حسناء عمر… كفيفة البصر، مبصرة القلب
طولكرم- تلفزيون وراديو كل الناس-نغم سمير
تجلس حسناء عمر من ضاحية شويكة كعادتها أمام آلة الكتابة الخاصة بالمكفوفين "بريل" تتحسس بأصابعها مفاتيحها وتواصل الكتابة عليها بهدوء. أمامها صفحات تحمل ما تخطه يداها مستعيدة معها محطات من رحلة طويلة صنعتها بالإرادة والتعلم.
تتوقف حسناء للحظات، ثم تعود بذاكرتها إلى طفولتها، وتحديدًا إلى السابعة من عمرها، حين كانت بداية علاقتها بعالم اللغات والثقافات. كان والدها، رحمه الله، موجودًا في الإمارات، وأتاح لها التواصل مع شخص تركي، فسألته عن معنى كلمة "تفاحة" فأجابها "إلما".
تلك الكلمة الصغيرة بقيت عالقة في ذاكرتها، وفتحت أمامها بابًا واسعًا لاكتشاف عالم جديد، لتبدأ بعدها رحلة التعرف إلى اللغات والثقافات المختلفة.
ومع مرور السنوات، لم تعد اللغات بالنسبة إلى حسناء مجرد كلمات تحفظها، بل أصبحت وسيلة للتعرف إلى الشعوب وثقافاتها. فتعلّمت اللغة التركية حبًا بها وبثقافتها، واتجهت إلى تعلم اللغة الكردية رغبةً في التعرف إلى الثقافة الكردية، إضافة إلى اهتمامها باللغة الإنجليزية.
لم تكن رحلة تعلّم اللغات خاليةً من التحديات، وتقول حسناء "كان تعلّم اللغات تحديًا كبيرًا، فعلى الرغم من أن الناس من حولي انتقدوني بسبب تعلّم بعض اللغات، فإنني واصلت طريقي، وتمكّنت في النهاية من تعلّم اللغات التي أردتها، وكان ذلك انتصارًا كبيرًا بالنسبة إليّ".
وبعيدًا عن اللغات، وجدت حسناء في القراءة والكتابة مساحة أخرى للتعلم والتعبير عن ذاتها. تستخدم آلة الكتابة بطريقة "بريل"، إلى جانب الحاسوب الناطق وقارئ الشاشة، لتواصل طريقها مع المعرفة وتقول "القراءة والكتابة تجعل الإنسان يعي ويفهم ويتعلم أكثر في الحياة، وطالما الإنسان يقرأ ويكتب، فهو إنسان واعٍ".
وبينما تتحسس بأصابعها مفاتيح آلة الكتابة تتحدث حسناء عن تجربة أخرى اختارت أن توثقها بالكلمات؛ قصة حياتها التي كتبتها في سيرة ذاتية حملت عنوان من الظلام إلى النور "كتبت قصة حياتي وسميتها من الظلام إلى النور. الظلام أقصد فيه التحديات والصعوبات التي واجهتني، وليس الظلام بمعنى أنني كفيفة أو فاقدة للبصر، أما النور فهو تطلعاتي للمستقبل وإنجازاتي".
في هذه السيرة، عادت حسناء إلى طفولتها ومرحلتها المدرسية والجامعية وما بعد الجامعة، ودوّنت تحدياتها ومشكلاتها وإنجازاتها، محاولةً أن تجعل من تجربتها قصة يمكن أن تصل إلى الآخرين.
وبعد سنوات من التعلم والمثابرة، حصلت حسناء على درجة البكالوريوس في تخصص الخدمة الاجتماعية من جامعة القدس المفتوحة، ولم يتوقف طموحها عند الشهادة الجامعية، إذ حصلت أيضًا على لقب "سفيرة النوايا الحسنة لجامعة القدس المفتوحة"، وهو لقب منحها، بحسب حديثها، دافعًا أكبر لمواصلة التعلم والمشاركة وتحمل المسؤولية تجاه جامعتها.
ولا ترى حسناء في فقدان البصر سببًا يجعلها أقل قدرة على ممارسة حياتها أو تحقيق أهدافها، بل تتعامل مع حياتها باستقلالية وثقة، وترى أن نظرة الإنسان إلى نفسه قد تكون أقوى من نظرة الآخرين إليه.
وتقول "أنا لا أعتبر انه لدي نقص أو عندي إعاقة بصرية. أمارس حياتي الطبيعية وعائلتي لا يشعروني بأنني لا أرى أو أن لدي نقصًا. وهذا الأمر منحني دافعًا أكبر وجعلني أكثر قوة"
وتتوقف حسناء عند مفهوم آخر ترى أنه يتجاوز حدود الرؤية؛ إنه "البصيرة" فبالنسبة إليها، لا يقتصر إدراك الإنسان للعالم على العينين، وإنما يمكن أن يكون للسمع والعقل والإحساس دور في تشكيل صورته عن الأشياء من حوله.
وبينما تواصل حسناء الكتابة، لا تنظر إلى تجربتها بوصفها قصة تحدٍّ شخصي فحسب، بل تحمل رسالةً إلى الأهالي، وتقول "أحب أن أوجّه رسالةً إلى الأهالي، بأن يعلّموا أبناءهم ويقفوا إلى جانبهم، وألّا يشعروا أبناءهم بالنقص، بل أن يوفّروا لهم كل ما يستطيعون، كما فعل أهلي؛ فقد جعلوني أشعر بأنني ارى".
ثم توجّه حسناء رسالتها إلى كل من يواجه عائقًا في طريقه وتقول "الإرادة تصنع المعجزات لا تستسلم لأي شيء، لأن من يريد الوصول إلى هدفه، عليه أن يجتهد ويتحدى ويواجه. لذلك، لا تستسلم، وكن قويًا".
إعداد: نغم سمير
تصوير: سديل مسامح



