نصف عام على حرب إيران: هل استنفد ترامب خياراته العسكرية والاقتصادية؟
دخل الصراع العسكري بين الولايات المتحدة وإيران شهره السادس، متجاوزاً كافة التقديرات الزمنية التي وضعها الرئيس دونالد ترامب عند اندلاع المواجهة في فبراير الماضي. ورغم الوعود بأن تكون الحرب 'خاطفة وقصيرة'، إلا أن الواقع الميداني يفرض تحديات معقدة تهدد ولاية ترامب الثانية وتضع مصداقية واشنطن الدولية على المحك.
أفادت مصادر بأن التقديرات الأولية لترامب كانت تشير إلى حسم الصراع في غضون خمسة أسابيع كحد أقصى، لكن صمود النظام الإيراني وقدرته على استنزاف القوات الأمريكية بوسائل منخفضة التكلفة، مثل الطائرات المسيرة والألغام البحرية، حول المواجهة إلى حرب استنزاف طويلة الأمد أرهقت الميزانية الدفاعية.
يبرز مضيق هرمز كأحد أعقد ملفات هذه الحرب، حيث تحول الممر الملاحي الأهم عالمياً إلى ساحة صراع أدت لتقليص حركة السفن بشكل حاد. وتشير بيانات تتبع السفن إلى انخفاض دراماتيكي في عدد الناقلات العابرة، مما تسبب في قفزات ملحوظة في أسعار الطاقة العالمية وأثار قلق الناخب الأمريكي.
على الصعيد العسكري، تواجه وزارة الدفاع الأمريكية أزمة حقيقية تتمثل في استنزاف مخزونات الأسلحة الاستراتيجية، لا سيما منظومات الدفاع الجوي 'باتريوت'. هذا النقص دفع حلفاء واشنطن، مثل اليونان، إلى مراجعة سياساتهم الدفاعية ورفض تقديم مساعدات عسكرية لأطراف أخرى لضمان حماية أراضيهم.
خسرت القوات الجوية الأمريكية عدداً كبيراً من طائرات 'ريبر' المسيرة المتطورة، والتي تبلغ تكلفة الواحدة منها عشرات الملايين من الدولارات. هذا الاستنزاف لا يؤثر فقط على الجبهة الإيرانية، بل يضعف قدرة الولايات المتحدة على الوفاء بالتزاماتها الأمنية في مناطق ساخنة أخرى مثل أوكرانيا وشرق آسيا.
في الداخل الأمريكي، بدأت شعبية ترامب بالتآكل حيث سجلت استطلاعات الرأي تراجعاً ملحوظاً في نسب التأييد لتصل إلى 33%. ويبدي الناخبون الجمهوريون، الذين دعموا ترامب لتجنب 'الحروب الأبدية'، تململاً واضحاً من استمرار الانخراط العسكري وتداعياته المباشرة على تكلفة المعيشة وأسعار الوقود.
يرى محللون أن إيران نجحت في امتصاص الصدمة الأولى للحرب، والتي شهدت ضربات عنيفة استهدفت قيادات عليا ومنشآت حيوية. ورغم فقدان طهران لرموز سياسية وعسكرية كبرى، إلا أن هيكلية النظام وقدرته على المناورة الإقليمية لا تزال تشكل تهديداً مباشراً للمصالح الأمريكية وحلفائها في المنطقة.
أشارت تقارير استخباراتية إلى أن القوى الدولية المنافسة، وعلى رأسها روسيا، تراقب عن كثب حالة الانشغال الأمريكي بالملف الإيراني. ويعتقد الكرملين أن واشنطن باتت في موقف أضعف، مما قد يفتح الباب أمام تصعيد روسي جديد في أوروبا مستغلاً تشتت الجهود العسكرية والدبلوماسية الأمريكية.
حاولت الإدارة الأمريكية تسويق 'يوم نصر اقتصادي' عبر تشديد العقوبات، إلا أن وزير الخزانة سكوت بيسنت أبدى حذراً من دفع الأمور نحو انهيار مالي عالمي. هذا التردد يعكس حجم القيود التي تفرضها الأسواق العالمية على قرارات البيت الأبيض العسكرية والسياسية تجاه طهران.
قالت مصادر مطلعة إن حلفاء واشنطن في الخليج بدأوا بإعادة حساباتهم الأمنية، حيث يخشى البعض أن يتحول الوجود العسكري الأمريكي على أراضيهم إلى مغناطيس للهجمات الإيرانية. هذا القلق دفع بعض الدول للمطالبة بضمانات أمنية أكبر أو البحث عن مسارات دبلوماسية مستقلة لتخفيف التوتر.
تؤكد سوزان مالوني، الخبيرة في معهد بروكينغز أن استعادة النفوذ الأمريكي في الشرق الأوسط بعد هذه الحرب ستكون مهمة شاقة. فالمصداقية التي تضررت بفعل طول أمد الصراع وعدم تحقيق الأهداف المعلنة، قد تؤدي إلى تغيير دائم في موازين القوى الإقليمية لصالح خصوم واشنطن.
بالتزامن مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي، يجد ترامب نفسه مضطراً للموازنة بين رغبته في تحقيق 'نصر حاسم' وبين ضغوط الاقتصاد. أي تصعيد عسكري إضافي قد يؤدي إلى كارثة في أسواق الأسهم، وهو أمر يحرص الرئيس الأمريكي على تجنبه بأي ثمن لضمان استقرار قاعدته الانتخابية.
تظل القدرة الإيرانية على تهديد القواعد الأمريكية باستخدام تكنولوجيا رخيصة الثمن معضلة لم تجد لها الترسانة الأمريكية المتطورة حلاً جذرياً حتى الآن. هذا التباين في تكلفة الحرب يجعل من الاستمرار في النهج الحالي استنزافاً لا يمكن للولايات المتحدة تحمله لفترات طويلة إضافية.
في الختام، يبدو أن خيارات ترامب باتت تضيق بين تسوية سياسية قد تبدو كاعتراف بالفشل، أو استمرار في حرب تستنزف مقدرات بلاده العسكرية والاقتصادية. الأيام القادمة ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كانت واشنطن ستمضي نحو تصعيد شامل أو تبحث عن مخرج يحفظ ماء وجه الإدارة.



