حين يصبح الجسر أطول من الطريق: عندما تتحول نخب التحرر إلى جزء من المعضلة
د. إبراهيم نعيرات
ثمة مفارقة فلسطينية عميقة تستحق أن نقرأها بعيدًا عن المحاكمة والتخوين، باعتبارها محاولة لفهم كيف يمكن لمشروع وطني أن ينتج، في طريقه إلى تحقيق غايته، بنية سياسية تصبح مع الوقت جزءًا من المشكلة التي كان يفترض أن تتجاوزها. فقد نشأت منظمة التحرير الفلسطينية في لحظة كان فيها الفلسطيني شعبًا بلا دولة، وأرضه موزعة بين الاحتلال واللجوء والمنفى، فكان لا بد من إطار وطني يعيد للفلسطيني حضوره السياسي ويمنحه صوتًا وتمثيلًا، ويعيد إليه موقع الفاعل في قضيته بعد أن كان الآخرون يتحدثون عنه أكثر مما يتحدث هو عن نفسه. وكانت المنظمة بهذا المعنى أكثر من مؤسسة؛ كانت محاولة لاستعادة الذات الفلسطينية وإعادة بناء الإرادة الوطنية.
لكن الانتقال من الثورة إلى السياسة، ومن السياسة إلى مشروع الدولة، فرض منطقًا جديدًا. لم يعد المطلوب حمل القضية فقط، بل إثبات القدرة على بناء مؤسسات حديثة، وإعداد كوادر سياسية وإدارية قادرة على إدارة الدولة حين تأتي لحظة الاستقلال. وكان ذلك منطقيًا وضروريًا. فالدولة لا تُبنى بالشعارات وحدها، ومشروع الاستقلال يحتاج إلى مؤسسات وخبرات تستطيع حمله.
غير أن المفارقة بدأت حين تأخرت الدولة بينما استمرت المؤسسات. كان يفترض أن تكون السلطة مرحلة، والمؤسسات جسرًا، والنخب أدوات للعبور؛ لكن المرحلة طالت، والجسر بقي قائمًا، وبدأ المؤقت يكتسب صفات الدائم. فكل مرحلة انتقالية طويلة تنتج مؤسساتها ومصالحها ومواقعها وشبكات نفوذها ونخبها، ومع الزمن يصبح لهذه البنية منطقها الخاص الذي قد لا يتطابق بالضرورة مع منطق التحول الذي أنشئت من أجله.
وهكذا لم تنتج منظمة التحرير ومشروعها السياسي مؤسسات فقط، بل أسهما، عبر التحول من حركة تحرر إلى سلطة، في إعادة تشكيل نخبة سياسية وإدارية واجتماعية ارتبطت بهذه المؤسسات ونمت داخلها. انتقل جزء من رجال الثورة إلى مواقع السلطة، وظهرت إلى جانبهم نخب إدارية وتكنوقراطية واقتصادية جديدة، وتداخلت شرعية النضال التاريخي مع شرعية المؤسسة. ولم يكن في ذلك خطأ بحد ذاته؛ فكل مجتمع يحتاج إلى قيادة وخبرة. لكن الخطر يبدأ عندما تتحول النخبة من أداة للعبور إلى جزء من بنية الاستقرار، ومن ممثل للشعب إلى وصي عليه، ومن صاحبة دور تاريخي إلى صاحبة حق ضمني في الاستمرار.
وهنا تصبح المسألة بنيوية لا أخلاقية. ليس مطلوبًا أن تكون النخبة فاسدة حتى تصبح جزءًا من المشكلة، ولا أن يكون أفرادها قد قرروا حماية مواقعهم على حساب المشروع الوطني. يكفي أن تعمل داخل نظام ضعفت فيه آليات التجديد والمساءلة والتغيير حتى تبدأ المؤسسة بإعادة إنتاج النخبة نفسها، ويبدأ الموقع العام في التحول من تكليف إلى امتياز، وتصبح الشرعية أقرب إلى الميراث منها إلى التفويض المتجدد.
وهذا هو التحول الأخطر: حين تصبح المؤسسة في خدمة استمرارها بدل أن تكون في خدمة المشروع الوطني، وحين يصبح المشروع مطالبًا بالتكيف مع متطلبات المؤسسة، وحين تتحول السلطة من وسيلة مؤقتة للوصول إلى الدولة إلى واقع له مصالحه وحساباته واستمراريته. عندها يصبح الجسر أطول من الطريق الذي كان يفترض أن يقود إليه.
ولا يمكن فصل ذلك عن حقيقة أن السلطة الفلسطينية لم تنشأ في دولة مستقلة، بل تحت الاحتلال وفي ظل سيادة ناقصة وقيود سياسية وجغرافية واقتصادية عميقة. وهذا يفسر جانبًا مهمًا من صعوبة بناء المؤسسات ومن استمرار المرحلة الانتقالية. لكنه لا يلغي المفارقة: أن مؤسسات تشبه مؤسسات الدولة ونخبًا تتصرف كنخب دولة استمرت في ظل غياب الدولة المكتملة، وأن المؤقت طال حتى أصبح واقعًا سياسيًا واجتماعيًا له مصالحه ونخبه.
ومن هنا يمكن فهم أزمة انتقال السلطة باعتبارها أعمق من أزمة قانونية أو إجرائية، وأكبر من مجرد خلاف بين الأشخاص أو نتيجة للانقسام السياسي. إنها أزمة في العلاقة بين الشعب والنخبة، وبين المؤسسة والمجتمع، وبين المرحلة الانتقالية والهدف الذي أنشئت من أجله. فعندما يصبح تغيير النخبة أصعب من انتخابها، وتصبح المؤسسة أكثر قدرة على إعادة إنتاج نفسها من قدرتها على الاستجابة للمجتمع، يصبح النظام السياسي عاجزًا عن إنتاج مستقبله.
وهنا تظهر أزمة الشرعية. فالشرعية التاريخية ضرورية ولا يمكن إنكارها، والتاريخ النضالي الفلسطيني ملك للذاكرة الوطنية، لكن التاريخ يمنح الاحترام ولا يمنح ملكية المستقبل. الذين حملوا الثورة يستحقون مكانهم في التاريخ، لكن ذلك لا يعني أن قيادة الثورة تصبح حقًا دائمًا في قيادة الدولة. ومن مثّل الفلسطينيين في زمن غياب الدولة لا يملك، بحكم ذلك وحده، حق احتكار تمثيلهم في كل الأزمنة.
ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن تتحول فلسطين نفسها من قضية شعب إلى قضية نخب؛ يصبح الشعب حاضرًا في الخطاب وغائبًا عن صناعة القرار، وتصبح القضية عنوانًا تتنافس النخب على تمثيله، بدل أن تكون إرادة الفلسطينيين هي التي تحدد من يمثلهم، وما الذي يريدونه من مؤسساتهم، وإلى أين يريدون أن يذهب مشروعهم الوطني.
وهنا لا تعود الديمقراطية مجرد انتخابات. فالانتخابات مهمة، لكنها ليست جوهر الديمقراطية كلها. الديمقراطية أن يبقى الشعب مصدر الشرعية، وأن تكون القيادة قابلة للتجديد، والمؤسسة قابلة للمساءلة، والموقع العام تكليفًا لا ملكية، وأن يمتلك المجتمع القدرة الحقيقية على تغيير من يفشل في تمثيله. أما حين تبقى الانتخابات موجودة بينما تصبح النخب عصية على التغيير، فإن الشكل الديمقراطي قد يبقى فيما يتراجع جوهر الديمقراطية.
وفي الحالة الفلسطينية تصبح هذه المسألة جزءًا من معنى التحرر نفسه. فالتحرر ليس فقط تحرير الأرض من الاحتلال، وإنما تحرير الإنسان من أن يكون موضوعًا دائمًا لقرارات الآخرين. لا تكتمل حرية الشعب إذا بقي عاجزًا عن التأثير في نظامه السياسي أو تجديد قيادته أو مساءلة مؤسساته. لذلك لا ينبغي أن تكون الديمقراطية وعدًا مؤجلًا إلى ما بعد التحرير؛ يجب أن تكون جزءًا من الطريق إليه.
ومن هنا تأتي الحاجة إلى مراجعة التجربة لا إلى محاكمتها. فمنظمة التحرير كانت ضرورة تاريخية، وأدت دورًا لا يمكن إنكاره في تثبيت الهوية السياسية الفلسطينية وجعل الفلسطيني طرفًا في معادلة دولية. لكن المؤسسة التاريخية ليست خارج الزمن، وما كان مناسبًا لمرحلة الثورة والتحرير لا يبقى بالضرورة مناسبًا لمرحلة بناء الدولة. وما كان ضروريًا في زمن غياب الدولة يحتاج اليوم إلى إعادة تعريف عندما يكون الهدف هو بناء دولة ديمقراطية حديثة.
وفاء الفلسطينيين لمنظمة التحرير لا يكون بتحويل تاريخها إلى شرعية أبدية، بل بفهم الغاية التي قامت من أجلها. لقد قامت لكي يصبح الفلسطيني صاحب قضية وصاحب قرار، لا لكي يصبح أسيرًا لبنية سياسية أنشئت باسمه. وإذا كان مسار التحول قد أنتج مؤسسات ونخبًا أصبحت جزءًا من الواقع السياسي، فإن الوفاء للمشروع الوطني يقتضي أن تبقى هذه المؤسسات والنخب خادمة للغاية التي أنشئت من أجلها، لا أن يصبح المشروع نفسه خاضعًا لها.
لذلك لا يحتاج الفلسطينيون إلى هدم مؤسساتهم أو إلغاء خبراتهم أو إسقاط تاريخهم، بل إلى إعادة كل شيء إلى مكانه الطبيعي: المؤسسة في خدمة المجتمع، والنخبة في خدمة الشعب، والسلطة في خدمة المشروع الوطني، والشرعية في يد الناس. المطلوب ليس إلغاء النخب، وإنما إنهاء احتكارها؛ وليس محو الماضي، وإنما منع الماضي من أن يصبح قفلًا على المستقبل.
فالمجتمع الذي لا يستطيع تجديد قياداته يفقد جزءًا من قدرته على إنتاج المستقبل، والأمة التي تبقى أسيرة جيل سياسي واحد لا تعاني فقط من مشكلة في القيادة، بل من مشكلة في تجدد فكرتها الوطنية. ولهذا فإن انتقال السلطة ليس تفصيلًا إداريًا، بل اختبار لقدرة النظام السياسي على إنتاج نفسه من جديد، ولقوة المجتمع في استعادة موقعه كمصدر للشرعية.
لقد احتاجت الثورة إلى نخبة تقودها، لكن الدولة تحتاج إلى شعب قادر على اختيار قيادته. واحتاج الفلسطينيون في زمن غياب الدولة إلى من يتحدث باسمهم، لكن بناء الدولة يتطلب أن يمتلك الشعب القدرة على اختيار من يتحدث باسمه ومحاسبته واستبداله. وبين المرحلتين تقع المسافة التي لم تُقطع بالكامل بعد: المسافة بين شرعية التمثيل التاريخي وشرعية التفويض الشعبي المتجدد.
وربما هنا تكمن أهم مراجعة سياسية نحتاج إليها: أن نعترف بأن الأدوات التي تنشأ لتحقيق هدف قد تتحول، إذا طال استخدامها، إلى مصالح في ذاتها. وأن المؤسسات التي كان يفترض أن تكون جسرًا إلى الدولة يمكن أن تصبح، إذا لم تُراجع، جزءًا من العائق أمامها. وأن النخب التي ولدت من رحم مشروع التحرر قد تحتاج هي نفسها إلى أن تخضع لمنطق التحرر، أي للتحرر من احتكار التمثيل، ومن قداسة الموقع، ومن شرعية الماضي حين تصبح بديلًا عن إرادة الحاضر.
فلسطين ليست مشروع نخبتها السياسية، ولا ملكًا لمؤسساتها، ولا إرثًا لمن حملوا قضيتها في مرحلة تاريخية سابقة. فلسطين ملك شعبها، بكل أجياله، في الداخل والشتات. والشعب الذي دفع ثمن القضية وحمل عبء النكبة والاحتلال والمنفى والانقسام لا ينبغي أن يكون آخر من يقرر مستقبلها.
ربما كان أعمق درس في التجربة أن الثورة حين تتحول إلى مؤسسات تحتاج إلى أن تظل قادرة على مراجعة مؤسساتها، وأن النخبة حين تصبح جزءًا من الدولة تحتاج إلى أن تقبل بأن شرعيتها لا تأتي من بقائها، وإنما من قدرتها على خدمة المجتمع. فالسلطة ليست نهاية النضال، والمؤسسة ليست نهاية المشروع، والنخبة ليست صاحبة الوطن.
الوطن أوسع من السلطة، والشعب أكبر من المؤسسة، والتاريخ أعمق من النخبة.
ولهذا فإن المهمة ليست أن تحل نخبة جديدة محل نخبة قديمة فحسب، بل أن تتغير العلاقة نفسها بين الشعب والنخبة، وبين المجتمع والمؤسسة، وبين السلطة والشرعية؛ أن يصبح الشعب مصدر السلطة لا متلقيها، وتصبح القيادة مسؤولية لا امتيازًا، ويصبح التاريخ ذاكرة لا وصاية، ويصبح المستقبل ملكًا لمن سيعيشونه.
فإذا كانت منظمة التحرير قد حملت ذات يوم مهمة إعادة فلسطين إلى الخريطة السياسية، فإن المهمة التالية هي إعادة الفلسطيني إلى مركز القرار السياسي. عندها فقط يمكن أن تستعيد السياسة معناها، والمؤسسة وظيفتها، والشرعية مصدرها الحقيقي.
فالدولة التي يسعى الفلسطينيون إليها لا ينبغي أن تكون نهاية التحرر، بل امتداده الطبيعي؛ دولة يتحرر فيها الإنسان كما تتحرر الأرض، وتصبح فيها المؤسسات أدوات لخدمة الشعب لا بدائل عنه، وتصبح فيها النخبة خادمة للمشروع الوطني لا مالكة له.



