القاهرة بين المصالحة والانتخابات: هل تُنهي الانقسام أم تعيد جدولة الاستحقاق؟

إعداد وتقرير: المحامي علي أبوحبلة

سبتمبر 30, 2026 - 15:32
القاهرة بين المصالحة والانتخابات: هل تُنهي الانقسام أم تعيد جدولة الاستحقاق؟

القاهرة بين المصالحة والانتخابات: هل تُنهي الانقسام أم تعيد جدولة الاستحقاق؟
إعداد وتقرير: المحامي علي أبوحبلة
تدخل المشاورات الفلسطينية المرتقبة في القاهرة مرحلة سياسية بالغة الحساسية، في ظل وثيقة منسوبة إلى الرئيس محمود عباس تتضمن سبعة محددات لإطار المصالحة، بالتزامن مع تحركات وفود فتح وحماس وفصائل فلسطينية أخرى، وفي وقت تتصاعد فيه التساؤلات حول مصير الانتخابات التشريعية المقررة في تشرين الثاني المقبل.
المشهد الفلسطيني يقف أمام استحقاقين متلازمين: إعادة بناء النظام السياسي وإنهاء الانقسام من جهة، وتجديد الشرعية الانتخابية من جهة أخرى. وبين المسارين يبرز السؤال الأكثر حساسية: هل تكون القاهرة بوابة لمصالحة فلسطينية حقيقية تمهد للانتخابات، أم تتحول المشاورات إلى مدخل لإعادة جدولة الاستحقاق الانتخابي؟
وبحسب ما أوردته صحيفة «الشرق الأوسط» نقلاً عن مصادر فصائلية، فإن الوثيقة تتضمن إنهاء مفرزات الانقسام في غزة، وتوحيد النظام السياسي والقانوني، وحصر السلاح الشرعي، والالتزام بمنظمة التحرير وبرنامجها، واعتماد المقاومة الشعبية السلمية، والتمسك بحل الدولتين وقرارات الشرعية الدولية، إلى جانب تشكيل حكومة تكنوقراط تتولى إدارة الضفة الغربية والقدس الشرقية وقطاع غزة.
هذه البنود، إذا تحولت إلى أساس تفاوضي معتمد، فإنها تتجاوز فكرة المصالحة الإجرائية لتلامس جوهر النظام السياسي الفلسطيني: وحدة المؤسسات، ومرجعية القرار، وطبيعة الحكومة، وموقع منظمة التحرير، ومستقبل الأجهزة الأمنية، وآليات ممارسة السلطة.
لكن نجاح أي صيغة للمصالحة سيبقى مرتبطاً بمدى قبول مختلف القوى الفلسطينية بها. فالمصالحة المستدامة لا تقوم فقط على تشكيل حكومة، وإنما تحتاج إلى قواعد واضحة للشراكة السياسية، وتوحيد المؤسسات، واحترام القانون الأساسي، وضمان استقلال القضاء، وإعادة تفعيل المجلس التشريعي، وتجديد المؤسسات الوطنية على قاعدة التمثيل الشعبي.
وفي هذا السياق، تصبح الانتخابات التشريعية الاختبار الأكثر حساسية.
فالمبررات المتداولة لإعادة بحث موعد الانتخابات، وفي مقدمتها صعوبات إجراء العملية الانتخابية في القدس الشرقية، والظروف الأمنية والميدانية في الضفة الغربية، والأوضاع الإنسانية في قطاع غزة، هي تحديات لا يمكن تجاهلها. لكن التعامل معها ينبغي أن يتم ضمن إطار قانوني وطني واضح، بحيث لا يتحول التأجيل، إن حدث، إلى فراغ زمني مفتوح.
والفارق كبير بين تأجيل تقني ومؤقت تفرضه ظروف استثنائية، مقرون بموعد بديل وخارطة طريق واضحة، وبين تأجيل سياسي غير محدد المدة.
كما أن الحديث عن انتخابات المجلس الوطني وإعادة ترتيب مؤسسات منظمة التحرير يضيف بعداً آخر للمشهد؛ إذ إن إعادة بناء الشرعية الفلسطينية تحتاج إلى معالجة شاملة لا تقتصر على السلطة التنفيذية أو المجلس التشريعي، وإنما تشمل الإطار الوطني الجامع للشعب الفلسطيني.
وتملك القاهرة خبرة واسعة في رعاية الحوارات الفلسطينية، إلا أن نجاحها هذه المرة سيقاس بقدرتها على تقريب المواقف نحو اتفاق فلسطيني قابل للتنفيذ، لا بمجرد إنتاج تفاهم جديد يؤجل القضايا الجوهرية.
المطلوب فلسطينياً أن تكون المصالحة والانتخابات مسارين متكاملين، لا أن يصبح أحدهما بديلاً عن الآخر. فالمصالحة تهيئ البيئة السياسية والمؤسسية للانتخابات، والانتخابات تمنح المؤسسات المتجددة شرعية شعبية.
ومن هنا، فإن السؤال الذي ستواجهه اجتماعات القاهرة ليس فقط: كيف ننهي الانقسام؟ بل أيضاً: متى وكيف يعاد تجديد الشرعية السياسية الفلسطينية؟
إن أي ترتيبات انتقالية مقبلة تحتاج إلى سقف زمني واضح، وضمانات سياسية وقانونية، وآلية للمساءلة والمحاسبة، وصولاً إلى نظام سياسي موحد يستند إلى سيادة القانون وتداول السلطة والتمثيل الشعبي.
فالقضية ليست مجرد موعد انتخابي يمكن تعديله، ولا مجرد حكومة يمكن تشكيلها، وإنما مستقبل النظام السياسي الفلسطيني برمته. ولذلك ستبقى نتائج حوار القاهرة معياراً مهماً لمعرفة ما إذا كانت المرحلة المقبلة تتجه فعلاً نحو إنهاء الانقسام وبناء المؤسسات، أم نحو إعادة ترتيب المواعيد والاستحقاقات تحت عنوان الظروف الاستثنائية.
إعداد وتقرير: المحامي علي أبوحبلة