المجلس التشريعي الفلسطيني القادم.. بين استعادة الشرعية واختبار القدرة على بناء دولة المؤسسات

إعداد وتقرير: المحامي علي أبوحبلة

سبتمبر 30, 2026 - 10:08
المجلس التشريعي الفلسطيني القادم.. بين استعادة الشرعية واختبار القدرة على بناء دولة المؤسسات

المجلس التشريعي الفلسطيني القادم.. بين استعادة الشرعية واختبار القدرة على بناء دولة المؤسسات
إعداد وتقرير: المحامي علي أبوحبلة
تكتسب الانتخابات التشريعية الفلسطينية المقررة في 28 تشرين الثاني/نوفمبر 2026 أهمية تتجاوز مجرد إعادة تشكيل مؤسسة تشريعية غابت طويلاً عن المشهد. فالسؤال الحقيقي لا يتعلق فقط بمن سيدخل المجلس، وإنما أي مجلس تشريعي نريد، وما حدود اختصاصاته، وما المشروع الوطني الذي سيحمله، وهل سيكون قادراً على ممارسة صلاحياته باستقلالية وفاعلية؟
فالمجلس القادم سيعود إلى المشهد في ظروف سياسية وقانونية واقتصادية مختلفة، وبعد سنوات طويلة من تعطيل الحياة البرلمانية والانقسام السياسي، وفي ظل واقع الاحتلال واستمرار القيود على الأرض. ولذلك فإن إعادة الانتخابات ينبغي ألا تكون مجرد استعادة لمؤسسة دستورية، بل فرصة لإعادة بناء العلاقة بين الشرعية الانتخابية وسيادة القانون والمساءلة والدولة الفلسطينية.
المجلس التشريعي.. سلطة تشريعية ورقابية
يحدد القانون الأساسي الفلسطيني المجلس التشريعي باعتباره السلطة التشريعية المنتخبة، ويتولى مهامه التشريعية والرقابية. ومن أبرز وظائفه سن القوانين، ومناقشة الموازنة العامة، ومراقبة أداء الحكومة، وتوجيه الأسئلة والاستجوابات للوزراء، وتشكيل لجان تقصي الحقائق، وممارسة الأدوات الدستورية المتاحة تجاه السلطة التنفيذية.
وبالتالي فإن عضو المجلس التشريعي ليس موظفاً عاماً ولا وسيطاً للخدمات، وإنما نائب عن الشعب ومؤتمن على ممارسة الرقابة والتشريع والدفاع عن المصلحة العامة.
وهنا تبرز مسؤولية الناخب أيضاً في اختيار ممثلين يمتلكون الكفاءة والنزاهة والاستقلالية والقدرة على ممارسة الدور البرلماني، لا مجرد القدرة على خوض الانتخابات أو الحصول على الأصوات.
ماذا عن القرارات بقوانين التي صدرت في غياب المجلس؟
هذه ستكون من أهم الملفات التي ينبغي أن تكون على جدول أعمال المجلس منذ بداية ولايته.
فخلال سنوات غياب المجلس التشريعي صدرت قرارات بقوانين في مجالات متعددة. والقانون الأساسي نظم إصدار القرارات بقوانين في حالة الضرورة أثناء غياب المجلس، وربط استمرارها بعرضها على المجلس التشريعي في أول جلسة يعقدها.
وعليه، فإن عودة المجلس تفتح الباب أمام مراجعة تشريعية ودستورية شاملة للقرارات بقوانين التي صدرت خلال فترة غيابه.
ولا ينبغي أن تكون هذه المراجعة عملية تصفية سياسية، وإنما عملية قانونية مؤسسية تبحث في مدى توافق كل قرار بقانون مع القانون الأساسي، ومدى الحاجة إلى الإبقاء عليه أو تعديله أو إلغائه.
وهنا يستطيع المجلس أن يعيد ترتيب البيئة التشريعية الفلسطينية على قاعدة واضحة: لا تشريع فوق القانون الأساسي، ولا استمرار لتشريع لمجرد أنه صدر في مرحلة غياب المؤسسة التشريعية.
هل يستطيع المجلس اتخاذ قرار بالانفكاك الاقتصادي؟
ينبغي التمييز بين التشريع الاقتصادي وبين القرارات السياسية والسيادية المتعلقة بالعلاقة مع إسرائيل.
فالمجلس يستطيع إصدار قوانين تدعم الإنتاج الوطني، وتشجع الاستثمار، وتنظم التجارة، وتحمي المنتج الفلسطيني، وتدعم الزراعة والصناعة والطاقة، وتراقب أداء الحكومة في إدارة المال العام والسياسات الاقتصادية.
لكنه لا يستطيع، بقرار تشريعي منفرد، إنهاء منظومة اقتصادية واتفاقات دولية كانت منظمة التحرير الفلسطينية طرفاً فيها، ومن بينها الإطار الاقتصادي المرتبط باتفاق أوسلو وبروتوكول باريس.
وهذا لا يمنع المجلس من ممارسة دور سياسي ورقابي مهم عبر فتح ملف العلاقة الاقتصادية مع إسرائيل، ودراسة البدائل، ووضع التشريعات التي تعزز القدرة على تقليل الاعتماد الاقتصادي تدريجياً.
فالانفكاك الاقتصادي الحقيقي لا يتحقق بقرار سياسي منفرد، وإنما يحتاج إلى بنية إنتاجية ومالية وتجارية ومؤسساتية قادرة على تحمل تبعاته.
وهل يستطيع المجلس تعديل اتفاق أوسلو؟
هنا لا بد من التمييز بين الاختصاص التشريعي والاختصاص السياسي الاتفاقي.
المجلس التشريعي لم يكن الطرف الموقع على اتفاق أوسلو؛ منظمة التحرير الفلسطينية هي التي وقعت الاتفاقات ذات الصلة. ولذلك لا يستطيع المجلس وحده تعديل اتفاق دولي أو إنهاءه.
لكن المجلس يستطيع أن يمارس دوره الوطني عبر مراجعة قانونية وسياسية للآثار المترتبة على الاتفاقات، ومساءلة الحكومة عن كيفية تنفيذ الالتزامات، ومناقشة انعكاساتها على الحقوق الوطنية والاقتصاد والإدارة العامة والأمن والحياة اليومية للمواطنين.
وبذلك يصبح المجلس طرفاً فاعلاً في النقاش الوطني، من دون الخلط بين اختصاصاته الدستورية واختصاص المؤسسات الوطنية الأخرى.
من الحكم الذاتي المحدود إلى الدولة الفلسطينية
إن التحول من واقع السلطة الفلسطينية إلى تجسيد دولة فلسطين ليس قراراً تشريعياً منفرداً.
فقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 181 لعام 1947 كان قرار التقسيم، بينما القرار الذي منح فلسطين صفة دولة مراقب غير عضو هو قرار الجمعية العامة 67/19 الصادر في 29 تشرين الثاني/نوفمبر 2012. أما عام 2011 فشهد تقديم طلب فلسطين للحصول على العضوية الكاملة في الأمم المتحدة.
وقد أكد القرار 67/19 حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير والاستقلال وإقامة دولته على الأرض الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967.
ومن هنا فإن المجلس التشريعي يستطيع أن يكون جزءاً من عملية بناء مؤسسات الدولة، لكنه لا يحل محل منظمة التحرير الفلسطينية في الاختصاص التمثيلي والسياسي الوطني، ولا يحل محل المؤسسات المختصة في إدارة العلاقات الدولية.
المطلوب إذن ليس إعلاناً نظرياً جديداً، وإنما بناء مؤسسات دولة فعلية تحت الاحتلال، وتوحيد النظام القانوني، وترسيخ سيادة القانون، وربط المؤسسات الفلسطينية بمشروع الاستقلال الوطني.
مكافحة الفساد.. هل تتحول المساءلة إلى ممارسة حقيقية؟
من أهم الاختبارات التي ستواجه المجلس القادم ملف مكافحة الفساد.
هيئة مكافحة الفساد قائمة قانوناً، ولها اختصاصات محددة بموجب التشريعات النافذة، كما يخضع أعضاء المجلس التشريعي لأحكام التشريعات المتعلقة بمكافحة الفساد والإفصاح المالي.
لكن السؤال الذي يهم المواطن هو: هل ستكون المساءلة حقيقية أم ستظل في إطار الخطاب السياسي والإعلامي؟
التجربة السابقة أظهرت أن مجرد إثارة ملف أو عقد جلسة أو توجيه سؤال لا تكفي وحدها. المطلوب منظومة تبدأ من الاستجواب أو الشكوى، ثم التحقيق البرلماني، ثم تحديد المسؤولية، ثم إحالة ما يستوجب الإحالة إلى الجهات القضائية المختصة، ومتابعة النتائج.
فالمجلس ليس محكمة، ولا يجوز له أن يحل محل النيابة العامة أو القضاء، لكنه في المقابل يملك أدوات رقابية لا يجوز تعطيلها أو استخدامها بصورة انتقائية.
هل سيعيد المجلس إنتاج تجربة الماضي؟
هذا هو السؤال الأكثر حساسية.
لا يتعلق الأمر بتوجيه اتهامات إلى أشخاص أو كتل بعينها، وإنما باستخلاص الدروس من التجربة البرلمانية السابقة.
المواطن الفلسطيني لا يريد أن يرى ملفات تثار أمام وسائل الإعلام ثم تختفي دون نتائج معلنة، ولا يريد مساءلة تتحول إلى مواجهة سياسية مؤقتة، ولا يريد استخدام ملفات الفساد لتصفية الحسابات.
المطلوب مساءلة مؤسسية لا استعراضاً إعلامياً، ومحاسبة قانونية لا تشهيراً، وشفافية لا انتقائية.
ومن هنا ينبغي أن يضع المجلس منذ بداية ولايته آلية معلنة لمتابعة نتائج الاستجوابات ولجان تقصي الحقائق، بحيث لا ينتهي الملف بانتهاء الجلسة البرلمانية.
هل يتحصن المجلس باستقلاله؟
استقلال المجلس لا يعني أن يصبح سلطة فوق القانون، كما أن الحصانة البرلمانية لا تعني الحصانة من المسؤولية.
الحصانة وضعت لحماية النائب أثناء ممارسة وظيفته البرلمانية، وحماية حرية الرأي والتصويت والعمل النيابي، وليس لتوفير غطاء للمصالح الشخصية.
ولهذا ينبغي للمجلس القادم أن يضع مدونة سلوك برلمانية واضحة تنظم تضارب المصالح، والإفصاح المالي، والهدايا، والعلاقات التجارية، واستخدام المعلومات، والاستفادة من الصفة النيابية، وتضع قواعد تمنع استغلال الموقع لتحقيق منافع خاصة.
ماذا عن «VIP» و«BMC»؟
لا يمكن النظر إلى بطاقات وتسهيلات VIP وBMC باعتبارها مجرد امتيازات إدارية، لأنها ترتبط عملياً بحرية الحركة في ظل الاحتلال وبآليات المرور عبر الحواجز والمعابر.
وفي الوقت ذاته، فإن قبولها أو رفضها يجب ألا يتحول إلى معيار شعاراتي للحكم على وطنية نائب أو كتلة.
المطلوب من المجلس القادم وضع قواعد شفافة للتعامل مع هذه التسهيلات، ومنع استخدامها لتحقيق منافع شخصية، وربط أي تسهيلات بمتطلبات الوظيفة العامة، مع البحث عن بدائل مؤسسية تضمن قدرة النواب على أداء عملهم، خصوصاً في ظل تباعد جغرافيا الضفة وغزة والقدس والقيود المفروضة على الحركة.
أما القول إن أعضاء المجلس السابق تخلوا عنها جماعياً، فلا تدعمه الوقائع المعروفة؛ فقد شهدت مراحل سابقة قيام الجانب الإسرائيلي بسحب بطاقات أو تسهيلات من مسؤولين فلسطينيين، وهذا يختلف عن قرار فلسطيني طوعي وجماعي برفضها.
«نفعني وأنفعك».. هل تنتهي هذه الثقافة؟
أخطر ما يمكن أن يصيب أي مؤسسة منتخبة هو تحولها إلى مساحة للمصالح الشخصية أو تبادل المنافع.
ومن غير المنصف اتهام مرشح أو نائب مسبقاً بالفساد أو المنفعة الخاصة من دون دليل، لكن من حق المجتمع أن يطالب بضمانات تمنع تضارب المصالح قبل وقوعه.
فعضوية المجلس ليست مشروعاً شخصياً، ولا طريقاً للحصول على امتيازات، ولا وسيلة لتسوية المصالح.
النائب الذي يدخل المجلس يجب أن يدرك أن الناخب لم يمنحه تفويضاً للتصرف في المال العام أو النفوذ العام لمصلحته الخاصة، وإنما منحه تفويضاً بالتشريع والرقابة وخدمة المصلحة العامة.
هل ستكون قرارات المجلس نافذة ومحترمة؟
قوة المجلس لا تقاس بعدد القوانين التي يصدرها، وإنما بقدرته على ضمان احترامها وتنفيذها ضمن النظام الدستوري.
فالمجلس يشرع ويراقب، والحكومة تنفذ، والقضاء يفصل في النزاعات وفق القانون. وأي تجاوز لهذا الفصل يضعف النظام الدستوري بدلاً من تقويته.
ولذلك فإن تحصين قرارات المجلس لا يكون بالمواجهة مع المؤسسات الأخرى، وإنما بالالتزام بالدستور، ودقة الصياغة القانونية، واحترام الإجراءات، ونشر التشريعات وفق الأصول، ومراقبة التنفيذ، والاحتكام إلى القضاء عند نشوء أي خلاف حول الاختصاص أو المشروعية.
خمسة اختبارات أمام المجلس القادم
سيكون المجلس أمام مجموعة من الاختبارات التي ستحدد صورته ومستقبله:
أولاً: مراجعة القرارات بقوانين التي صدرت في غياب المجلس وفق معيار دستوري وقانوني واضح.
ثانياً: تفعيل الرقابة البرلمانية على الحكومة والموازنة والمال العام.
ثالثاً: دعم استقلالية مؤسسات مكافحة الفساد وتعزيز آليات المساءلة.
رابعاً: وضع قواعد صارمة للشفافية وتضارب المصالح والإفصاح المالي.
خامساً: ممارسة الدور التشريعي ضمن رؤية وطنية تسهم في بناء مؤسسات دولة فلسطين، دون تجاوز الاختصاصات الدستورية لمنظمة التحرير والمؤسسات الوطنية الأخرى.
الخلاصة: مجلس لإدارة الواقع أم لبناء المستقبل؟
المجلس التشريعي القادم أمام فرصة تاريخية لاستعادة الثقة بالمؤسسة البرلمانية الفلسطينية، لكن هذه الفرصة لن تتحقق بمجرد إجراء الانتخابات أو أداء القسم.
الاختبار الحقيقي يبدأ في اليوم التالي للانتخابات.
هل سيكون النائب مستقلاً في قراره؟
هل سيحاسب الحكومة عندما تقتضي المصلحة العامة؟
هل سيفتح ملفات المال العام دون انتقائية؟
هل سيخضع هو نفسه لقواعد النزاهة وتضارب المصالح؟
هل سيعيد للمواطن ثقته بأن البرلمان ليس مجرد منصة للخطابات؟
وهل يستطيع أن يضع أساساً تشريعياً لانتقال مؤسساتي من واقع السلطة المحدودة إلى مؤسسات دولة فلسطينية تحت الاحتلال؟
هذه الأسئلة لا تحتاج إلى شعارات، وإنما إلى ضمانات دستورية وتشريعية وممارسة عملية.
فالمطلوب ليس مجلساً يعيد إنتاج الماضي، ولا مجلساً يتحول إلى ساحة لتصفية الحسابات، وإنما مجلس تشريعي قوي ومستقل، يشرع ويراقب ويحاسب في إطار القانون، ويحترم القضاء، ويصون المال العام، ويضع المصلحة الوطنية فوق المصالح الشخصية والفئوية.
إن نجاح التجربة البرلمانية القادمة لن يقاس بعدد المقاعد أو أسماء الفائزين، بل بقدرة المجلس على الانتقال من المساءلة الشكلية إلى المساءلة الفعلية، ومن الامتياز الشخصي إلى المسؤولية العامة، ومن إدارة واقع الانقسام إلى بناء مؤسسات دولة القانون.
وفي النهاية، فإن الانتخابات ليست غاية بحد ذاتها؛ إنها وسيلة لإعادة بناء الشرعية والمؤسسات. وإذا أراد المجلس القادم أن يستعيد ثقة المواطن، فعليه أن يثبت منذ يومه الأول أن عضوية المجلس أمانة، والسلطة مسؤولية، والمال العام أمانة، والقانون فوق الجميع، والمصلحة الوطنية ليست قابلة للمساومة.