حراك برلماني في تونس لمساءلة الحكومة وسط أزمات معيشية متفاقمة

سبتمبر 7, 2026 - 13:13
حراك برلماني في تونس لمساءلة الحكومة وسط أزمات معيشية متفاقمة

تواجه العلاقة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية في تونس اختباراً حرجاً، بعدما بادر 61 نائباً بتقديم طلب رسمي لعقد جلسة استثنائية لمساءلة الحكومة. وتأتي هذه الخطوة في ظل تصاعد حدة الأزمات المعيشية التي طالت قطاعات حيوية مثل الكهرباء والمياه والصحة، مما وضع الجهاز التنفيذي في مرمى انتقادات واسعة.

وأفادت مصادر برلمانية بأن العريضة تعكس حالة من الاحتقان داخل مجلس نواب الشعب تجاه ما يوصف بـ'تجاهل' الحكومة للمطالب الرقابية. ويسعى الموقعون على الطلب إلى دفع الوزراء لتقديم توضيحات شفافة حول أسباب تدهور الخدمات الأساسية وغلاء المعيشة الذي أثقل كاهل المواطنين.

وشهدت العاصمة تونس تحركات احتجاجية ميدانية، حيث تظاهر مئات المواطنين أمام ملعب المنزه للتعبير عن غضبهم من الانقطاعات المتكررة للتيار الكهربائي ومياه الشرب. ورفع المحتجون شعارات تندد بارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية، محملين السلطات مسؤولية الفشل في إدارة الملفات الاقتصادية.

من جانبه، أكد نواب مستقلون أن الدستور يمنح البرلمان صلاحيات رقابية واضحة تشمل توجيه الأسئلة الكتابية والشفاهية لأعضاء الحكومة. وأشاروا إلى أن غياب التفاعل الحكومي مع الجلسات السابقة يعد تجاوزاً للمقتضيات الدستورية، ويؤدي إلى تعميق الفجوة بين مؤسسات الدولة والشارع.

وفي سياق أزمة الطاقة، كشفت تقارير فنية عن وجود عجز هيكلي في قطاع الكهرباء أدى إلى انقطاعات مبرمجة في مختلف المحافظات منذ أكثر من شهر. وترجع هذه الأزمة إلى زيادة الطلب وتراجع كفاءة محطات التوليد نتيجة نقص الصيانة، فضلاً عن الاعتماد المفرط على مصادر طاقة خارجية.

وشدد برلمانيون على ضرورة تنويع مصادر الطاقة في البلاد عبر الاستثمار الجدي في الطاقات المتجددة مثل الشمس والرياح. واعتبروا أن الارتهان للغاز المستورد يجعل الأمن الطاقي التونسي في حالة هشاشة دائمة، خاصة مع التغيرات المناخية والضغوط المالية التي تواجهها الدولة.

وعلى صعيد آخر، يرى مراقبون أن الخلاف الحالي يتجاوز الجوانب الخدمية ليصل إلى جوهر النظام السياسي القائم منذ إجراءات يوليو 2021. فهناك تباين واضح في تفسير الصلاحيات الرقابية للبرلمان ومدى قدرته على إلزام الحكومة بسياسات محددة في ظل الدستور الجديد.

وأوضحت مصادر قانونية أن سحب الثقة من الحكومة في تونس بات أمراً معقداً للغاية من الناحية الإجرائية، حيث يتطلب توافقاً بين غرفتي البرلمان. هذا التعقيد الدستوري يجعل من العريضة الحالية وسيلة ضغط سياسي أكثر منها أداة للتغيير الفوري في التشكيلة الحكومية.

وتشير المعطيات الميدانية إلى أن العجز اليومي في شبكة الكهرباء وصل إلى مستويات قياسية بلغت 2000 ميغاوات في بعض الفترات. وتبرر الشركة الحكومية للكهرباء والغاز هذه الانقطاعات بضرورة تخفيف الأحمال لحماية الشبكة الوطنية من الانهيار الكامل نتيجة الطلب المرتفع.

ولا تقتصر المعاناة على الطاقة، بل امتدت لتشمل نقصاً حاداً في الأدوية الأساسية والمواد التموينية المدعومة في الأسواق المحلية. ويرى نواب أن الحكومة قصرت في وضع سياسات استباقية لمواجهة هذه الأزمات المتراكمة، مما أدى إلى انفجار الوضع الاجتماعي في عدة مناطق.

وفي المقابل، يرى محللون سياسيون أن حالة 'القطيعة' بين البرلمان والحكومة تعيق أي جهد حقيقي للإصلاح الاقتصادي المنشود. فالتوتر المستمر يمنع التنسيق الضروري لسن تشريعات قادرة على جذب الاستثمارات أو معالجة العجز المالي المتفاقم الذي تعاني منه الخزينة العامة.

وأكد النائب محمد علي أن العريضة التي بدأت بـ 56 توقيعاً وتوسعت لتشمل 61 نائباً، تضع الحكومة أمام مسؤولية أخلاقية وسياسية للرد على تساؤلات الشعب. واعتبر أن العجز المالي لا يمكن أن يكون ذريعة دائمة لتبرير التقصير في تقديم الخدمات الدنيا للمواطنين.

وتعيش تونس منذ سنوات على وقع أزمة اقتصادية خانقة زادت حدتها التحولات السياسية الكبرى التي شهدتها البلاد مؤخراً. ويبقى التساؤل قائماً حول مدى قدرة المؤسسات الدستورية الحالية على الاستجابة للمطالب الشعبية المتزايدة في ظل مناخ سياسي مشحون.

ختاماً، يترقب الشارع التونسي ما ستسفر عنه الأيام القادمة بشأن طلب المساءلة، وما إذا كانت الحكومة ستستجيب للضغوط البرلمانية. فالمواطن التونسي يبحث عن حلول عملية لأزمات المياه والكهرباء بعيداً عن التجاذبات السياسية بين قصر باردو وقصر القصبة.