مركزية فتح وأولوية بناء استراتيجية وطنية في مواجهة المرحلة الأخطر

بقلم: المحامي علي أبو حبلة

أغسطس 22, 2026 - 09:24
مركزية فتح وأولوية بناء استراتيجية وطنية في مواجهة المرحلة الأخطر

مركزية فتح وأولوية بناء استراتيجية وطنية في مواجهة المرحلة الأخطر
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
في ظل التحولات المتسارعة التي تشهدها الساحة الفلسطينية، وما يرافقها من حرب على قطاع غزة، وتصعيد إسرائيلي متواصل في الضفة الغربية والقدس، واستيطان ومصادرة للأراضي وتهجير للسكان، يكتسب بيان اللجنة المركزية لحركة فتح أهمية خاصة، ليس فقط بما تضمنه من مواقف، وإنما أيضاً بما يثيره من أسئلة حول ترتيب الأولويات الوطنية في هذه المرحلة المفصلية.
فالاستعداد للانتخابات حق سياسي وديمقراطي، ومن الطبيعي أن تستعد حركة فتح، كما سائر القوى السياسية، للاستحقاقات الانتخابية. لكن الانتخابات لا يمكن أن تكون بديلاً عن بناء استراتيجية وطنية شاملة، ولا ينبغي أن تتقدم الاعتبارات التنظيمية على القضايا التي تمس مباشرة مستقبل الشعب الفلسطيني وأرضه وحقوقه الوطنية.
ومن هنا، فإن السؤال الذي يطرح نفسه ليس لماذا تستعد فتح للانتخابات، وإنما: هل يجري هذا الاستعداد في إطار استراتيجية وطنية متكاملة وشراكة سياسية تعددية، أم أنه يتحول إلى أولوية منفصلة عن التحديات المصيرية التي تواجه الفلسطينيين؟
كان يفترض، في تقديري، أن تتصدر جدول أعمال اللجنة المركزية قراءة استراتيجية لما يجري على الأرض، وأن تتم مناقشة خطة وطنية متكاملة لمواجهة المخاطر المتصاعدة، بما في ذلك ما تشهده قرى وبلدات مثل قصرة وكفر صور، ومسافر يطا وسوسيا، والأغوار، وطوباس وعرابة، إلى جانب التوسع الاستيطاني ومصادرة الأراضي والمخططات الإسرائيلية الهادفة إلى تغيير الواقع الجغرافي والديموغرافي في الضفة الغربية.
وتكتسب مناطق E1 أهمية خاصة في هذا السياق، نظراً لموقعها الجغرافي الحساس وما يمكن أن يترتب على مشاريع الاستيطان والتوسع فيها من تداعيات على التواصل الجغرافي بين شمال الضفة وجنوبها، وعلى مستقبل أي تسوية سياسية تقوم على أساس حل الدولتين.
كما لا يجوز فصل هذه التطورات عن ما يجري في القدس ومحيطها، وفي مخيم قلنديا، حيث تتقاطع إجراءات الاحتلال الأمنية والاستيطانية مع محاولات إعادة تشكيل الواقع السكاني والجغرافي والسياسي للمدينة ومحيطها.
إن التعامل مع هذه الملفات لا ينبغي أن يقتصر على بيانات الإدانة والاستنكار، مهما كانت أهميتها السياسية والإعلامية، وإنما يتطلب خطة استراتيجية متعددة المسارات: قانونية، وسياسية، ودبلوماسية، وإعلامية، واقتصادية، وشعبية.
فعلى المستوى القانوني، ينبغي تفعيل كل الإمكانات المتاحة أمام المؤسسات والمحاكم والهيئات الدولية، وتوثيق الانتهاكات ومصادرة الأراضي والتهجير والاستيطان بصورة منهجية، وربط الملفات الميدانية بالمسار القانوني الدولي، بما يعزز الموقف الفلسطيني ويحول دون طي هذه القضايا بمرور الوقت.
وعلى المستوى الدبلوماسي، المطلوب تحرك فلسطيني منظم على المستويات العربية والإقليمية والدولية، وليس تحركات موسمية مرتبطة بتطورات الأحداث. فالمرحلة تتطلب تعبئة الموقف العربي، وتفعيل العلاقات مع الدول الأوروبية والدول المؤثرة، والعمل داخل الأمم المتحدة ومؤسساتها، وبناء شبكة سياسية وقانونية واسعة لمواجهة سياسات الضم الفعلي والاستيطان والتهجير.
أما داخلياً، فإن الأولوية الأكثر إلحاحاً تتمثل في بناء شراكة سياسية تعددية. فلا يمكن مواجهة مشروع استيطاني متكامل بسياسة فلسطينية مجزأة. ولا يمكن أن تنجح أي استراتيجية وطنية من دون مشاركة القوى السياسية والمجتمعية والنقابات والجامعات والفعاليات الشعبية ومؤسسات المجتمع المدني، ضمن إطار وطني جامع.
وهنا تبرز مسؤولية حركة فتح بصورة خاصة، بحكم موقعها التاريخي والسياسي وموقعها في منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية. فالمطلوب ليس فقط توحيد الصف الفتحاوي استعداداً للانتخابات، وإنما العمل على توحيد الصف الوطني الفلسطيني، وفتح المجال أمام شراكة سياسية حقيقية، بحيث تصبح الانتخابات وسيلة لإعادة بناء النظام السياسي وتجديد شرعيته، لا مجرد منافسة بين قوائم وفصائل.
ولا تقل خطورة عن الاستيطان والتهجير أزمة الوضع الاقتصادي والاجتماعي. فارتفاع معدلات البطالة والفقر، وتراجع القدرة الشرائية، وتفاقم الأعباء المعيشية، والأزمة المالية التي تعانيها المؤسسات الفلسطينية، كلها عوامل تضغط على المجتمع وتضعف قدرته على الصمود.
والصمود ليس شعاراً سياسياً؛ إنه يحتاج إلى سياسات اقتصادية واجتماعية واضحة تحمي الفئات الأكثر تضرراً، وتدعم القطاعات الإنتاجية، وتعزز قدرة المواطنين على البقاء في أرضهم، خصوصاً في المناطق المستهدفة بالاستيطان والتهجير.
ومن هنا، فإن أي اجتماع قيادي فلسطيني في هذه المرحلة يفترض أن ينظر إلى المشهد باعتباره منظومة مترابطة: غزة والضفة والقدس، الاستيطان ومصادرة الأراضي، التهجير، الاقتصاد، الأمن المجتمعي، العلاقات الدولية، والانقسام السياسي. وكل ملف من هذه الملفات يؤثر في الآخر.
إن المطلوب اليوم الانتقال من سياسة رد الفعل إلى سياسة المبادرة والتخطيط الاستراتيجي. المطلوب غرفة قرار وطنية قادرة على جمع المعلومات وتحليلها، وتحديد الأولويات، ووضع سيناريوهات للتعامل مع التطورات، وتوزيع الأدوار بين المؤسسات الرسمية والقوى السياسية والدبلوماسية الفلسطينية.
كما أن الانتخابات المقبلة ينبغي أن تكون جزءاً من هذه العملية الإصلاحية. فالانتخابات الحرة والنزيهة والشفافة يمكن أن تشكل مدخلاً لإعادة بناء الثقة وتجديد الشرعيات وتفعيل المؤسسات، شرط أن تسبقها أو ترافقها تفاهمات وطنية تضمن الشراكة السياسية، وتحول دون إعادة إنتاج الانقسام بصيغ جديدة.
إن فلسطين تقف أمام مرحلة لا تحتمل إدارة الملفات بصورة منفصلة. الاحتلال يتعامل مع الأرض الفلسطينية باعتبارها ساحة واحدة، والاستيطان يتحرك وفق استراتيجية مترابطة، بينما المطلوب فلسطينياً هو استراتيجية وطنية مقابلة، تستند إلى وحدة الموقف وتعددية المشاركة وقوة القانون والدبلوماسية.
لذلك، فإن أهمية بيان اللجنة المركزية لحركة فتح لا ينبغي أن تقاس فقط بما تضمنه من مواقف، بل بما يمكن أن يفتح عليه من نقاش وطني أوسع: كيف نبني استراتيجية فلسطينية قادرة على حماية الأرض، وتعزيز صمود الإنسان، ومواجهة الاستيطان والتهجير، وإعادة بناء النظام السياسي على قاعدة الشراكة والتعددية؟
المرحلة تحتاج إلى أكثر من الاستعداد للانتخابات؛ تحتاج إلى استعداد وطني شامل.
فالمطلوب أن تكون الانتخابات بداية لإعادة ترتيب البيت الفلسطيني، لا نهاية التفكير السياسي؛ وأن تكون الشراكة الوطنية قاعدة للعمل، لا شعاراً؛ وأن تتحول البيانات إلى خطط، والخطط إلى إجراءات، والإجراءات إلى نتائج ملموسة تحمي الإنسان والأرض والحقوق الوطنية.
وفي المحصلة، فإن السؤال الذي ينبغي أن يتقدم كل الحسابات التنظيمية هو: كيف نحمي فلسطين اليوم، وكيف نبني نظاماً سياسياً قادراً على حماية مستقبلها غداً؟
وهذا هو الاختبار الحقيقي أمام القيادة الفلسطينية وحركة فتح وجميع القوى السياسية: الانتقال من إدارة الأزمات إلى صناعة الاستراتيجية، ومن التنافس التنظيمي إلى الشراكة الوطنية، ومن رد الفعل إلى المبادرة، بما ينسجم مع حجم التحديات التي تواجه القضية الفلسطينية ومستقبلها.
المحامي علي أبو حبلة