نجاح التشدد السياسي يحمل في طياته بذور أزمته

أكتوبر 5, 2026 - 17:55
نجاح التشدد السياسي يحمل في طياته بذور أزمته

د. إبراهيم نعيرات

لم تُبنَ إسرائيل في بدايتها كدولة يحكمها التشدد الديني. كانت الصهيونية المؤسسة، وخصوصاً تيارها العمالي، حركة قومية حديثة قادتها نخب يغلب عليها الطابع العلماني، ورأت في إقامة الدولة مشروعاً تاريخياً يقوم على العودة، وبناء المؤسسات، والدفاع عنها وتثبيت وجودها. ومن هذه التجربة تشكلت شرعية التأسيس: ذاكرة جماعية، وتضحيات، ومشروع دولة جرى بناؤه بالفعل.

لكن الدول لا تعيش إلى الأبد على الشرعية التي أنشأتها. فالأجيال التي ولدت داخل الدولة لم تعش تجربة التأسيس، وإن بقيت ذاكرتها حاضرة. ومع مرور الزمن يتغير معنى الدولة بالنسبة إلى مواطنيها؛ فلا تعود المسألة فقط كيف نشأت، بل ماذا تقدم لهم اليوم، وما المستقبل الذي تستطيع أن تعدهم به.

وهنا يظهر الفرق بين شرعية التأسيس وشرعية الاستمرار. الأولى تستند إلى التاريخ والذاكرة والتضحيات، أما الثانية فتحتاج إلى قدرة مستمرة على إنتاج معنى مشترك تستطيع أجيال ومكونات اجتماعية مختلفة أن تجد نفسها فيه. فالهوية السياسية لا تبقى حية لأنها تأسست مرة، وإنما لأنها تستطيع إعادة إنتاج نفسها في الحاضر والمستقبل.

في هذا التحول، صعد التشدد الديني القومي من داخل المشروع الصهيوني نفسه، لا من خارجه. أعاد تفسير الأرض والسيادة والتاريخ بلغة دينية أكثر حدة، وقدم نفسه بوصفه التعبير الأكثر التزاماً بالصهيونية. وهذه كانت إحدى نقاط قوته: لم يحتج إلى هدم الرواية القومية القائمة، بل استطاع إعادة تفسيرها من داخلها.

لكن المجتمع الإسرائيلي لم يتحول إلى كتلة واحدة. فما زالت داخله تيارات علمانية ودينية وقومية وحريدية، وفوارق بين الأجيال والطبقات والمصالح وأنماط الحياة. لذلك فإن صعود تيار سياسي إلى موقع القوة لا يعني أن تعريفه الخاص للدولة أصبح تعريف المجتمع كله.

وهنا تبدأ المفارقة. يكون التشدد قوياً عندما يمنح جماعته معنى واضحاً وحدوداً صلبة وأهدافاً كبيرة، لكنه يدخل مرحلة أكثر تعقيداً عندما يحاول تحويل هذا المعنى الخاص إلى المعنى العام للدولة. فالانتقال من المعارضة إلى الحكم يغير قواعد اللعبة. في المعارضة يمكن رفع السقف وتعبئة الجمهور حول الوعود، أما في الحكم فتظهر مسؤوليات الاقتصاد والأمن والقانون والتعليم والعلاقات الخارجية وإدارة مجتمع متعدد المصالح.

ولا يتوقف التناقض عند حدود إدارة الدولة، بل يظهر داخل التيار نفسه. فالحكم يضع أصحاب المشروع أمام خيارين متعارضين: الحفاظ على السقف الأيديولوجي الذي صنع قوتهم، أو التعامل مع حدود الواقع وإثبات قدرتهم على الحكم. ومن هنا يمكن أن تنشأ توترات بين من يريدون استمرار التعبئة ومن يضطرون إلى البراغماتية، لأن ما كان يجمع التيار في المعارضة قد يصبح في الحكم موضع خلاف.

ومع الوقت تنتقل شرعية السياسة من الذاكرة إلى الأداء. الأجيال الجديدة لا تعيش تجربة التأسيس، بل تعيش نتائج الخيارات السياسية. وما كان مقنعاً بوصفه وعداً تاريخياً يحتاج، عندما يصبح سلطة، إلى أن يتحول إلى قدرة على إنتاج مستقبل قابل للحياة.

وتزداد هذه المفارقة في أوقات الحرب والأزمات. فالتشدد يستطيع في لحظات الخوف والعنف أن يحشد جمهوراً واسعاً ويرفع سقف الأهداف السياسية. ومن هنا لم تعد بعض الطروحات المتعلقة بالتوسع الاستيطاني وضم أجزاء من الضفة الغربية مجرد شعارات انتخابية، بل ظهرت في سياسات وخطط فعلية. وذهبت بعض التيارات أبعد من ذلك في طرح أفكار تتعلق بإزاحة الفلسطينيين أو تقليص وجودهم، باعتبار ذلك جزءاً من رؤيتها للمستقبل.

لكن رفع سقف الأهداف يرفع معه سقف التوقعات. فالنجاح السياسي لا يمنح التشدد السلطة فقط، بل يجعله مسؤولاً أمام جمهوره عن تحقيق ما وعد به. وما كان يمكن تفسير عدم تحقيقه في المعارضة بوجود قوى تعرقل المشروع، يصبح في الحكم نتيجة تُنسب إليه مباشرة.

وهنا يمكن أن يصنع التشدد جزءاً من أزمته بيديه. فكلما اتسعت الوعود، ضاقت مساحة المناورة أمام السلطة. وإذا اتسعت المسافة بين ما تعد به وما تستطيع إنجازه، تبدأ الفجوة بين الخطاب والواقع بالظهور. فالنجاح الذي يرفع التشدد إلى السلطة قد يكون هو نفسه الذي يحرمه لاحقاً من الحجة التي كانت تحميه في المعارضة.

لكن هذا المسار لا يقود بالضرورة إلى الاعتدال. فقد تستخدم التيارات المتشددة وجودها في السلطة لتغيير مؤسسات الدولة نفسها، وتوسيع حضورها داخلها، وإعادة تعريف بعض أولوياتها وقواعد عملها. وفي الحالة الإسرائيلية، أظهرت التجربة كيف يمكن للقوة الأيديولوجية المنظمة أن تتغلغل في مؤسسات الدولة وتستخدم أدواتها لتحقيق أهدافها. وهنا يصبح نجاح التشدد أكثر تعقيداً: فهو قد يواجه حدود الحكم، لكنه في الوقت نفسه قد ينجح في تغيير الدولة بما يتناسب مع رؤيته.

من هنا لا تكون المسألة ببساطة بين التشدد والاعتدال، وإنما بين قدرة التشدد على تحويل انتصاره السياسي إلى واقع مستقر، وبين اصطدام أهدافه المتزايدة بحدود المجتمع والدولة والاقتصاد والعلاقات الخارجية.

ومن هنا يمكن أن يظهر ما يشبه النزول عن الشجرة. ليس بمعنى التخلي المفاجئ عن الأيديولوجيا أو الهوية، وإنما بمعنى اضطرار السياسة إلى التمييز بين ما يمكن الرغبة فيه وما يمكن تحقيقه، وبين الهدف الأقصى والنتيجة الممكنة. فالأيديولوجيا تستطيع أن تعيش طويلاً على الوعد، لكنها تواجه امتحاناً مختلفاً عندما تصبح مسؤولة عن النتيجة.

وتزداد الكلفة عندما تتحول السياسة المتشددة إلى عبء خارجي متراكم. فالتوسع الاستيطاني وخطط الضم والمواقف الأكثر تشدداً تجاه الفلسطينيين قد تمنح التيارات المتشددة مكاسب داخلية، لكنها تضيق في المقابل مساحة الحركة الدولية لإسرائيل وتزيد من كلفتها السياسية. وقد أظهرت استطلاعات حديثة في عشرات الدول تراجعاً واضحاً في النظرة الإيجابية إلى إسرائيل، بما في ذلك داخل الولايات المتحدة. وهذه ليست وحدها عاملاً حاسماً، لكنها تصبح جزءاً من كلفة تراكمية يصعب تجاهلها.

لذلك قد لا يأتي مأزق التشدد من هزيمة أفكاره، بل من استنفاد مخزونه من الوعود. فحين تصبح الأهداف القصوى غير قابلة للتحقق بالصورة التي وُعد بها الجمهور، يبدأ النجاح السياسي نفسه في التحول إلى عبء؛ لأن كل وعد كبير يصبح معياراً للحكم، وكل سقف مرتفع يخلق احتمالاً أكبر للفجوة بين التوقع والنتيجة.

وقد لا تكون النتيجة عودة بسيطة إلى الصهيونية العلمانية التي سبقت صعود التشدد، بل إعادة ترتيب أعمق للعلاقة بين الذاكرة والمستقبل، وبين هوية جماعة معينة والمعنى المشترك للدولة. فالهوية التي تعجز عن تجديد نفسها تتحول تدريجياً إلى ملكية جماعة، والجماعة التي تحاول أن تجعل رؤيتها الخاصة تعريفاً وحيداً للدولة تواجه صعوبة إدارة مجتمع لا يعيش على معنى واحد.

لهذا قد يبلغ التشدد ذروة قوته السياسية في اللحظة التي يبدأ فيها استنفاد قدرته على تحقيق ما وعد به. فالأزمات والحروب تمنحه قدرة أكبر على التعبئة، والنجاح الانتخابي يتيح له رفع سقف الأهداف، والوصول إلى السلطة يمنحه فرصة اختبار أفكاره في الواقع. لكن الواقع يضع في النهاية حداً للفارق بين الوعد والإمكان.

وعندها لا يعود التحدي هو كيفية الصعود أكثر، بل كيفية النزول عن الشجرة من دون أن يفقد المعنى الذي صعد به إليها.