*حوار القاهرة واختبار وحدة القرار الفلسطيني*
أبو شريف رباح
*حوار القاهرة واختبار وحدة القرار الفلسطيني*
أبو شريف رباح
30\9\2026
تتجه الأنظار الفلسطينية إلى الحوار الوطني الفلسطيني المرتقب برعاية جمهورية مصر العربية وسط آمال بأن يشكل خطوة جدية نحو إنهاء الانقسام واستعادة وحدة الصف الفلسطيني، لكن في الوقت نفسه تطرح هذه الدعوة أسئلة فلسطينية مشروعة حول جدوى حوار جديد إذا لم تقترن مخرجاته بآليات واضحة وملزمة للتنفيذ، فالفلسطينيون لا يفتقرون إلى الاتفاقيات بل إلى الالتزام بما يتم الاتفاق عليه، وعلى مدار سنوات الانقسام عقدت لقاءات وحوارات متعددة بين حركتي فتح وحماس ووقعت تفاهمات واتفاقيات عديدة من بينها اتفاق مكة الذي شكل في حينه محاولة لوقف الاقتتال الداخلي وتشكيل حكومة وحدة وطنية إلا أن الانقسام استمر وصولاً إلى الانقلاب على السلطة الفلسطينية في قطاع غزة عام 2007 وما ترتب عليه من واقع سياسي وجغرافي ما زالت آثاره قائمة حتى اليوم، من هنا فإن السؤال الذي يفرض نفسه أمام اي حوار مقبل، ما الذي سيجعل هذا الحوار مختلفاً عن الحوارات السابقة؟
نعم الحوار الوطني ضرورة فلسطينية ولا يمكن لأي فصيل أن يكون خارج معادلة الوحدة الوطنية لكن الحوار الناجح يحتاج إلى قاعدة واضحة تقوم على احترام المرجعية الوطنية الجامعة وفي مقدمتها منظمة التحرير الفلسطينية باعتبارها الإطار الوطني الذي يمثل الشعب الفلسطيني، وتزداد أهمية هذه المسألة عند الحديث عن المخيمات الفلسطينية في لبنان وفي مقدمتها مخيم عين الحلوة حيث إن أي محاولات لتشكيل مرجعيات سياسية أو أمنية موازية تفتح الباب أمام ازدواجية في القرار والتمثيل وهو أمر يحتاج إلى معالجة وطنية هادئة ومسؤولة بعيداً عن التصعيد والتخوين، فالمخيمات الفلسطينية في لبنان ليست ساحة لتكريس الانقسام بل هي جزء من الحالة الوطنية الفلسطينية وحمايتها سياسياً وأمنياً واجتماعياً تتطلب مرجعية واحدة تحفظ أمنها واستقرارها وعلاقاتها مع الدولة اللبنانية.
أما مسألة الانتخابات وتأجيلها فإنها تحتاج إلى مقاربة دقيقة فإذا كان تأجيل الاستحقاقات الانتخابية جزءاً من تفاهم وطني يهدف إلى توفير الظروف المناسبة لإجراء انتخابات أكثر شمولاً فإن الأمر يمكن أن يكون مفهوماً على أن لا يتحول التأجيل إلى تعطيل مفتوح أو إلى وسيلة للهروب من الاستحقاق الديمقراطي، ومن وجهة نظري، فإن أهمية أي تأجيل محتمل لا ينبغي أن تكون مرتبطة بإرضاء هذا الفصيل أو ذاك، وإنما باستثمار الوقت في إعادة ترتيب البيت الفلسطيني، وفي مقدمة ذلك إعادة توحيد حركة فتح وتعزيز حضورها التنظيمي والسياسي والجماهيري، فحركة فتح التي تقود المشروع الوطني الفلسطيني منذ عقود تحتاج اليوم إلى استعادة عافيتها الداخلية وتوحيد صفوفها وتعزيز حضورها بين الجماهير وتجديد خطابها وأدواتها التنظيمية بما يمكنها من مواصلة دورها الوطني في مواجهة التحديات الكبرى التي تواجه القضية الفلسطينية، ولا تعني إعادة توحيد حركة فتح إقصاء أي طرف فلسطيني.
كما أن الحفاظ على مكانة منظمة التحرير لا يعني إغلاق أبواب الشراكة الوطنية، المطلوب هو شراكة حقيقية تقوم على قاعدة واضحة، مرجعية وطنية واحدة، وقرار فلسطيني موحد، والتزام جماعي بمخرجات الحوار، والاحتكام إلى الوسائل الديمقراطية في تحديد شكل النظام السياسي وقياداته، ونجاح حوار القاهرة لن يقاس بعدد الاجتماعات أو البيانات الختامية وإنما بما سيحدث بعد انتهاء الاجتماعات، فالمطلوب هذه المرة ليس اتفاقاً جديداً يضاف إلى أرشيف المصالحة الفلسطينية، وإنما خطوات عملية وجداول زمنية وآليات تنفيذ تضمن الانتقال من الكلام إلى الفعل.
ويبقى الاختبار الحقيقي أمام جميع القوى الفلسطينية، هل تستطيع أن تضع المصلحة الوطنية فوق الحسابات الفصائلية وأن تعيد الاعتبار لوحدة القرار والمرجعية الفلسطينية وأن تفتح الطريق أمام نظام سياسي موحد وانتخابات حرة وشراكة وطنية حقيقية؟ ذلك هو الرهان الحقيقي لحوار القاهرة، وذلك أيضاً هو الطريق الذي يمكن أن يعيد للقضية الفلسطينية قدرتها على مواجهة الاحتلال والاستيطان والتهجير بعيداً عن استمرار الانقسام الذي أضعف الحالة الفلسطينية وأرهق شعبنا طوال السنوات الماضية.



