مقام الصوفيين يحتضن حكايةً تمتد لثلاثمئة عام

إعداد: جنى دروبي، نغم سمير

أغسطس 13, 2026 - 18:27
مقام الصوفيين يحتضن حكايةً تمتد لثلاثمئة عام

في أحد أركان مقام الصوفيين، يجلس هشام يونس بين جدرانٍ قديمة تحمل آثار الزمن، يتأمل المكان من حوله، مستعيدًا في صمته تفاصيل حكايةٍ تناقلتها الأجيال. يمرر عينيه بين أرجائه، ويتوقف عند بعض معالمه، مستحضرًا ذاكرةً تعود به إلى سنوات طفولته، حين كان المقام عامرًا بالزوار، وتخرج من الحارة الرايات الخضراء على وقع الطبول والدق في المناسبات الدينية.

وفي حي القصبة - طولكرم، يحتضن المكان واحدةً من أقدم مقابر البلدة، التي تحمل رمزيةً خاصة في الذاكرة المحلية، بما تضمه من قبورٍ تعود إلى شخصياتٍ ارتبطت بتاريخ الحي والمكان. غير أن حكاية هذا الموقع لم تبدأ كمقبرة، إذ كان في الأصل زاويةً للعبادة اتخذها عددٌ من المتصوفة من أبناء مدينة طولكرم مكانًا للتعبد والذكر، قبل أن يتحول تدريجيًا إلى مدفنٍ يحتضن رفات بعضهم.

وبعد وفاة عددٍ من المتعبدين الذين ارتبطوا بالمكان، اختار الأهالي دفنهم فيه ليشكل أول قبرٍ بداية لتحوله إلى مقبرة، ثم توالت القبور بعد ذلك، حتى غدا الموقع شاهدًا على مرحلةٍ من تاريخ المدينة وحياتها الدينية والاجتماعية.

 

هشام يونس، أحد أبناء المنطقة، يقول "هذا المقام عمره مئات السنين، يمتد إلى ثلاثمئة عام. كانت  هذه الحارة تضم عددًا من أهل الفقه والدين والمشايخ، وكان الشيخ محمد الجمل، رحمه الله، من بينهم. وما زالت آثار بعض البيوت موجودة، مثل دار يونس ودار الجمل ودار الشرع، كما اكتشفنا نحو ثلاثة عشر قبرًا في هذا المكان".

ولم يقتصر دور المقام على كونه مكانًا للعبادة، بل ارتبطت به مناسباتٌ دينيةٌ كان الأهالي يحيونها على مدار العام، وشكّلت جزءًا من الحياة الدينية والاجتماعية لأبناء الحارة، في إطارٍ من التصوف الذي ارتبط بالتفرغ للعبادة والذكر، دون أن يُنظر إليه حينها بوصفه تشددًا، وكان الناس يطلقون على المتصوفة اسم "الدراويش".

ويقول يونس "كانوا يتخصصون للعبادة، ونحن كنا نسميهم دراويش، ولم يكن الأمر تشددًا. وفي مناسبات المولد النبوي كانوا يقيمون موعظةً دينية، ويوزعون الحلوى، وأحيانًا يقيمون وليمة طعام على أرواح المتوفين، وكانت هناك قراءة للقرآن وذكر الله والتهليل والتسبيح والصلاة على النبي".

ولا تبدو حكاية هذا المقام منفصلة عن تاريخٍ أوسع للزوايا الصوفية في فلسطين، إذ تشير المصادر والسجلات التاريخية إلى انتشار مئات الزوايا والأربطة في مختلف أنحاء فلسطين التاريخية، من شمالها إلى جنوبها، وقد أُسست عبر العصور الأيوبية والمملوكية والعثمانية، قبل أن يتحول بعضها مع مرور الزمن إلى مساجد أو مراكز للتعليم.

يعود يونس بذاكرته إلى أيامٍ كان فيها المقام يحظى بعناية الأهالي، قبل أن تتراجع هذه العناية مع مرور السنوات، ويقول "كان الجيران قائمين على المكان، حيث كانوا ينظفونه كل يوم خميس، ويضعون البخور ويقرؤون القرآن، ويحافظون على ما تبقى من طقوس ارتبطت به، لكن منذ الانتفاضة الأولى عام 1987 وحتى اليوم، بدأ المكان يُهمل تدريجيًا، وأصبح في بعض الأحيان مكبًا للنفايات، ولم يعد هناك من يهتم به أو ينظفه إلا في مرات قليلة".

ويؤكد يونس أن الحفاظ على هذه المواقع لا يرتبط بالماضي وحده، بل يمثل حفاظًا على جزء من الذاكرة التي تختزنها الأماكن القديمة، ويتابع قائلًا "نأمل أن يأتي من يرعى هذه الأماكن، ويرممها، ويعيد إليها شيئًا من تاريخها القديم، حتى تبقى شاهدةً على ما عاشه الآباء والأجداد".

وقبل أن يغادر هشام يونس مقام الصوفيين، الذي رافق ذاكرته منذ الطفولة، يلقي نظرةً أخيرة عليه، لتبقى جدرانه الصامتة شاهدةً على زمنٍ كانت فيه الرايات الخضراء تملأ الحارة، وتتردد أصوات الذكر والقرآن في أرجائه، فيما ينتظر اليوم من يعيد إليه شيئًا من الحياة التي عرفها ذات يوم.

إعداد: جنى دروبي، نغم سمير