السعودية وإدارة النظام الإقليمي: من الرد إلى صياغة استراتيجية عربية شاملة
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
السعودية وإدارة النظام الإقليمي: من الرد إلى صياغة استراتيجية عربية شاملة
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
الموقف السعودي الراهن من أي عمل عسكري محتمل ضد إيران يمثل تحولًا جوهريًا في فلسفة الدولة العربية المركزية، ومنهجية واضحة لإدارة النظام الإقليمي. لم يعد القرار مجرد رد فعل على الأحداث، بل أصبح أداة لإعادة ضبط موازين القوة وتحويل الفعل العربي إلى قوة ضابطة تضمن الأمن والاستقرار بعيدًا عن منطق الرد على التهديد التقليدي.
التحول في مفهوم القوة والأمن
السعودية أعادت تعريف القوة ليس بعدد الصواريخ أو الترسانات، بل بالقدرة على:
منع اندلاع الصراع قبل وقوعه
التحكم بإيقاعه إن وقع
حصر كلفته السياسية والاقتصادية والاجتماعية
هذا التحول يعكس استراتيجية قائمة على المؤسسات، وضبط الممرات الحيوية للطاقة والتجارة، والحفاظ على الاستقرار الاجتماعي الداخلي والخارجي، بدلًا من الاعتماد على حماية خارجية أو إدارة الفوضى.
إيران بين الاستنزاف الاستراتيجي والردع الذكي
رغم استمرار قدرات إيران العسكرية، فإن استنزافها الاستراتيجي بات واضحًا:
أزمات اقتصادية متفاقمة
تراجع فاعلية الأذرع الأيديولوجية
انكشاف كلفة التمدد الإقليمي
الموقف السعودي أدار الصراع بهدوء، ورفض الانجرار إلى مواجهة مفتوحة، مانحًا رسائل واضحة عن القدرة على ضبط سقف أي تصعيد.
السعودية كـ “ضابط إيقاع” إقليمي
امتناع المملكة عن السماح باستخدام أراضيها لأي عمل عسكري ضد إيران يعكس ممارسة سيادية متقدمة، ويحوّلها من طرف في الصراع إلى حارس ميزان، قادر على:
التحكم بالمجال الجوي والممرات البحرية
ضبط تدفق الطاقة والتجارة
تحديد سقف الاشتباك دون الانخراط المباشر
بهذا المنطق، أصبحت السعودية مانح ضمانات للأمن والاستقرار الإقليمي، لا مجرد باحث عن الحماية.
الرسائل المزدوجة للخارج
القرار السعودي يحمل دلالات واضحة:
إلى واشنطن: لم يعد الخليج منصة ضغط مجانية؛ الدول العربية شريك فاعل بشروطها.
إلى تل أبيب: أي تصعيد ضد إيران أو استخدام حروب الظل لا يمكن تمريره عبر العمق العربي دون موافقة سياسية.
التوسع الإسرائيلي وتداعياته القانونية والاستراتيجية
في الإطار العربي الجديد، لا يمكن فصل التوسع الإسرائيلي عن التحولات الإقليمية. التوسع الإسرائيلي يشكل تحديًا قانونيًا واستراتيجيًا:
الأبعاد القانونية: مخالفة قرارات الأمم المتحدة وميثاق روما، وانتهاك حقوق الشعب الفلسطيني في الأرض والسيادة الوطنية.
التداعيات الاستراتيجية: تعميق العزلة الإقليمية، وإضعاف فرص السلام، واستثمار إيران للفوضى كأداة نفوذ.
الرد العربي المطلوب:
موقف عربي موحد يربط الاستقرار الإقليمي بإنهاء الاحتلال.
استخدام أدوات الضبط التي توفرها الدول المركزية (السعودية، مصر، الأردن) للضغط على إسرائيل، بما في ذلك العقوبات الدبلوماسية والسياسية.
دعم المفاوضات الدولية لتطبيق القرارات القانونية وحماية الحقوق الوطنية الفلسطينية.
استنتاجات استراتيجية
القدرة العربية على ضبط النظام الإقليمي انتقلت من الردع العسكري إلى الضبط المؤسسي.
إيران مستنزفة استراتيجيًا، ما يتيح للقيادة العربية إعادة بناء موقف مستقل وفعّال.
التوسع الإسرائيلي يشكل تهديدًا مباشرًا للقانون الدولي والاستقرار الإقليمي.
القضية الفلسطينية تعود لتكون معيارًا للأمن والاستقرار، وليس ملفًا مؤجلًا.
الدور المركزي العربي بقيادة السعودية قادر على ضبط أي أزمة قبل تحولها إلى صراع إقليمي مفتوح.
توصيات لتفعيل موقف عربي استراتيجي
تشكيل هيئة عربية لمراقبة الانتهاكات الإسرائيلية وتنفيذ آليات الضغط السياسي والدبلوماسي.
صياغة استراتيجية عربية متكاملة للأمن القومي تربط الاستقرار الإقليمي بالحقوق الفلسطينية.
تعزيز التعاون الاقتصادي والسياسي العربي لمواجهة أي محاولات لفرض وقائع أحادية على الأرض.
توظيف الأدوات السياسية والاقتصادية للضغط على الأطراف الدولية لضمان الالتزام بالقانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة.
الخلاصة
السعودية، بخطوة التحول من الرد إلى إدارة التاريخ، أعادت رسم خريطة القوة في الشرق الأوسط. الإقليم لم يعد مجرد ساحة نزاع، بل غرفة تحكم عربية قادرة على ضبط إيقاع الصراع دون الانخراط المباشر. وفي هذا السياق، يمكن للدول العربية تحويل قضية فلسطين من ملف تابع إلى معيار رئيسي لاستقرار المنطقة، وإطار لتفعيل موقف عربي استراتيجي مستقل وفاعل.



