مدريد تنتفض ضد أزمة السكن: طرد مسنة يشعل احتجاجات حاشدة واعتصامات في الميادين

سبتمبر 27, 2026 - 09:43
مدريد تنتفض ضد أزمة السكن: طرد مسنة يشعل احتجاجات حاشدة واعتصامات في الميادين

اجتاحت موجة من الغضب الشعبي شوارع العاصمة الإسبانية مدريد، حيث تظاهر عشرات الآلاف من المواطنين تنديداً بتفاقم أزمة السكن والارتفاع الجنوني في أسعار الإيجارات. وجاءت هذه التحركات الجماهيرية رداً على حادثة إخلاء قسري تعرضت لها مسنة تبلغ من العمر 87 عاماً، مما أعاد تسليط الضوء على المعاناة اليومية للمستأجرين في مواجهة الشركات العقارية الكبرى.

المسنة ماريكارمن أباسكال، التي تحولت إلى رمز لهذه الاحتجاجات، أُخرجت من شقتها التي سكنت فيها لسبعة عقود بعد أن قامت الشرطة بكسر باب منزلها. الحادثة وقعت عقب استحواذ شركة عقارية على المبنى ورفع قيمة الإيجار بنسبة هائلة بلغت 275%، ليصل المبلغ المطلوب إلى 2650 يورو شهرياً، وهو ما عجزت المسنة عن سداده.

المتظاهرون الذين جابوا وسط مدريد قرعوا المفاتيح وأطلقوا الصافرات تعبيراً عن رفضهم لسياسات التهجير القسري، وحملوا لافتات تحذر من أن أي مواطن قد يكون الضحية التالية. وشدد المحتجون على ضرورة تدخل الدولة الفوري لوضع سقف للأسعار ومنع الشركات من التلاعب بحياة الأسر وكبار السن.

وفي خطوة تصعيدية، أقام مئات المتظاهرين مخيماً للاعتصام في ساحة 'بلازا ديل سول' الشهيرة، حيث نصبت الخيام أمام مقر حكومة إقليم مدريد. وأكدت النقابات المنظمة للتحرك أن الصبر قد نفد، مهددة بإسقاط الحكومة في حال لم يتم إيجاد حل جذري لنظام الإيجارات الحالي الذي وصفوه بالمجحف.

من جانبها، قدرت السلطات الحكومية عدد المشاركين في المسيرة بنحو 25 ألف شخص، إلا أن المنظمين أكدوا أن العدد الفعلي تجاوز 300 ألف متظاهر. هذا التباين في الأرقام لم يقلل من حجم الضغط السياسي الذي شعرت به حكومة رئيس الوزراء بيدرو سانشيز، المطالبة باتخاذ إجراءات تشريعية عاجلة.

ماريكارمن أباسكال وجهت رسالة مؤثرة من المستشفى الذي نُقلت إليه عقب إصابتها بالإرهاق نتيجة عملية الإخلاء، حيث دعت الإسبان إلى مواصلة النضال من أجل حقوقهم. وقالت في مقطع فيديو نُشر قبيل التظاهرة إنها تأمل أن تكون قصتها دافعاً للتغيير ومنع تكرار هذه المأساة مع عائلات أخرى.

الاحتجاجات لم تقتصر على فئة عمرية محددة، بل شهدت مشاركة واسعة من المتقاعدين والشباب على حد سواء، حيث عبرت ماريكارمن أرنيدو (76 عاماً) عن استيائها من الوضع الراهن. وأشارت إلى أن الأزمة طالت الجميع، فبينما يُطرد كبار السن، يجد الشباب أنفسهم عاجزين عن الاستقلال وبناء حياتهم الخاصة بسبب التكاليف الباهظة.

وتواجه حكومة سانشيز تحدياً كبيراً في تمرير ما بات يُعرف بـ 'قانون ماريكارمن'، والذي يتضمن بنوداً للتجديد التلقائي لعقود الإيجار وقيوداً صارمة على عمليات الإخلاء. ومع ذلك، تبقى حظوظ القانون في البرلمان غير مؤكدة نظراً لافتقار الحكومة الائتلافية للأغلبية المطلقة، مما يضعها في مأزق سياسي حرج.

التقارير الاقتصادية الصادرة عن بنك إسبانيا تشير إلى أن جذور الأزمة تكمن في وجود فجوة هائلة بين العرض والطلب، حيث تعاني البلاد من نقص يقدر بـ 700 ألف وحدة سكنية. هذا العجز ناتج عن تراجع وتيرة البناء الجديد وضعف الاستثمار في قطاع الإسكان العام المخصص لذوي الدخل المحدود.

ويرى محللون أن التوسع السياحي الكبير في المدن الكبرى ساهم في تفاقم المشكلة، حيث يفضل المالكون تحويل شققهم إلى وحدات للإيجار السياحي القصير الأمد. هذا التوجه أدى إلى تقليص المعروض السكني المتاح للمقيمين الدائمين، مما دفع الأسعار إلى مستويات قياسية تفوق القدرة الشرائية للمواطن العادي.

النمو السكاني المرتبط بالهجرة زاد أيضاً من الضغوط على سوق العقارات المتهالك أصلاً، في ظل غياب سياسات حكومية فعالة لمواكبة هذه الزيادة. ويطالب الخبراء بضرورة تبني استراتيجية وطنية شاملة تتضمن بناء آلاف الوحدات السكنية العامة وتوفير حوافز ضريبية للملاك الذين يلتزمون بأسعار عادلة.

المشاهد التي وثقت إخراج أباسكال على نقالة طبية من منزلها أثارت صدمة في المجتمع الإسباني، واعتبرتها القوى السياسية المعارضة دليلاً على فشل السياسات الاجتماعية للحكومة. وقد أصبحت هذه الحادثة نقطة تحول قد تؤثر بشكل مباشر على نتائج الانتخابات العامة المقررة في عام 2027.

وفي ساحة الاعتصام، أكد المشاركون أنهم لن يغادروا أماكنهم حتى يحصلوا على ضمانات حقيقية بحماية حقهم في السكن، معتبرين أن السكن حق دستوري وليس سلعة للمضاربة. وتراقب الشرطة الإسبانية الوضع عن كثب في ساحة 'بلازا ديل سول' وسط مخاوف من توسع رقعة الاحتجاجات لتشمل مدناً أخرى.

ختاماً، تظل أزمة السكن في إسبانيا قنبلة موقوتة تهدد الاستقرار الاجتماعي، حيث تتداخل فيها العوامل الاقتصادية مع الأزمات الإنسانية. ويبقى السؤال معلقاً حول قدرة الطبقة السياسية على التوافق لإنقاذ آلاف العائلات التي تواجه مصير ماريكارمن أباسكال في ظل غياب الحلول المستدامة.