الهدم الإسرائيلي يتجاوز «ج» إلى «ب».. كفر صور في مواجهة سياسة إعادة تشكيل الضفة الغربية
بقلم: المحامي علي أبوحبلة
الهدم الإسرائيلي يتجاوز «ج» إلى «ب».. كفر صور في مواجهة سياسة إعادة تشكيل الضفة الغربية
بقلم: المحامي علي أبوحبلة
لم تعد سياسة هدم المنازل والمنشآت الفلسطينية في الضفة الغربية مجرد إجراءات إدارية تتذرع بمخالفات البناء أو غياب التراخيص، بل باتت، في سياقها المتراكم، جزءاً من منظومة أوسع تتداخل فيها الأدوات القانونية والعسكرية والتخطيطية والاستيطانية لإعادة تشكيل الجغرافيا والديموغرافيا الفلسطينية.
وتأتي إخطارات الاحتلال الأخيرة بهدم بناية سكنية وثلاثة منازل مأهولة في قرية كفر صور جنوب طولكرم لتشكل محطة بالغة الدلالة؛ فالمباني المستهدفة تقع في منطقة مصنفة «ب»، ويقطنها، وفق رئيس المجلس القروي، أكثر من 80 مواطناً. وهنا تكمن خطورة التطور: فسياسة الهدم التي ارتبطت تاريخياً بصورة أساسية بالمناطق المصنفة «ج»، حيث تملك إسرائيل صلاحيات واسعة في التخطيط والبناء، تمتد اليوم إلى منطقة «ب» التي يفترض أن تتمتع فيها السلطة الفلسطينية بالاختصاصات المدنية.
إن المسألة، بالتالي، لم تعد قضية أربعة مبانٍ مهددة بالهدم، وإنما سؤال يتعلق بحدود السلطة القائمة بالاحتلال ومدى احترامها للترتيبات القانونية القائمة، وبما إذا كانت الإجراءات المتراكمة تؤسس لواقع جديد يتجاوز تقسيمات أوسلو نحو فرض سيطرة إسرائيلية متزايدة على الضفة الغربية.
من ذريعة «الترخيص» إلى سياسة فرض الأمر الواقع
تستند سلطات الاحتلال في كثير من حالات الهدم إلى البناء دون ترخيص. غير أن التقييم القانوني الموضوعي لا يجوز أن يتوقف عند وجود الترخيص من عدمه، بل يجب أن يبحث في طبيعة منظومة التخطيط ذاتها، ومدى قدرة الفلسطيني على الحصول على ترخيص، والجهة صاحبة الاختصاص، وإمكانية الاعتراض القضائي الفعال، والهدف الحقيقي من الإجراء.
فلا يستقيم قانوناً أن تُفرض منظومة تخطيطية تعيق التوسع العمراني الفلسطيني، ثم يصبح عدم الحصول على الترخيص ذريعة لهدم المنازل والمنشآت وتهجير سكانها.
وتزداد خطورة الأمر عندما يتعلق الهدم بمنازل مأهولة، لأن النتيجة لا تكون مجرد إزالة بناء، بل المساس بحق الأسرة في السكن والاستقرار والحياة الأسرية ومصدر الرزق.
كفر صور.. البعد الإنساني والاجتماعي
خلف كل منزل مهدد بالهدم أسرة ومستقبل وأطفال وذكريات ومصدر رزق. وفي حالة كفر صور، فإن الحديث عن أكثر من 80 مواطناً مهددين بفقدان مساكنهم يعني أن قراراً إدارياً واحداً قد يتحول إلى أزمة اجتماعية وإنسانية كاملة.
ولا يجوز النظر إلى التهجير باعتباره أثراً جانبياً. فالاقتلاع من المسكن يترتب عليه تفكيك الروابط الاجتماعية، وزيادة الأعباء الاقتصادية، وارتفاع تكاليف الإيواء، وتعطيل تعليم الأطفال، وفقدان الاستقرار النفسي والاجتماعي.
كما أن استهداف المنشآت الزراعية والاقتصادية يضرب الحلقة الثانية من منظومة الصمود: الأرض والمسكن ومصدر الدخل.
الهدم كأداة ضغط اقتصادي
إن هدم المنشآت التجارية والزراعية لا يقل خطورة عن هدم المنازل. فالحظيرة والبركس والبيت البلاستيكي والمخزن والورشة ليست منشآت هامشية؛ إنها أدوات إنتاج يعتمد عليها آلاف الفلسطينيين.
وعندما تترافق عمليات الهدم مع القيود على الوصول إلى الأراضي والمياه والمراعي، ومصادرة الأراضي، والاستيطان، وإقامة الطرق والبؤر الاستيطانية، فإن الأثر الاقتصادي يتجاوز خسارة المبنى إلى إضعاف القدرة الإنتاجية للاقتصاد الفلسطيني ودفع السكان إلى الاعتماد الاقتصادي القسري.
ومن هنا فإن سياسة الهدم ينبغي أن تُدرس أيضاً باعتبارها جزءاً من الصراع على الموارد وليس مجرد نزاع على تراخيص البناء.
أرقام تؤكد اتساع الظاهرة
وتشير بيانات هيئة مقاومة الجدار والاستيطان إلى أن قوات الاحتلال والمستوطنين نفذوا 11,074 اعتداء خلال النصف الأول من عام 2026، فيما سجلت الهيئة خلال شهر تموز وحده 2,256 اعتداء، ونحو 80 عملية هدم طالت 165 منشأة، بينها 88 منزلاً، إلى جانب إصدار 34 إخطاراً بالهدم.
وهذه الأرقام، بصرف النظر عن اختلاف المنهجيات في توثيقها، تؤكد وجود نمط متكرر وليس حالات منفردة.
كما أن التزامن بين الهدم والاستيطان ومصادرة الأراضي يستوجب قراءة هذه الوقائع في إطارها السياسي الأوسع، لا باعتبار كل حادثة ملفاً إدارياً مستقلاً.
القانون الدولي: الاحتلال ليس مالكاً للأرض
من منظور القانون الدولي الإنساني، فإن إسرائيل بوصفها دولة احتلال لا تملك سلطة مطلقة في التصرف بالممتلكات والأراضي الواقعة تحت الاحتلال.
وتنص المادة 53 من اتفاقية جنيف الرابعة على حظر تدمير الممتلكات الخاصة أو العامة في الأراضي المحتلة، إلا إذا كانت العمليات العسكرية تقتضي حتماً هذا التدمير. كما تحظر المادة 33 العقوبات الجماعية.
وهذا يعني أن أي عملية هدم يجب أن تخضع لاختبار قانوني صارم يتعلق بالسبب والضرورة والتناسب والإجراءات والغاية.
أما إذا كان الهدم جزءاً من سياسة تستهدف السكان بصفتهم الجماعية، أو يهدف بصورة مباشرة أو غير مباشرة إلى دفعهم إلى مغادرة الأرض، فإن المسألة تصبح أكثر خطورة من مجرد مخالفة تنظيمية، وقد تثير مسؤوليات بموجب القانون الدولي الإنساني والقانون الجنائي الدولي.
تجاوز «ج» نحو «ب».. ماذا يعني سياسياً؟
تكمن أهمية كفر صور في أنها تقع في منطقة «ب». فإذا أصبحت سلطات الاحتلال تتوسع في فرض أوامر الهدم والتخطيط والسيطرة على الممتلكات في هذه المناطق، فإن ذلك يثير مسألة جوهرية تتعلق بتآكل الترتيبات الانتقالية التي قامت عليها اتفاقيات أوسلو.
والأخطر أن ذلك يتزامن مع واقع مختلف في مناطق «أ»، حيث تشهد مدن ومخيمات فلسطينية عمليات اقتحام عسكرية وتدميراً للمنازل والطرق والبنية التحتية.
وبذلك تتشكل معادلة خطرة: «ج» تحت ضغط التخطيط والهدم والاستيطان، و«ب» أمام تمدد أدوات السيطرة، و«أ» أمام الاقتحامات والتدمير العسكري.
وهذه المعادلة تستحق قراءة استراتيجية، لأنها قد تؤدي تدريجياً إلى إفراغ التقسيمات التي أنشأتها أوسلو من مضمونها العملي، واستبدالها بنظام سيطرة إسرائيلي أكثر اتساعاً.
المطلوب.. نقل الملف من الإدانة إلى المساءلة
المواجهة القانونية لا ينبغي أن تقتصر على البيانات السياسية بعد وقوع الهدم، بل يجب إنشاء قاعدة بيانات قانونية موحدة لكل منزل أو منشأة مهددة، تتضمن موقعها، وتصنيف المنطقة، وطبيعة الملكية، وأساس الإخطار، والجهة التي أصدرته، وطرق الاعتراض، والنتيجة القضائية، وأي ارتباط بمصادرة الأرض أو الاستيطان.
كما ينبغي رفع هذه الملفات بصورة منهجية إلى الأمم المتحدة والجهات القضائية والحقوقية الدولية، وربط كل عملية هدم بالسياق الأوسع للسيطرة على الأرض والموارد والسكان.
إن المطلوب ليس فقط منع هدم منزل في كفر صور، وإنما منع تحويل الهدم إلى أداة لإعادة رسم الخريطة الفلسطينية.
فالمسألة في جوهرها ليست صراعاً على رخصة بناء، بل صراع على الحق في السكن والأرض والإنتاج والاستقرار والبقاء. وإذا استمرت دائرة الهدم في الانتقال من «ج» إلى «ب»، وترافقت في «أ» مع التدمير العسكري، فإن الخطر لا يقتصر على تشريد عشرات أو مئات الأسر، بل يمتد إلى تقويض إمكانية قيام كيان فلسطيني متصل جغرافياً وقابل للحياة اقتصادياً وسياسياً.
كفر صور، بهذا المعنى، ليست مجرد قرية تواجه أربعة إخطارات هدم؛ إنها إنذار سياسي وقانوني بأن سياسة الأمر الواقع تتقدم على الأرض، وأن حماية الوجود الفلسطيني تتطلب انتقالاً عاجلاً من رد الفعل إلى استراتيجية قانونية وسياسية واقتصادية متكاملة.



