الاستحقاقات الوطنية المقبلة وإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني: قراءة استراتيجية شاملة في المآلات والتحديات

المحامي علي أبو حبلة

فبراير 3, 2026 - 14:55
الاستحقاقات الوطنية المقبلة وإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني: قراءة استراتيجية شاملة في المآلات والتحديات

الاستحقاقات الوطنية المقبلة وإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني: قراءة استراتيجية شاملة في المآلات والتحديات
مقدمة
تأتي المراسيم الرئاسية الأخيرة، المتصلة بالدعوة إلى انتخاب المجلس الوطني الفلسطيني في الأول من تشرين الثاني/نوفمبر 2026، وتحديد موعد المؤتمر العام الثامن لحركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح" في الرابع عشر من أيار/مايو 2026، إلى جانب قرار مجلس الوزراء المتعلق بإجراء انتخابات الهيئات المحلية في الخامس والعشرين من نيسان/أبريل 2026، في سياق سياسي ووطني بالغ التعقيد.
ولا يمكن قراءة هذه الاستحقاقات بمعزل عن حالة التحدي الوجودي التي تواجه القضية الفلسطينية، في ظل استمرار الاحتلال، وتآكل الشرعيات، والانقسام الداخلي، والتحولات الإقليمية والدولية المتسارعة.
إن هذه المحطات تشكّل، بمجموعها، اختبارًا حقيقيًا لقدرة النظام السياسي الفلسطيني على الانتقال من إدارة الأزمة إلى إعادة بناء المشروعية الوطنية على أسس ديمقراطية وقانونية شاملة.
أولًا: انتخابات المجلس الوطني وتجديد الشرعية التمثيلية
يمثّل المجلس الوطني الفلسطيني الركيزة الدستورية والسياسية لمنظمة التحرير الفلسطينية، باعتباره أعلى سلطة تمثيلية للشعب الفلسطيني في الوطن والشتات. ومن هنا، فإن الدعوة إلى انتخابه وفق نظام التمثيل النسبي الكامل، وبما يضمن أوسع مشاركة ممكنة، تحمل أبعادًا سياسية وقانونية عميقة، أبرزها:
إعادة الاعتبار لمبدأ الشراكة الوطنية.
ضمان عدالة التمثيل لمكونات الشعب الفلسطيني كافة، بما في ذلك المرأة والشباب والتجمعات الفلسطينية في الخارج.
تجديد الشرعية التمثيلية لمؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية.
غير أن نجاح هذا الاستحقاق يبقى مرهونًا بتوفير بيئة قانونية وتنظيمية نزيهة، وبقدرة لجنة الانتخابات المركزية على الإشراف المستقل والمهني، إضافة إلى مواجهة التحديات العملية التي يفرضها الاحتلال، لا سيما في القدس المحتلة، وفي حرية الحركة والتنظيم.
ثانيًا: منظمة التحرير الفلسطينية بين الإصلاح واستعادة الدور
تضع انتخابات المجلس الوطني منظمة التحرير الفلسطينية أمام لحظة مفصلية، إما أن تشكل مدخلًا حقيقيًا لإصلاح بنيتها وتجديد أدوارها، أو أن تتحول إلى إجراء شكلي لا يمس جوهر الأزمة.
فإعادة بناء المنظمة تتطلب:
تفعيل دور المجلس الوطني كمصدر فعلي للقرار والرقابة.
إعادة تنظيم العلاقة بين مؤسسات المنظمة والسلطة الوطنية.
تحديث آليات صنع القرار بما يعكس التعددية السياسية والاجتماعية الفلسطينية.
كما أن تجديد شرعية منظمة التحرير يعزز مكانتها التمثيلية أمام المجتمع الدولي، ويقوي موقعها القانوني والسياسي في الدفاع عن الحقوق الوطنية الفلسطينية غير القابلة للتصرف.
ثالثًا: انعكاسات الاستحقاقات على مستقبل القضية الفلسطينية
على الصعيد الخارجي، تحمل هذه الاستحقاقات رسائل سياسية وقانونية مهمة، تؤكد تمسك الشعب الفلسطيني بحقه في تقرير مصيره، وبناء مؤسساته الوطنية، رغم سياسات الإقصاء والتهميش.
كما أن إعادة إنتاج شرعية وطنية منتخبة تعزز القدرة الفلسطينية على:
مواجهة محاولات تصفية القضية أو اختزالها في أبعاد إنسانية.
توحيد الخطاب السياسي والقانوني في المحافل الدولية.
إعادة الاعتبار للقضية الفلسطينية كقضية تحرر وطني وفق القانون الدولي.
رابعًا: مستقبل القوى والفصائل الفلسطينية
تشكل هذه المرحلة اختبارًا جديًا لمستقبل القوى والفصائل الفلسطينية، حيث تفرض الانتقال من منطق الاصطفاف والمحاصصة إلى منطق البرامج السياسية والتنافس الديمقراطي.
فالفصائل مدعوة اليوم إلى:
مراجعة أدوارها ووظائفها السياسية والتنظيمية.
الانخراط في مشروع وطني جامع.
تجديد قياداتها وخطابها بما يستجيب لتطلعات المجتمع الفلسطيني، لا سيما فئة الشباب.
إن نجاح هذا التحول من شأنه أن يعيد الاعتبار للحياة السياسية الفلسطينية، بينما سيؤدي استمرار الجمود إلى مزيد من التآكل في الثقة الشعبية.
خامسًا: مؤتمر حركة "فتح" بين البعد التنظيمي والدور الوطني
يأتي المؤتمر العام الثامن لحركة "فتح" في لحظة دقيقة، تتطلب مراجعة شاملة للتجربة التنظيمية والسياسية للحركة، بوصفها مكونًا مركزيًا في النظام السياسي الفلسطيني.
ويمثل المؤتمر فرصة لإعادة:
بناء الثقة الداخلية.
تجديد البرنامج السياسي والتنظيمي.
مواءمة دور الحركة مع متطلبات المرحلة المقبلة.
فنجاح المؤتمر في إحداث إصلاح داخلي حقيقي سينعكس إيجابًا على مجمل المشهد الوطني، فيما سيؤدي إخفاقه إلى تعميق حالة الانكفاء السياسي.
سادسًا: الانتخابات المحلية كرافعة للحكم الرشيد
تكتسب انتخابات الهيئات المحلية أهمية خاصة، باعتبارها الأساس لتعزيز الديمقراطية القاعدية، وتحسين جودة الخدمات، وترسيخ مبادئ الشفافية والمساءلة.
غير أن هذا الدور يتطلب تحييد العمل البلدي عن الصراعات السياسية، وضمان أن تكون البلديات أداة لخدمة المواطن، لا ساحة لتصفية الحسابات الفصائلية.
سابعًا: التحديات والرهانات المستقبلية
تواجه هذه الاستحقاقات جملة من التحديات البنيوية، أبرزها:
الاحتلال الإسرائيلي وقيوده الممنهجة.
الانقسام السياسي والجغرافي.
ضعف الثقة الشعبية بالمؤسسات.
تعقيدات تنظيم الانتخابات في الشتات.
وفي المقابل، فإن الرهان الحقيقي يكمن في تحويل هذه الاستحقاقات إلى مسار إصلاحي تراكمي، يعيد بناء النظام السياسي الفلسطيني على أسس قانونية وديمقراطية راسخة.
خاتمة
تشكل الاستحقاقات الوطنية المقبلة فرصة استراتيجية لإعادة صياغة المستقبل الفلسطيني، عبر تجديد الشرعيات، وإصلاح منظمة التحرير الفلسطينية، وإعادة ضبط أدوار القوى السياسية ضمن إطار وطني جامع.
غير أن نجاح هذا المسار يتطلب إرادة سياسية صادقة، وحوارًا وطنيًا شاملًا، والتزامًا صارمًا بسيادة القانون، بعيدًا عن الحسابات الضيقة والمرحلية.
فالمستقبل الفلسطيني لا يُبنى بالمراسيم وحدها، بل بإرادة وطنية جامعة، ومؤسسات فاعلة، وثقافة ديمقراطية قادرة على الصمود، وصون الحقوق الوطنية في مواجهة التحديات الوجودية.
✍️ المحامي علي أبو حبلة
باحث في القانون الدولي
رئيس تحرير صحيفة صوت العروبة