أيزنكوت والضفة وغزة.. تغيير في إدارة الصراع أم بداية لتحول إسرائيلي؟
المحامي علي أبوحبلة
أيزنكوت والضفة وغزة.. تغيير في إدارة الصراع أم بداية لتحول إسرائيلي؟
المحامي علي أبوحبلة
يكشف التقرير الذي نشرته صحيفة «جيروزاليم بوست» بشأن السياسات المتوقعة لغادي أيزنكوت، في حال وصوله إلى رئاسة الحكومة الإسرائيلية، عن ملامح تحول محتمل في طريقة إدارة إسرائيل للصراع الفلسطيني، أكثر مما يكشف عن تحول في جوهر الموقف الإسرائيلي من القضية الفلسطينية.
فأيزنكوت، وفق ما أوردته الصحيفة، يسعى إلى إعادة ترتيب المنظومة الأمنية والسياسية التي اتسمت بها حكومة بنيامين نتنياهو، ولا سيما في الضفة الغربية، مع تقليص نفوذ إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش، وتشديد ملاحقة عنف المستوطنين، وإعادة بعض الصلاحيات إلى المؤسسات الأمنية والمهنية. كما يدرس، بحسب التقرير، إعادة استخدام الاعتقال الإداري بحق المتطرفين اليهود.
وهذه الإجراءات، إن تحققت، قد تمثل تغييراً في أسلوب التعامل مع عنف المستوطنين، لكنها لا تعني بالضرورة تغييراً في السياسة الإسرائيلية تجاه الاحتلال والاستيطان. فالمعيار الحقيقي لا يتمثل فقط في ملاحقة بعض المعتدين، وإنما في معالجة البيئة السياسية والقانونية التي سمحت بتوسع الاستيطان وتصاعد العنف ضد الفلسطينيين.
أما في غزة، فيبدو أن أيزنكوت أكثر براغماتية من نتنياهو. فهو ينتقد استمرار بقاء حماس في السلطة، لكنه لا يراهن على القوة العسكرية وحدها، ويفتح الباب أمام ترتيبات سياسية وإدارية بديلة، بما فيها دور محتمل للسلطة الفلسطينية، مع قبوله، وفق التقرير، بإعادة إعمار تدريجية ومتزامنة مع خطوات جزئية في ملف نزع السلاح.
غير أن جوهر الإشكالية يبقى قائماً: الاحتفاظ الإسرائيلي بممر أمني وسيطرة أمنية طويلة الأمد على غزة لا يمكن أن يكون بديلاً عن ترتيبات سياسية واضحة تحترم حق الفلسطينيين في إدارة شؤونهم وتضمن حماية المدنيين وإعادة الإعمار بعيداً عن منطق العقاب الجماعي.
ومن الناحية القانونية، فإن إعادة الإعمار والمساعدات الإنسانية لا ينبغي أن تتحولا إلى أدوات ضغط سياسي على السكان المدنيين. كما أن معالجة عنف المستوطنين لا يمكن أن تقتصر على الاعتقال الإداري، بل تتطلب مساءلة قضائية حقيقية، ووقف الإفلات من العقاب، واحترام قواعد القانون الدولي الإنساني.
أما النقطة الأكثر دلالة في رؤية أيزنكوت فهي موقفه من إقامة الدولة الفلسطينية. فبحسب التقرير، يعارض إقامة دولة فلسطينية في المدى القريب والمتوسط، وإن كان يؤيد توفير «أفق سياسي» في المستقبل. وهذا يعني أن الفارق بينه وبين نتنياهو قد يكون في الأدوات والتوقيت، لا في الاعتراف الفوري بالحق الفلسطيني في تقرير المصير وإقامة الدولة المستقلة.
ومن هنا فإن الرهان على تغيير القيادة الإسرائيلية وحده لن يكون كافياً. فالمشكلة الفلسطينية ليست مشكلة حكومة إسرائيلية بعينها، وإنما قضية احتلال واستيطان وحقوق وطنية ثابتة.
وقد يمثل وصول أيزنكوت محاولة لإعادة تأهيل صورة إسرائيل دولياً، واستعادة ثقة الحلفاء الغربيين، وخفض الكلفة الدبلوماسية التي ترتبت على سياسات نتنياهو. لكن تحسين الصورة الدولية لن يتحقق بصورة مستدامة من دون معالجة الأسباب التي أدت إلى تراجعها، وفي مقدمتها استمرار الاحتلال والتوسع الاستيطاني وغياب المسار السياسي الجدي.
وعليه، فإن انتخابات إسرائيل المقبلة قد تفتح الباب أمام تغيير مهم في إدارة الصراع، لكنها لا تعني بالضرورة الانتقال إلى حل الصراع. والفارق بين الأمرين جوهري؛ فإعادة ضبط الأدوات الأمنية والسياسية قد تخفف التوتر، لكنها لا تنهي الاحتلال ولا تحقق للشعب الفلسطيني حقه في تقرير مصيره.
المطلوب فلسطينياً وعربياً ليس انتظار هوية الحكومة الإسرائيلية المقبلة، وإنما بناء استراتيجية سياسية وقانونية قادرة على التعامل مع أي حكومة، ووضع القضية الفلسطينية في إطارها الصحيح: قضية حقوق وطنية وقانون دولي، وليست مجرد ملف أمني إسرائيلي قابل لإعادة الإدارة.



