حكاية الـ 269 دقيقة.. كيف سجل كاسترو أطول خطاب في تاريخ الجمعية العامة؟

سبتمبر 27, 2026 - 09:42
حكاية الـ 269 دقيقة.. كيف سجل كاسترو أطول خطاب في تاريخ الجمعية العامة؟

في السادس والعشرين من سبتمبر عام 1960، وقف رئيس الوزراء الكوبي الراحل فيدل كاسترو على منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة، مستهلاً كلمته بوعد لم يوفِ به، وهو الإيجاز. وبدلاً من ذلك، استمر كاسترو في الحديث لمدة أربع ساعات وتسع وعشرين دقيقة، ليسجل أطول خطاب موثق في تاريخ الجمعية العامة بواقع 269 دقيقة.

تأتي هذه الذكرى في وقت تطلب فيه المنظمة الدولية من رؤساء الوفود عدم تجاوز 15 دقيقة في كلماتهم، مما يجعل رقم كاسترو عصياً على الكسر في العصر الحديث. ولم تكن المدة الزمنية هي الميزة الوحيدة لذلك الخطاب، بل السياق السياسي المتفجر الذي ألقي فيه بعد أشهر قليلة من نجاح الثورة الكوبية.

بدأت كواليس الرحلة قبل الخطاب بأسبوع، حين وصل الوفد الكوبي إلى نيويورك ونزل في فندق 'شلبورن' بمانهاتن، لكن خلافاً مع الإدارة دفع كاسترو للانتقال إلى حي هارلم. هناك، نزل الوفد في فندق 'تيريزا'، وهو ما اعتبر رسالة سياسية قوية ضد التمييز العنصري في الولايات المتحدة آنذاك.

في هارلم، تحول مقر إقامة كاسترو إلى مركز دبلوماسي موازٍ، حيث التقى بالزعيم السوفيتي نيكيتا خروتشوف والرئيس المصري جمال عبد الناصر، بالإضافة إلى الناشط مالكوم إكس. هذه اللقاءات وضعت كوبا في قلب التجاذبات الدولية الكبرى إبان ذروة الحرب الباردة بين المعسكرين الشرقي والغربي.

استهل كاسترو خطابه بالشكوى من المعاملة التي تلقاها وفده في نيويورك، واصفاً إياها بمحاولات الابتزاز والمضايقة المتعمدة. واعتبر أن ما حدث في الفندق ليس إلا انعكاساً للضغوط التي تمارسها واشنطن على حكومته الثورية الناشئة التي بدأت بتهديد المصالح الأمريكية.

خصص الزعيم الكوبي جزءاً واسعاً من وقته للدفاع عن الإصلاح الزراعي الذي طبقته حكومته، والذي حدد سقف الملكية بـ400 هكتار. وأوضح أن شركات أمريكية كانت تسيطر على مساحات شاسعة تصل إلى 200 ألف هكتار، مما جعل الصدام مع واشنطن أمراً حتمياً.

قدم كاسترو أرقاماً صادمة عن الوضع الذي ورثته الثورة عن نظام باتيستا، مشيراً إلى وجود 600 ألف عاطل عن العمل ونسبة أمية تجاوزت 37%. واستخدم هذه البيانات ليبرر للعالم ضرورة الإجراءات الراديكالية التي اتخذتها كوبا لاستعادة سيادتها الاقتصادية ومواردها الوطنية.

لم يكتفِ كاسترو بالحديث عن شؤون بلاده، بل استغل انضمام 17 دولة جديدة للأمم المتحدة في ذلك العام ليخاطب العالم الثالث. فقد أعلن دعمه الكامل لحق الشعب الجزائري في الاستقلال عن فرنسا، ورفض اعتبار الجزائر جزءاً من الأراضي الفرنسية كما كانت تدعي باريس.

وفي لفتة تضامنية مع القضايا العربية، استذكر كاسترو تأميم مصر لقناة السويس، واصفاً الخطوة بأنها مشروعة تماماً. وندد بالعدوان الذي تعرضت له مصر نتيجة هذا القرار، رابطاً بين نضال الشعوب في أمريكا اللاتينية وأفريقيا والشرق الأوسط ضد ما وصفه بالاستعمار الاقتصادي.

تطرق الخطاب أيضاً إلى قضايا النفط في الشرق الأوسط، حيث اتهم الشركات الاحتكارية الغربية بالسيطرة على مقدرات الشعوب. كما دافع عن الزعيم الكونغولي باتريس لومومبا، محذراً من التدخلات الخارجية التي تسعى لإجهاض استقلال الدول الأفريقية الناشئة.

شهدت تلك الدورة من الجمعية العامة منافسة في طول الخطب، حيث تحدث خروتشوف لمدة 140 دقيقة، والرئيس الإندونيسي سوكارنو لمدة 121 دقيقة. وبدت الجمعية العامة في ذلك الخريف وكأنها منبر لعالم جديد يرفض الصمت ويطالب بحقه في صياغة النظام الدولي بعيداً عن الهيمنة.

توضح سجلات الأمم المتحدة أن خطاب كاسترو هو الأطول في الجمعية العامة، بينما يحمل الدبلوماسي الهندي كريشنا مينون الرقم القياسي في مجلس الأمن. فقد تحدث مينون لمدة 8 ساعات دفاعاً عن قضية كشمير عام 1957، لكن ذلك تم على مدار ثلاث جلسات منفصلة.

بعد أشهر قليلة من هذا الخطاب الماراثوني، قطعت الولايات المتحدة علاقاتها الدبلوماسية مع كوبا في يناير 1961. تبع ذلك محاولة غزو فاشلة في خليج الخنازير، مما أثبت أن كلمات كاسترو الطويلة كانت بمثابة إعلان رسمي عن قطيعة تاريخية استمرت لعقود.

اليوم، يبقى خطاب كاسترو رمزاً لحقبة سياسية اتسمت بالخطابة الثورية والمواجهات المباشرة تحت قبة المنظمة الدولية. ورغم رحيل كاسترو وتغير موازين القوى، لا يزال رقم الـ 269 دقيقة مسجلاً في الأرشيف كشاهد على يوم استثنائي في تاريخ الدبلوماسية العالمية.