانتخابات ، فيضعف هذه المكونات ، وينعكس سلباً على النظام السياسي والمؤسسات الوطنية بصورة عامة.
5. ضعف الموقف الفلسطيني أمام المجتمع الدولي
من الأفضل سياسياً وقانونياً أن تتمتع القيادة الفلسطينية بتفويض شعبي متجدد من خلال الانتخابات ، لما لذلك من أثر في تعزيز قدرتها على تمثيل الشعب الفلسطيني أمام المجتمع الدولي.
أما استمرار غياب الانتخابات فقد يمنح الخصوم والأعداء مساحة أكبر للتشكيك في شرعية التمثيل السياسي الفلسطيني ، كما قد يسمح باستخدام المطالبة بالإصلاح السياسي والمؤسسي وسيلةً للضغط والتشكيك ، حتى عندما تكون المطالبة في أصلها حقاً مشروعاً.
6. مراكمة الأزمة واستمرارها دون حل
إن إلغاء الانتخابات أو تأجيلها دون توافق وطني قد يجعل إجراءها لاحقاً أكثر صعوبة.
فمع مرور الوقت تتراكم المصالح السياسية والمؤسسية والخاصة ، وقد تصبح الأطراف أكثر تخوفاً من خسارة مواقعها ومصالحها ، بما يزيد من صعوبة التوصل إلى توافق مستقبلي على إجراء الانتخابات.
توصيات
إن إجراء الانتخابات دون توافق وطني على قواعد إجرائها وضمانات احترام نتائجها قد ينتج أزمة جديدة ، بينما يؤدي عدم إجرائها إلى ترسيخ الأزمة القائمة منذ الانتخابات السابقة وما أعقبها من انقسام جغرافي وسياسي ألحق الضرر بمصالح الشعب الفلسطيني ومشروعه الوطني.
لذلك ، ومن وجهة نظري ، فإن السيناريو الأفضل يتمثل في إجراء انتخابات ضمن تفاهمات وطنية واضحة ومعلنة قبل يوم الاقتراع ، تتضمن ما يلي:
1. استعداد جميع الأطراف لقبول نتائج الانتخابات والالتزام بها ، ورفض أي شكل من أشكال العنف أو استخدام القوة لفرض نتائج سياسية.
2. العمل على توفير ضمانات سياسية وقانونية لمشاركة الفلسطينيين في قطاع غزة والضفة الغربية والقدس.
3. تحديد العلاقة بين مكونات النظام السياسي بصورة واضحة ، بما يشمل الرئاسة ، والحكومة ، والمجلس التشريعي، وآليات الحوكمة.
4. صياغة اتفاق وطني مسبق يوضح كيفية التعامل مع نتائج الانتخابات في حال فوز أي طرف سياسي.
5. الاتفاق مسبقاً ، وهو الأهم ، على آليات واضحة وعملية لانتقال السلطة فعلياً بعد إعلان النتائج الانتخابية.
6. الاستفادة من تجربة عام 2006، التي أثبتت أن الانتخابات وحدها لا تكفي لبناء نظام سياسي ديمقراطي ومستقر ، بل يجب أن يقترن إجراؤها باحترام نتائجها ، وإدارة أي خلاف يليها ضمن قواعد قانونية وديمقراطية تصون الحياة السياسية التعددية وتحافظ على مصالح الشعب الفلسطيني.
وأخيراً ، فإن كل ذلك يتطلب من الدوائر المختصة في منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الوطنية الفلسطينية إجراء دراسة منهجية لتحليل وتقييم المخاطر المحتملة ، سواء تلك المرتبطة بإجراء الانتخابات أو تلك الناجمة عن إلغائها أو تأجيلها.
كما يتطلب إعداد سيناريوهات واضحة لليوم التالي في كل حالة ، ووضع السياسات العامة والبدائل المناسبة للتعامل مع التداعيات المحتملة لكل سيناريو.
والغاية من ذلك ليست إدارة العملية الانتخابية فقط ، وإنما تعزيز الجبهة الداخلية الفلسطينية وإعادة بناء عناصر قوتها وتماسكها ، بما ينسجم مع متطلبات تعزيز صمود شعبنا ، وحماية مؤسساته ، وتطوير نظام سياسي قادر على إدارة الاختلاف والتحديات بصورة أكثر استقراراً وفاعلية.



