«المستقبل» و«الحرية» على أبواب انتخابات 2026.. هل تتشكل معادلة فلسطينية جديدة؟

سبتمبر 30, 2026 - 20:12
سبتمبر 30, 2026 - 20:14
«المستقبل» و«الحرية» على أبواب انتخابات 2026.. هل تتشكل معادلة فلسطينية جديدة؟

«المستقبل» و«الحرية» على أبواب انتخابات 2026.. هل تتشكل معادلة فلسطينية جديدة؟

رؤية استراتيجية وطنية: من تحالف انتخابي محتمل إلى إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني

بقلم: المحامي علي أبوحبلة

تدخل الانتخابات التشريعية الفلسطينية المقرر إجراؤها في 28 تشرين الثاني/نوفمبر 2026 مرحلة شديدة الحساسية، مع بدء تسجيل القوائم الانتخابية، وفي ظل تحركات واتصالات سياسية لتشكيل ائتلافات انتخابية واسعة. وقد حدد المرسوم الرئاسي موعد الانتخابات، فيما بدأت لجنة الانتخابات المركزية استقبال طلبات الترشح في الضفة الغربية وقطاع غزة. 

وفي هذا السياق، برزت تقارير تتحدث عن تحالف انتخابي قيد التشكّل يضم قوى وشخصيات متعددة، وعن مساعٍ لإدماج تيار محمد دحلان والقيادي الأسير مروان البرغوثي في صيغة انتخابية واحدة. وهذه المعلومات، حتى الآن، ينبغي التعامل معها باعتبارها مشاورات سياسية وتقارير إعلامية تحتاج إلى إعلان رسمي نهائي، لا باعتبارها قائمة مكتملة أو اتفاقاً ناجزاً. 

لكن مجرد تداول هذه الفكرة يحمل دلالة سياسية تستحق القراءة.

من «المستقبل» إلى «الحرية».. ذاكرة انتخابية تعود

ليست أسماء «المستقبل» و«الحرية» جديدة على الذاكرة الانتخابية الفلسطينية.

ففي عام 2021، شكل محمد دحلان قائمة «المستقبل»، بينما شكل مروان البرغوثي وناصر القدوة قائمة «الحرية»، في مشهد عكس آنذاك عمق الانقسام داخل حركة فتح وتعدد التيارات السياسية داخلها. وقد وثق المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية آنذاك تشكيل القائمتين إلى جانب القائمة الرسمية لحركة فتح. 

أما اليوم، فإن احتمال انتقال هذه التيارات من حالة التنافس إلى حالة التقارب أو التحالف يفتح الباب أمام سؤال أكبر من أسماء القوائم:

هل نحن أمام إعادة إنتاج لخلافات الماضي، أم أمام محاولة لتأسيس شراكة سياسية جديدة؟؟؟

وهنا ينبغي الحذر من اختزال المشهد في شخصيتي دحلان والبرغوثي. فالمسألة الوطنية الفلسطينية أكبر من الأشخاص، وأي قائمة انتخابية لا يمكن أن تتحول إلى مشروع وطني بمجرد اجتماع مجموعة من الأسماء.

المفاجأة الحقيقية ليست في القائمة

إذا صحت التقارير المتداولة بشأن اتصالات تضم تيار دحلان وقوى وفصائل فلسطينية أخرى، فإن التطور الأهم سيكون في طبيعة البرنامج السياسي الذي يمكن أن يجمع هذه الأطراف.

ففلسطين لا تحتاج إلى قائمة انتخابية هدفها الوصول إلى المجلس التشريعي فقط، وإنما تحتاج إلى عقد سياسي جديد يعيد بناء مؤسسات النظام السياسي على أساس الشرعية الشعبية والقانون.

وهنا تبرز خمسة عناوين استراتيجية:

أولاً: إنهاء الانقسام على أساس الشراكة لا المحاصصة.

المجلس التشريعي المنتخب يجب أن يكون مدخلاً لإنهاء الانقسام بين الضفة الغربية وقطاع غزة، وليس ساحة جديدة لتكريس الانقسام.

ثانياً: إعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية.

لا يمكن أن تبقى إعادة بناء المؤسسات الوطنية مؤجلة. المطلوب تفعيل منظمة التحرير باعتبارها الإطار الوطني الجامع، والعمل باتجاه مجلس وطني منتخب حيثما أمكن، بما يضمن تمثيل القوى والتيارات السياسية والمجتمعية.

ثالثاً: تثبيت مبدأ سيادة القانون.

المرحلة المقبلة تحتاج إلى فصل واضح بين السلطات، واستقلال القضاء، وتفعيل الرقابة البرلمانية، وهيئات مكافحة الفساد، وضمان خضوع الأجهزة الأمنية للقانون والسلطة القضائية، وحماية الحريات العامة وحرية الصحافة والتعبير.

رابعاً: برنامج اقتصادي واجتماعي للإنقاذ.

الناخب الفلسطيني لا يريد فقط شعارات سياسية؛ يريد معالجة البطالة والفقر، وإعادة إعمار غزة، وتطوير التعليم والصحة، وحماية الطبقة الوسطى، وإصلاح المالية العامة، ومحاربة الهدر والفساد، وإعادة بناء الاقتصاد الوطني.

خامساً: استراتيجية وطنية لمواجهة الاحتلال والاستيطان.

أي نظام سياسي فلسطيني جديد يجب أن يجمع بين العمل السياسي والدبلوماسي والقانوني والدولي، وتوظيف قرارات الأمم المتحدة والقانون الدولي، وحماية الأرض الفلسطينية من الاستيطان والضم، وتعزيز صمود المواطنين في القدس والضفة وغزة.

الانتخابات ليست غاية بذاتها

من الخطأ النظر إلى الانتخابات باعتبارها نهاية الطريق. الانتخابات ينبغي أن تكون بداية لمرحلة انتقالية وطنية محددة المدة والأهداف.

وتزداد أهمية ذلك في ظل استمرار التساؤلات حول قدرة العملية الانتخابية على الوصول إلى موعدها، إذ أشارت تحليلات حديثة إلى وجود عقبات سياسية وأمنية ولوجستية قد تؤثر في المسار الانتخابي. وفي المقابل، فإن الموقف المعلن رسمياً يتمسك بإجراء الانتخابات في موعدها وفي القدس والضفة وغزة بصورة متزامنة. 

ومن هنا فإن أي حوار وطني أو تفاهم انتخابي يجب ألا يتحول إلى ذريعة لتأجيل الاستحقاق دون توافق وطني واضح ومعلن، كما لا ينبغي أن تتحول الانتخابات إلى عملية شكلية لا تتوافر فيها شروط النزاهة وتكافؤ الفرص.

نحو «ائتلاف وطني» لا مجرد ائتلاف انتخابي

إذا نجحت الاتصالات الجارية في تشكيل قائمة واسعة، فإن الاختبار الحقيقي سيكون في اليوم التالي للانتخابات.

فهل يستطيع أعضاؤها الاتفاق على برنامج لإعادة بناء النظام السياسي؟ وهل يلتزمون بقبول النتائج أياً كانت؟ وهل يتعهدون بتشكيل سلطة تشريعية مستقلة قادرة على ممارسة الرقابة والمساءلة؟ وهل يكون هدفهم استعادة وحدة المؤسسات الفلسطينية أم إعادة توزيع النفوذ؟

هذه الأسئلة هي التي يجب أن تطرحها النخب الفلسطينية، لا سؤال من يتصدر القائمة فقط.

والأهم أن الانتخابات يجب أن تكون انتخابات دولة ومؤسسات، لا انتخابات أشخاص ومراكز نفوذ.

رؤية استراتيجية للمرحلة المقبلة

المطلوب فلسطينياً هو بناء جبهة سياسية وطنية انتخابية واسعة تقوم على برنامج معلن، لا على تفاهمات شخصية مغلقة، وتلتزم بخريطة طريق من خمس مراحل:

إجراء الانتخابات التشريعية في الضفة وغزة والقدس وفق أعلى معايير النزاهة الممكنة، وبإشراف لجنة الانتخابات المركزية ومراقبة وطنية ودولية.

تشكيل مجلس تشريعي فاعل يمارس التشريع والرقابة والمساءلة، ويعيد الاعتبار للفصل بين السلطات.

تشكيل حكومة انتقالية وطنية محددة المدة تضع برنامجاً للإصلاح المؤسسي وإعادة إعمار غزة وتوحيد المؤسسات.

إعادة بناء منظمة التحرير ومؤسساتها على قاعدة التمثيل الديمقراطي والشراكة السياسية.

الانتقال إلى انتخابات رئاسية ومجلس وطني ضمن سقف زمني واضح، بحيث تصبح الانتخابات مساراً متكاملاً لإعادة تجديد الشرعية الفلسطينية.

إن فلسطين اليوم أمام لحظة سياسية مختلفة. وقد تكون عودة الحديث عن «المستقبل» و«الحرية» مجرد تشابه في الأسماء، وقد تكون مقدمة لتحالف أوسع؛ لكن القيمة الحقيقية لأي تحالف لن تحددها أسماء قياداته، بل البرنامج الذي يقدمه للشعب الفلسطيني، ومدى التزامه بالديمقراطية والقانون والوحدة الوطنية والمصلحة الوطنية العليا.

فالمطلوب ليس إعادة إنتاج الماضي، ولا نقل الصراعات القديمة إلى صندوق الاقتراع، وإنما تحويل الانتخابات إلى بوابة لإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني على أساس الشرعية الشعبية، وسيادة القانون، والشراكة الوطنية، ووحدة الأرض والمؤسسات، وصولاً إلى دولة فلسطين المستقلة وعاصمتها القدس.

وهنا ستكون المفاجأة الحقيقية في انتخابات 28 نوفمبر: ليس من يجمع أكبر عدد من الأسماء، وإنما من يستطيع أن يقدم للفلسطينيين مشروعاً وطنياً قابلاً للحياة، ويعيد للانتخابات معناها كأداة لبناء الدولة لا لتوزيع النفوذ.