من استنساخ الانقسام إلى بناء الدولة: الانتخابات الفلسطينية بوابة للتحول الوطني
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
من استنساخ الانقسام إلى بناء الدولة: الانتخابات الفلسطينية بوابة للتحول الوطني
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
في هذه اللحظة الفلسطينية الفاصلة، لم يعد السؤال الحقيقي متعلقاً بمن سيفوز في الانتخابات أو بمن سيشكل القائمة الأكبر، وإنما بالسؤال الأعمق: أي نظام سياسي نريد، وأي مستقبل نريد أن نصنع لشعبنا وقضيتنا؟
إن الدعوة إلى تحالف وطني واسع، ووقف حالات التفرد والإقصاء، ليست مجرد مناورة انتخابية، بل ينبغي أن تكون مدخلاً لإعادة بناء الحياة السياسية الفلسطينية على قاعدة الشراكة الوطنية، والاحتكام إلى القانون، وتجديد الشرعية الشعبية، وإعادة الاعتبار للمؤسسات.
فالخطر الذي يواجه الفلسطينيين اليوم ليس فقط استمرار الانقسام القائم، وإنما إعادة إنتاجه بأدوات جديدة تحت عناوين انتخابية وحزبية.
من دروس الماضي: لا تعيدوا استنساخ التاريخ
التاريخ الفلسطيني يقدم دروساً قاسية ينبغي عدم تجاهلها. ففي خمسينيات القرن الماضي، شهدت الساحة السياسية الفلسطينية انقسامات وصراعات بين تيارات وقوى مختلفة، عُرفت في بعض مراحلها بمواجهة المجلسيين والمعارضين، في ظل تنافس على النفوذ والتمثيل والقرار السياسي.
وقد انعكست تلك الانقسامات على المجتمع الفلسطيني وأضعفت قدرته على مواجهة التحولات الكبرى التي كانت تعصف بالقضية والمنطقة، في مرحلة انتهت بواقع سياسي وجغرافي شديد القسوة على الفلسطينيين.
ولا يعني استحضار تلك التجربة القول إن الظروف التاريخية متطابقة، فلكل مرحلة ظروفها وفاعلوها وأدواتها؛ لكن الدرس السياسي يبقى صالحاً: عندما يتحول الاختلاف السياسي إلى انقسام مجتمعي، وعندما تصبح المنافسة على الشرعية أقوى من التحديات التي تواجه القضية، فإن الخاسر النهائي ليس حزباً أو فصيلاً، وإنما الشعب والقضية.
ومن هنا يجب أن يكون شعار المرحلة: لا لاستنساخ التاريخ، ولا لإعادة إنتاج الانقسام الفلسطيني بصيغ جديدة.
التحالف الواسع يجب أن يتحول إلى مشروع وطني
إن التحالف السياسي الواسع الذي يجري الحديث عنه يمكن أن يكون فرصة تاريخية إذا خرج من إطار الحسابات الانتخابية الضيقة إلى فضاء أوسع: إعادة ترتيب النظام السياسي الفلسطيني وإعادة بناء الثقة بين القوى السياسية والمجتمع.
ولا ينبغي أن يُنظر إلى هذا التحالف باعتباره اصطفافاً ضد فتح، كما لا ينبغي أن يتحول هو نفسه إلى اصطفاف لإقصاء فتح.
حركة فتح، بحكم تاريخها وموقعها وثقلها الوطني، مطالبة بقراءة هذه اللحظة باعتبارها فرصة للمراجعة والانفتاح والحوار، فيما تقع على عاتق القوى الأخرى مسؤولية عدم تحويل التحالف إلى مشروع إقصائي مضاد.
فالهدف ليس إضعاف طرف فلسطيني لحساب طرف آخر، وإنما إعادة بناء توازن سياسي وطني يمنع احتكار القرار ويضمن الشراكة والمسؤولية الجماعية.
الانتخابات ليست غاية بحد ذاتها
الانتخابات في الظروف الفلسطينية الراهنة ينبغي ألا تكون مجرد استحقاق لتجديد المجلس التشريعي، ثم العودة إلى ذات البنية السياسية التي أنتجت الانقسام والترهل والانسداد.
إن الانتخابات المطلوبة يجب أن تكون نقلة نوعية في طبيعة النظام السياسي الفلسطيني.
فلسطين لا ينبغي أن تبقى أسيرة الصيغة التي أفرزتها اتفاقية أوسلو، حيث نشأت السلطة الفلسطينية بوصفها سلطة حكم ذاتي انتقالي، بينما أصبح الواقع السياسي والقانوني الدولي أكثر تطوراً مع اعترافات دولية متزايدة بدولة فلسطين، وصدور قرارات أممية وأحكام وفتاوى قضائية دولية ذات صلة بحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وإنهاء الاحتلال.
ومن هنا فإن الانتخابات المقبلة، في الرؤية الوطنية الاستراتيجية، ينبغي أن تكون جزءاً من عملية انتقال مؤسساتي من مرحلة السلطة الانتقالية إلى مرحلة مؤسسات دولة فلسطين المستقلة ذات السيادة وعاصمتها القدس، في إطار إنهاء الاحتلال وتجسيد حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره.
وهذا الانتقال لا يمكن أن يتم بمجرد تغيير أسماء المؤسسات أو انتخاب مجلس جديد، وإنما يحتاج إلى إطار دستوري وسياسي واضح.
دستور مؤقت للدولة الفلسطينية
إن إحدى الخطوات الأساسية المطلوبة هي العمل على إقرار دستور مؤقت للدولة الفلسطينية، بصورة تشاركية، يحدد شكل النظام السياسي، والفصل بين السلطات، واستقلال القضاء، وصلاحيات المؤسسات، وضمان الحقوق والحريات العامة، وآليات تداول السلطة، والعلاقة بين مؤسسات الدولة ومنظمة التحرير، وآليات الرقابة والمساءلة.
ويجب أن يستند هذا الإطار الدستوري إلى القانون الأساسي الفلسطيني، وإلى قرارات الشرعية الدولية ذات الصلة، وإلى حق الشعب الفلسطيني غير القابل للتصرف في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة.
وهنا تصبح الانتخابات جزءاً من عملية تأسيسية أوسع، لا مجرد عملية تنافس على مقاعد السلطة.
نحن بحاجة إلى انتخابات تؤسس لدولة، لا انتخابات تعيد إنتاج سلطة.
الدولة تحت الاحتلال تحتاج إلى وحدة وطنية لا إلى انقسام
قد يبدو الانتقال من مفهوم «سلطة الحكم الذاتي» إلى «مؤسسات الدولة تحت الاحتلال» مسألة اصطلاحية، لكنه في الحقيقة يحمل مضموناً سياسياً واستراتيجياً بالغ الأهمية.
فالدولة الفلسطينية، وفق الرؤية التي تستند إلى قرارات الشرعية الدولية وحق تقرير المصير، ليست بديلاً عن إنهاء الاحتلال، بل إطاراً سياسياً وقانونياً لتجسيد الحقوق الوطنية الفلسطينية إلى حين اكتمال التحرر والاستقلال.
وهذا يفرض بناء مؤسسات دولة قادرة على العمل في ظل الاحتلال، وعلى تمثيل الشعب الفلسطيني أمام المجتمع الدولي، وإدارة شؤونه الداخلية، وحماية حقوقه، وتعزيز صموده، وتوظيف الأدوات القانونية والدبلوماسية الدولية في مواجهة الاحتلال والاستيطان والضم والتهجير.
لكن لا يمكن تحقيق ذلك في ظل انقسام فلسطيني عميق.
وحدة المؤسسات تسبق قوة المؤسسات، ووحدة الموقف الوطني تعزز قوة الموقف الدولي.
الانتخابات يجب أن تكون نتيجة توافق لا سبباً لانقسام جديد
من هنا فإن الانتخابات المطلوبة يجب أن تقوم على مجموعة من الضمانات الوطنية والقانونية:
أولاً، توافق وطني مسبق على قواعد العملية الانتخابية وعدم تغييرها لخدمة أي طرف.
ثانياً، ضمان استقلال لجنة الانتخابات المركزية وعدم إخضاعها للتجاذبات السياسية.
ثالثاً، ضمان حرية الترشح والدعاية والاجتماع والتجمع، ومنع الاعتقال أو الضغط السياسي على المرشحين والناخبين.
رابعاً، ضمان مشاركة القدس وقطاع غزة والضفة الغربية ضمن وحدة سياسية وانتخابية واحدة.
خامساً، الاتفاق مسبقاً على احترام نتائج الانتخابات، أياً كان الفائز.
سادساً، عدم استخدام أجهزة الدولة أو المال العام أو النفوذ السياسي للتأثير في إرادة الناخبين.
سابعاً، توفير رقابة قضائية ومحلية ودولية تضمن النزاهة والشفافية.
ثامناً، الاتفاق على مرحلة انتقالية واضحة بعد الانتخابات تفضي إلى إعادة بناء مؤسسات الدولة الفلسطينية.
المطلوب رؤية وطنية تتجاوز الانتخابات
الانتخابات وحدها لن تحل الأزمة الاقتصادية، ولن توقف الاستيطان، ولن تعيد إعمار غزة، ولن تنهي الانقسام، ولن تعالج أزمة الثقة بين المواطن والمؤسسة السياسية.
لذلك فإن المرحلة تحتاج إلى رؤية استراتيجية وطنية شاملة تتضمن خمسة مسارات متوازية:
المسار الأول: سياسي، يقوم على إنهاء الانقسام وبناء شراكة وطنية وإعادة تفعيل مؤسسات منظمة التحرير.
المسار الثاني: دستوري وقانوني، يقوم على إقرار دستور مؤقت للدولة الفلسطينية وتوحيد المنظومة القانونية والمؤسساتية.
المسار الثالث: دبلوماسي ودولي، يقوم على تفعيل قرارات الشرعية الدولية وأحكام وفتاوى القضاء الدولي ذات الصلة بحقوق الشعب الفلسطيني، ومواصلة العمل من أجل إنهاء الاحتلال وتجسيد الدولة الفلسطينية.
المسار الرابع: اقتصادي واجتماعي، يقوم على خطة إنقاذ اقتصادي، وإعادة إعمار غزة، وتعزيز صمود الضفة والقدس، ومحاربة الفساد والهدر، وحماية المال العام.
المسار الخامس: مؤسساتي وديمقراطي، يقوم على انتخابات حرة ونزيهة، وفصل السلطات، واستقلال القضاء، وتداول السلطة، وتجديد النخب السياسية وإشراك الشباب والكفاءات والمستقلين.
لا يجوز أن تصبح الانتخابات معركة كسر عظم
إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن تتحول الانتخابات إلى معركة بين «من يملك الشرعية» و«من يملك القوة»، وأن تدخل القوى السياسية إلى الاقتراع بعقلية المنتصر والمهزوم.
الفلسطينيون لا يحتملون جولة جديدة من صراع الشرعيات.
لقد دفع الشعب الفلسطيني ثمناً باهظاً نتيجة الانقسام، ولا يجوز أن نصل إلى مرحلة يصبح فيها الانقسام السياسي أكثر خطورة من الاحتلال الذي يستفيد منه ويستثمره.
ولهذا فإن أي تعديل على القانون الانتخابي أو أي قرار يتعلق بالانتخابات يجب أن يكون محكوماً بالمصلحة الوطنية العليا، لا بحسابات الربح والخسارة.
وإذا تعذر إجراء الانتخابات في موعدها لأسباب قاهرة وموضوعية، فإن التأجيل يجب أن يكون قانونياً ومعلناً ومحدداً ومبنياً على أسباب قابلة للرقابة، لا وسيلة لإدارة التوازنات السياسية أو إعادة هندسة النتائج.
فلسطين بحاجة إلى صحوة سياسية
لقد آن الأوان للخروج من عقلية «هذا لي وهذا لك»، ومنطق المحاصصة، ومنطق التفرد، ومنطق التخوين المتبادل.
آن الأوان لأن تدرك القوى الفلسطينية جميعاً أن الاحتلال لا يحتاج إلى مزيد من الانقسام الفلسطيني، وأن الاستيطان لا يحتاج إلى مزيد من الخلافات، وأن الأزمة الاقتصادية لا تنتظر انتهاء المناكفات السياسية.
إن المطلوب ليس أن تتطابق البرامج السياسية، ولا أن تتخلى الفصائل عن هويتها، ولا أن تصنع القوى السياسية حالة من التماهي المصطنع.
المطلوب هو الحد الأدنى الذي يجمع الجميع:
حماية الشعب، وصون الأرض، وإنهاء الاحتلال، وحماية القدس، وإعادة إعمار غزة، وتعزيز صمود الضفة، وبناء مؤسسات الدولة، واحترام القانون، وتجديد الشرعية، وتداول السلطة سلمياً.
هذه هي نقطة الالتقاء التي يمكن أن تبدأ منها الصحوة الوطنية.
الخلاصة: لا نريد انتخابات تعيد إنتاج الماضي
المطلوب اليوم أن نتعلم من تاريخنا، لا أن نكرر أخطاءه.
فإذا كان صراع المجلسيين والمعارضين في الماضي قد ترك آثاراً مؤلمة على الحالة الفلسطينية في مرحلة تاريخية حساسة، فإن الانقسام الراهن لا ينبغي أن يتحول إلى نسخة جديدة من الصراع ذاته بأسماء وأدوات مختلفة.
التاريخ لا يعيد نفسه حرفياً، لكنه قد يعيد إنتاج نتائجه عندما تتكرر الأسباب.
ومن هنا فإن الانتخابات الفلسطينية المقبلة يجب ألا تكون مجرد سباق بين القوائم، ولا وسيلة لإعادة توزيع المقاعد داخل سلطة الحكم الذاتي، وإنما ينبغي أن تكون بوابة انتقال سياسي ودستوري من مرحلة أوسلو إلى مرحلة مؤسسات دولة فلسطين تحت الاحتلال، وصولاً إلى الاستقلال والسيادة، استناداً إلى قرارات الشرعية الدولية وحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره ومكانة دولة فلسطين في النظام الدولي.
وهذا التحول يتطلب وحدة وطنية حقيقية، وحواراً سياسياً شاملاً، وتوافقاً على دستور مؤقت، وإعادة بناء المؤسسات على قاعدة الشراكة، وإصلاحاً اقتصادياً وإدارياً، واستراتيجية دولية وقانونية موحدة لمواجهة الاحتلال والاستيطان والضم والتهجير.
إنها لحظة اختبار تاريخية.
فإما أن تكون الانتخابات بداية مرحلة وطنية جديدة، تعيد بناء النظام السياسي وتفتح الطريق أمام دولة فلسطينية موحدة المؤسسات والموقف، وإما أن تتحول إلى محطة أخرى في مسلسل الانقسام وتبادل الاتهامات وإعادة إنتاج الأزمة.
والخيار، في نهاية المطاف، ليس بين فتح وتحالف أو بين فصيل وآخر؛ بل بين منطق الدولة ومنطق الفصائل، بين الشراكة والتفرد، بين تجديد الشرعية وإدارة الأزمة، وبين استنساخ الماضي وصناعة المستقبل.
والشعب الفلسطيني يستحق أن تكون المرة المقبلة مختلفة.



