الإنهاك المُمتع: حين يصبح التعب دليلًا على أننا نسير في الاتجاه الصحيح
محمد قاروط أبو رحمه
الإنهاك المُمتع: حين يصبح التعب دليلًا على أننا نسير في الاتجاه الصحيح
محمد قاروط أبو رحمه
(الملخص: ليس كل تعب علامة خلل؛ أحيانًا يكون الإرهاق دليلًا على انخراط صادق في عمل له معنى. فالإنهاك المُمتع هو ذاك الذي يولد حين نسير في الاتجاه الصحيح، حيث يتحول الجهد إلى طاقة داخلية لا تُقاس بالراحة، بل بالرضا.)
ليس كل تعبٍ علامة خلل، ولا كل إنهاكٍ مؤشر فشل. ثمة نوع من التعب لا يطلب الشكوى، ولا يستدعي التراجع، بل يأتي مصحوبًا بشعور داخلي هادئ يقول: نعم… هذا هو الطريق. ذلك هو الإنهاك المُمتع؛ الحالة التي يلتقي فيها الجهد بالمعنى، ويصبح التعب أثرًا جانبيًا لعمل صحيح، لا نتيجة عبء عبثي.
الإنهاك المُمتع لا يولد من الاستعجال، ولا من ضغط الوقت وحده، بل من الاشتباك الحقيقي مع الفكرة، مع التجربة، مع الذات. هو التعب الذي نشعر به حين نكتب لأننا نفهم، لا لأننا نكرر. وحين نعمل لأننا نغلق دائرة تجربة، لا لأننا نؤدي واجبًا مفروضًا. في هذه الحالة، لا يكون الجسد وحده هو المتعب، بل العقل أيضًا، وربما الروح، لكن التعب هنا لا يُفرغ الإنسان، بل يملأه.
في التجارب العميقة، خاصة تلك المرتبطة بالنضال الوطني اوالتدريب، أو التعليم، أو بناء المعرفة، يظهر هذا النوع من الإنهاك بوضوح. نصل إلى نهاية اليوم مرهقين، لكننا لا نشعر بالندم على الجهد المبذول. بل على العكس، نشعر بأن شيئًا ما قد استقر في مكانه الصحيح. فكرة توضّحت، معنى اكتمل، تجربة أُغلقت بصدق. هنا يصبح التعب علامة صحة، لا عارض مرضي.
الفرق الجوهري بين الإنهاك المُمتع والإنهاك المُدمّر يكمن في الغاية. الإنهاك المُدمّر يولد من العمل بلا معنى، من تكرار لا يضيف، ومن التزام منفصل عن الفهم. أما الإنهاك المُمتع، فينبع من الانضباط الواعي؛ من أن نعرف لماذا نفعل ما نفعل، وإلى أين يقودنا هذا الجهد.
حين يصبح التعب دليلًا على أننا نسير في الاتجاه الصحيح، نكفّ عن الخوف منه. نتعلم أن نقرأه، لا أن نهرب منه. نمنحه مكانه الطبيعي في مسار الإنجاز، بوصفه إشارة عبور، لا علامة توقف. فليس المهم أن نصل بلا تعب، بل أن نتعب ونحن نعرف لماذا نسير، ومع من، وإلى أي معنى ننتهي.





