شباب فلسطين تحت الاحتلال.. من يصنع لهم المستقبل؟
بقلم: المحامي علي أبوحبلة
شباب فلسطين تحت الاحتلال.. من يصنع لهم المستقبل؟
بقلم: المحامي علي أبوحبلة
في اليوم العالمي للشباب، لا تبدو المناسبة بالنسبة إلى شباب فلسطين احتفالاً عابراً، بقدر ما هي مناسبة لإعادة طرح سؤال مصيري: أين يقف الشباب الفلسطيني في عالم يتحدث عن تمكين الشباب وصناعة المستقبل، بينما يعيش هذا الجيل تحت الاحتلال الإسرائيلي، ويواجه البطالة والحواجز والاستيطان والحروب وتراجع فرص التعليم والعمل؟
الشباب الفلسطيني هم الثروة الحقيقية للمجتمع، والطاقة الأكثر قدرة على البناء والتغيير. لكن الاحتلال لا يصادر الأرض والحرية فحسب، بل يترك آثاراً عميقة على الاقتصاد والتعليم وسوق العمل والحياة الاجتماعية، ويضع عراقيل أمام جيل يفترض أن يكون شريكاً أساسياً في بناء المستقبل.
وتكمن الخطورة في أن المشكلة لا تتوقف عند البطالة أو ضعف الدخل؛ فالأخطر هو تآكل الأمل والثقة بالمستقبل. عندما يجد الشاب نفسه أمام سنوات من الدراسة دون فرصة عمل، أو أمام قيود تحول دون الوصول إلى جامعته أو مكان عمله، أو أمام واقع اقتصادي وسياسي مغلق، تصبح الهجرة خياراً مطروحاً، ويصبح الإحباط ظاهرة تهدد المجتمع بأسره.
وفي قطاع غزة، أخذت المأساة أبعاداً كارثية نتيجة الحرب والدمار الذي طال قطاعات واسعة من البنية التعليمية والاقتصادية والاجتماعية، ما جعل أعداداً كبيرة من الشباب أمام تحديات تتجاوز مجرد البحث عن وظيفة إلى البحث عن حياة طبيعية وآمنة ومستقرة.
أما في الضفة الغربية، فتتداخل آثار الاحتلال والاستيطان والحواجز والقيود على الحركة مع الأزمة الاقتصادية الفلسطينية، لتزيد صعوبة اندماج الشباب في سوق العمل والمشاركة الفاعلة في الحياة العامة.
ومع ذلك، فإن الشباب الفلسطيني ليسوا مجرد ضحايا للواقع، بل يمتلكون طاقات هائلة في العلم والتكنولوجيا والإبداع وريادة الأعمال والعمل التطوعي. ومن هنا تبدأ مسؤولية الإنقاذ.
المطلوب أولاً استراتيجية وطنية شاملة للشباب، لا تقتصر على المناسبات والبرامج المؤقتة، بل تضع التعليم والتشغيل والتدريب المهني والتكنولوجي وريادة الأعمال والثقافة والرياضة والمشاركة السياسية في إطار متكامل.
كما يجب إعادة بناء منظومة التعليم وربط الجامعات بسوق العمل، وتشجيع التعليم التقني والمهني، ودعم الشركات الناشئة والمشروعات الصغيرة، وتوفير التمويل والحاضنات للشباب، والاستثمار في الاقتصاد الرقمي الذي يستطيع تجاوز جزء من القيود الجغرافية التي يفرضها الاحتلال.
وفي الجانب السياسي، لا بد من فتح المجال أمام الشباب للمشاركة في صنع القرار والمؤسسات الوطنية والمجالس المحلية والحياة العامة. فالشباب ليسوا مجرد قوة انتخابية أو جمهوراً للخطابات، وإنما شركاء في صناعة السياسات وتحديد الأولويات الوطنية.
أما المجتمع الدولي، فعليه أن ينتقل من بيانات التضامن إلى إجراءات عملية. فدعم الشباب الفلسطيني يعني حماية حقهم في التعليم والعمل والتنقل، ودعم الجامعات والمؤسسات الاقتصادية، وفتح الأسواق أمام المنتجات والخدمات الفلسطينية، وتمكين الشباب من الوصول إلى التكنولوجيا والمعرفة والفرص الدولية.
كما أن مواجهة الرواية الإسرائيلية تتطلب الاستثمار في جيل قادر على مخاطبة العالم بلغة القانون والتاريخ والإعلام الحديث والتكنولوجيا، وتقديم الرواية الفلسطينية بالوثيقة والمعرفة والمهنية.
إن إنقاذ شباب فلسطين ليس ترفاً ولا ملفاً اجتماعياً ثانوياً؛ إنه استثمار في مستقبل الشعب الفلسطيني كله. فحين نحمي الشباب من اليأس والهجرة والتهميش، فإننا نحمي المجتمع والدولة والمشروع الوطني.
وفي اليوم العالمي للشباب، تبقى الرسالة واضحة: شباب فلسطين لا يريدون الشفقة، بل يريدون الفرصة والحرية والعدالة والقدرة على صناعة مستقبلهم.
فإذا كان الاحتلال يسعى إلى مصادرة المستقبل، فإن الرد الفلسطيني والدولي يجب أن يكون ببناء جيل متعلم، منتج، مبدع، متمسك بأرضه وهويته، وقادر على تحويل الألم إلى طاقة بناء.
إنقاذ شباب فلسطين هو إنقاذ لمستقبل فلسطين، ومسؤولية هذا الجيل ليست أن ينتظر المستقبل، بل أن يمتلك الأدوات التي تمكنه من صناعته.



