حرية النقد وحدود المسؤولية: قراءة قانونية في انتقادات أعضاء المجالس البلدية قبيل انتهاء ولايتها

بقلم المحامي علي ابوحبله

فبراير 2, 2026 - 17:30
حرية النقد وحدود المسؤولية: قراءة قانونية في انتقادات أعضاء المجالس البلدية قبيل انتهاء ولايتها

حرية النقد وحدود المسؤولية: قراءة قانونية في انتقادات أعضاء المجالس البلدية قبيل انتهاء ولايتها

بقلم المحامي علي ابوحبله 
باحث قانوني وسياسي/ رئيس تحرير صحيفة صوت العروبه 

مع اقتراب انتهاء ولاية المجالس البلدية، يبرز في المشهد العام خطاب نقدي حاد يصدر أحيانًا عن بعض أعضاء هذه المجالس، ولا سيما من يُحسبون على المعارضة. ورغم أن هذا الخطاب قد يُقدَّم للرأي العام باعتباره ممارسة ديمقراطية مشروعة، إلا أنه يثير تساؤلات قانونية وأخلاقية جوهرية تتعلق بتوقيت النقد، وحدود المشروعية القانونية، ومدى انسجامه مع مبدأي المسؤولية العامة وسيادة القانون.
من حيث الأصل، يتمتع عضو المجلس البلدي بحق إبداء الرأي وممارسة الرقابة على أداء المجلس والسلطة التنفيذية المحلية، وهو حق مستمد من جوهر التمثيل الشعبي ومن القواعد العامة التي تحكم عمل الهيئات المحلية. غير أن هذا الحق، وفقًا لمبادئ القانون الإداري وقوانين الحكم المحلي، ليس حقًا مطلقًا، بل تحكمه ضوابط واضحة تهدف إلى حماية المصلحة العامة، وصون كرامة الأشخاص، والحفاظ على هيبة المؤسسات العامة.
ويُجمع الفقه القانوني على التمييز بين النقد المشروع والاتهام الجزافي. فالنقد المشروع هو الذي يستند إلى وقائع محددة، أو مستندات رسمية، أو محاضر جلسات، أو تقارير رقابية معتمدة، ويُطرح ضمن الأطر المؤسسية المختصة، سواء داخل المجلس البلدي نفسه أو عبر الجهات الرقابية والقضائية ذات الصلة. أما الاتهام الجزافي، فهو إطلاق ادعاءات عامة دون سند قانوني أو دليل مادي، أو تعميمات تمس السمعة والاعتبار، وهو ما قد يشكّل مخالفة صريحة للقانون، ولا يدخل في نطاق الحماية التي يوفرها حق التعبير أو الصفة التمثيلية.
وتؤكد القواعد العامة في قوانين الهيئات المحلية ومدونات السلوك الوظيفي أن عضو المجلس البلدي مُلزَم بالتحلي بمعايير النزاهة والشفافية وحسن النية، وأن أي شبهة فساد أو تجاوز إداري يجب أن تُعالج من خلال القنوات القانونية المحددة، لا عبر المنابر الإعلامية أو الخطاب الانفعالي، لما في ذلك من أثر سلبي مباشر على ثقة المواطنين بالمؤسسات المنتخبة، وإضرار بالسلم الأهلي والمجتمعي.
أما من حيث التوقيت، فإن توجيه انتقادات حادة مع اقتراب انتهاء ولاية المجلس يطرح إشكالية قانونية وأخلاقية في آن واحد. فالمسؤولية في العمل البلدي مسؤولية تضامنية، ويُفترض بالعضو، سواء كان في موقع الأغلبية أو المعارضة، أن يمارس دوره الرقابي في حينه، وأن يثير أي مخالفات أو اختلالات فور وقوعها. أما الصمت الطويل ثم اللجوء إلى التصعيد في نهاية الولاية، فإنه يُضعف الحجّة القانونية، ويثير تساؤلات مشروعة حول الدوافع، ويُخرج الخطاب من إطار الرقابة المؤسسية إلى دائرة السجال السياسي.
كما أن الانتماء إلى المعارضة داخل المجلس البلدي لا يمنح العضو حصانة قانونية خاصة، ولا يعفيه من المساءلة. فالقانون يُحمّل المسؤولية الشخصية لكل من يطلق اتهامات دون دليل، خاصة إذا ترتب عليها ضرر بالأشخاص أو بالمصلحة العامة، أو أدت إلى تضليل الرأي العام أو تقويض الثقة بالمؤسسات.
وترسيخًا لمبدأ سيادة القانون باعتباره الركيزة الأساسية لأي نظام حكم محلي ديمقراطي، وحفاظًا على الحقوق العامة والخاصة، وبحسب القواعد العامة في التشريعات الجزائية وقوانين الهيئات المحلية، فإن من حق النيابة العامة – بل ومن واجبها – تحريك الدعوى العمومية متى توافرت شبهة جرمية قائمة على وقائع محددة، سواء تعلقت بإطلاق اتهامات جزافية، أو بنشر معلومات غير مثبتة من شأنها المساس بسمعة الأفراد أو بهيبة المؤسسات العامة، أو الإضرار بالمصلحة العامة. وتملك النيابة العامة، بصفتها ممثلة للمجتمع وحامية للشرعية القانونية، صلاحية التدخل من تلقاء نفسها دون الحاجة إلى شكوى مسبقة، متى تعلق الأمر بجرائم تمس النظام العام أو الثقة العامة، وذلك تطبيقًا لمبدأ عدم جواز إساءة استعمال الحق، ومبدأ المساواة أمام القانون، حيث لا حصانة لأحد خارج إطار القانون.
إن المساءلة القانونية في هذا السياق لا تُعد تقييدًا لحرية الرأي، بل ضمانة لعدم انحرافها عن غاياتها المشروعة، وبما يحقق التوازن الدقيق بين حق النقد وواجب المسؤولية. فالمجالس البلدية لم تُنشأ لتكون ساحات لتبادل الاتهامات، بل مؤسسات عامة أُنيط بها إدارة الشأن المحلي وخدمة المواطنين وفق أحكام القانون.
وفي الخلاصة، فإن النقد حق مكفول، لكن الاتهام مسؤولية قانونية، والتوقيت جزء من المشروعية. وكل خطاب عام يصدر عن عضو منتخب، لا سيما في نهاية ولايته، يجب أن يُقاس بميزان القانون لا بميزان المصالح السياسية، حفاظًا على ثقة المواطنين، وصونًا لهيبة المؤسسات، وترسيخًا لسيادة القانون باعتبارها الأساس الحقيقي لأي حكم محلي ديمقراطي رشيد.
تكييف الصفة لتكون محامٍ وباحث في القانون الإداري والحكم المحلي.
 “هذا الرأي يعبر عن وجهة نظر قانونية مستقلة”