حين ينقلب الرأي إلى تشهير: خطورة الخطاب الإقصائي على القانون والمجتمع

المحامي علي ابوحبله

فبراير 2, 2026 - 15:02
حين ينقلب الرأي إلى تشهير: خطورة الخطاب الإقصائي على القانون والمجتمع

حين ينقلب الرأي إلى تشهير: خطورة الخطاب الإقصائي على القانون والمجتمع
المحامي علي ابوحبله 
في لحظات الأزمات الوطنية والسياسية، تتحول الكلمة من مجرد تعبير عن رأي إلى فعل له أثر مباشر على السلم الأهلي والاستقرار المجتمعي. ومن هنا، يصبح التمييز بين النقد المشروع والخطاب التحريضي ضرورة قانونية ووطنية، لا ترفًا فكريًا.
لقد شهد الفضاء العام في الآونة الأخيرة انتشار خطابات تُقدَّم في قالب “حِكم” أو “عِبر”، لكنها في جوهرها تقوم على التلميح والتشويه ونزع الشرعية والانتماء السياسي عن آخرين، دون سند قانوني أو وقائع مثبتة. هذا النوع من الخطاب لا يندرج ضمن حرية التعبير، بل يتجاوزها إلى التشهير والإقصاء المعنوي.
حرية التعبير ليست مطلقة
حرية الرأي حق مكفول دستوريًا ومحمِيّ بموجب المواثيق الدولية، لكنها ليست حقًا مطلقًا. فالقوانين الوطنية والمعايير الدولية تشترط ممارسة هذا الحق بما لا يمس كرامة الآخرين أو سمعتهم أو حقوقهم السياسية. وعليه، فإن أي خطاب يتضمن اتهامات غير مثبتة، أو تشكيكًا في النوايا، أو نزعًا للانتماء الوطني، يخرج من دائرة النقد إلى دائرة المخالفة القانونية.
الإقصاء السياسي خطر على السلم الأهلي
الخطاب الإقصائي لا يستهدف الأفراد فقط، بل يضرب أسس التماسك المجتمعي. فعندما يُستبدل النقاش السياسي بلغة التخوين، وتُختزل الخلافات في ثنائيات أخلاقية حادة، يتحول المجتمع إلى ساحة استقطاب حاد، وتُهدر فرص الحوار والمساءلة الرشيدة.
التجارب المقارنة تؤكد أن المجتمعات لا تتفكك فقط بفعل الصراعات الخارجية، بل أيضًا بسبب انحدار الخطاب الداخلي وتآكل الثقة بين مكوناتها.
البعد الاستراتيجي للخطاب العام
للخطاب العام وظيفة تتجاوز التعبير عن الرأي؛ فهو يعكس مستوى النضج السياسي، ويشكّل جزءًا من القوة المعنوية للمجتمع. الخطاب المسؤول يعزز الثقة بالمؤسسات، ويفتح المجال للتعددية، ويكرّس مبدأ التنافس على البرامج والأداء. أما خطاب التشهير والتحريض، مهما ارتدى من شعارات، فهو سلوك هدّام يقوّض أسس الحكم الرشيد.
النقد المشروع هو البديل
النقد ضرورة، والمساءلة واجب، لكنهما لا يتحققان إلا بلغة قانونية وأخلاقية واضحة، تستند إلى الوقائع، وتوجَّه إلى السياسات والأداء لا إلى الأشخاص والنيات. فالدولة القوية لا تخشى النقد، لكنها في الوقت ذاته لا تقبل بتحويله إلى أداة تصفية أو إلغاء.
خلاصة
إن أخطر ما يواجه المجتمعات في مراحلها الحساسة ليس تعدد الآراء، بل انفلات الخطاب. فحين تُستبدل الحجة بالتلميح، والقانون بالسخرية، والمساءلة بالتشهير، يصبح الضرر عامًا. حماية حرية التعبير تبدأ باحترام القانون، وتنتهي بصون كرامة المجتمع ووحدته.