حين تصبح كلمة «فلسطين» هدفاً سياسياً.. معركة الهوية لا تقل خطورة عن معركة الأرض

قراءة سياسية واستراتيجية وقانونية في الجدل حول المناهج الفلسطينية

سبتمبر 5, 2026 - 10:15
حين تصبح كلمة «فلسطين» هدفاً سياسياً.. معركة الهوية لا تقل خطورة عن معركة الأرض

حين تصبح كلمة «فلسطين» هدفاً سياسياً.. معركة الهوية لا تقل خطورة عن معركة الأرض
قراءة سياسية واستراتيجية وقانونية في الجدل حول المناهج الفلسطينية
المحامي علي أبوحبلة
أثار تصريح الدبلوماسي البريطاني السابق جيريمي غرينستوك، الذي تحدث عن طلبٍ نُسب إلى رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير يقضي بإزالة أي إشارة إلى «فلسطين» من المناهج الدراسية الفلسطينية واستبدالها بتعبير «يهودا والسامرة»، جدلاً واسعاً، ليس فقط بسبب خطورة مضمون الادعاء، وإنما لما يحمله من دلالات سياسية واستراتيجية وقانونية تتجاوز حدود المناهج والتعليم.
ومن الضروري، من منظور مهني وموضوعي، التأكيد أن هذه الرواية ليست حقيقة مثبتة بصورة مستقلة حتى الآن؛ فقد نقل غرينستوك أنه تلقى المعلومات من مصدر وصفه بأنه على مستوى وزاري، في حين نفى مكتب توني بلير بشكل قاطع أن يكون بلير قد طلب حذف اسم فلسطين أو استبداله بأي تسمية أخرى، ووصف الادعاء بأنه مختلق بالكامل.
لكن حتى مع هذا النفي، فإن القضية تستحق التوقف عندها؛ لأنها تفتح الباب أمام سؤال أكبر: هل تحولت معركة فلسطين من الصراع على الأرض إلى محاولة إعادة صياغة الوعي الذي يعرّف تلك الأرض؟
من الجغرافيا إلى الوعي
في الصراعات الممتدة، لا تكون الأسماء مجرد كلمات. فالمصطلحات الجغرافية والتاريخية يمكن أن تتحول إلى أدوات سياسية تحدد كيف ينظر المجتمع إلى الأرض والحدود والحقوق.
ومن هنا فإن الانتقال من مصطلح «فلسطين» إلى «يهودا والسامرة» لا يمكن، لو طُرح بالفعل في إطار سياسي، أن يُعامل باعتباره مجرد تعديل لغوي؛ لأن لكل تسمية خلفيتها التاريخية والسياسية ودلالاتها المختلفة.
غير أن مواجهة ذلك لا تعني رفض تطوير المناهج الفلسطينية أو مراجعتها. فالمناهج ينبغي أن تكون موضوعية، موثقة، وأن ترفض التحريض والكراهية والعنصرية، وأن تعزز ثقافة السلام واحترام الآخر وحقوق الإنسان.
لكن هناك فارقاً جوهرياً بين إصلاح المناهج وبين استخدامها لإعادة تعريف هوية شعب أو إنكار وجوده وحقوقه الوطنية.
القانون الدولي لا يتغير بتغيير أسماء الخرائط
المنظور القانوني أكثر وضوحاً.
فمحكمة العدل الدولية أكدت في رأيها الاستشاري الصادر في 19 يوليو/تموز 2024 أن للشعب الفلسطيني حقاً أصيلاً وغير قابل للتصرف في تقرير المصير، وأن السياسات والممارسات الإسرائيلية في الأرض الفلسطينية المحتلة تعيق ممارسة هذا الحق. كما أكدت المحكمة أن الاحتلال لا يمكن أن يتحول إلى وسيلة لحرمان السكان من تقرير مصيرهم أو لدمج أجزاء من الإقليم المحتل في دولة الاحتلال.
وهنا تظهر قاعدة مهمة: الوضع القانوني للإقليم لا يتحدد بما يُكتب في كتاب مدرسي أو على خريطة سياسية، وإنما بقواعد القانون الدولي والقرارات الدولية والوقائع القانونية ذات الصلة.
وبالتالي، فإن استخدام تسمية «يهودا والسامرة» لا يمنح إسرائيل سيادة قانونية على الضفة الغربية، كما أن تغيير المصطلحات لا يستطيع إسقاط حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير.
وقد شددت محكمة العدل الدولية على أن الأرض الفلسطينية المحتلة تُنظر إليها كوحدة إقليمية واحدة في سياق حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير، وأن استمرار السياسات التي تقوض هذه الوحدة يمس جوهر هذا الحق.
المعركة الحقيقية: الرواية أم الحقوق؟
استراتيجياً، فإن الصراع على الرواية ليس أقل أهمية من الصراع على الأرض.
فالسيطرة على الأرض تُفرض بالقوة أو بالاستيطان أو بخلق وقائع جديدة، بينما السيطرة على الرواية تستهدف الأجيال القادمة، بحيث تصبح الوقائع المفروضة مع مرور الزمن وكأنها حقائق تاريخية طبيعية.
ولهذا فإن أي محاولة لإعادة تعريف أسماء المدن والأقاليم أو حذف اسم فلسطين من الذاكرة التعليمية، إذا ثبتت، يجب النظر إليها ضمن سياق أوسع من الصراع على الذاكرة والهوية والشرعية السياسية.
لكن في المقابل، فإن أفضل دفاع عن الرواية الفلسطينية ليس الانغلاق أو إنتاج خطاب دعائي، وإنما بناء رواية وطنية تستند إلى الوثائق والتاريخ والقانون الدولي، وتقدم القضية الفلسطينية باعتبارها قضية حقوق وعدالة وتقرير مصير.
وبريطانيا تحديداً أمام مسؤولية تاريخية
تكتسب الرواية، إذا ثبتت، حساسية إضافية عندما يتعلق الأمر بشخصية سياسية بريطانية، نظراً إلى الإرث التاريخي للدور البريطاني في فلسطين، بدءاً من وعد بلفور ومروراً بمرحلة الانتداب وما تركته من تداعيات سياسية وقانونية ما زالت حاضرة في المشهد الفلسطيني.
لكن المسؤولية المهنية تقتضي عدم تحميل الدولة البريطانية أو توني بلير شخصياً مسؤولية موقف لم يثبت، خصوصاً في ظل النفي الصريح الصادر عن مكتبه.
المطلوب هنا ليس إصدار أحكام مسبقة، بل فتح باب التحقيق والتوثيق والمساءلة السياسية والإعلامية إذا كانت هناك وثائق أو شهادات تؤيد الرواية.
لا سلام بمحو فلسطين من الوعي
إن السلام المستدام لا يمكن أن يقوم على محو هوية طرف أو إعادة كتابة تاريخه بما يتوافق مع رواية الطرف الآخر.
كما أن معالجة المناهج الفلسطينية يجب أن تتم، إن لزم الأمر، من خلال شراكة فلسطينية ودولية مهنية وشفافة، لا عبر فرض شروط سياسية تمس الهوية الوطنية أو الحق في تقرير المصير.
فالفلسطيني ليس مطالباً بالتخلي عن اسم وطنه كي يصبح شريكاً في السلام، والإسرائيلي ليس مطالباً بالتخلي عن هويته كي يكون السلام ممكناً.
الطريق الواقعي هو الاعتراف المتبادل بالحقوق، واحترام القانون الدولي، وإنهاء الاحتلال والاستيطان، وتمكين الشعب الفلسطيني من ممارسة حقه في تقرير المصير.
إن كلمة «فلسطين» ليست مجرد مفردة في كتاب مدرسي؛ إنها اسم أرض وشعب وحق وتاريخ. ومع ذلك، فإن قوة فلسطين لا تُحمى بالشعارات وحدها، بل بالعلم والقانون والمؤسسات والديمقراطية والرواية التاريخية الموثقة.
وفي ضوء ذلك، فإن السؤال الأهم ليس فقط: هل طلب توني بلير فعلاً حذف كلمة «فلسطين» من المناهج؟
بل السؤال الأوسع: هل ما يجري هو مجرد جدل حول المناهج، أم أن الصراع دخل مرحلة جديدة عنوانها إعادة تشكيل الوعي قبل إعادة تشكيل الجغرافيا؟
ذلك سؤال يستحق إجابة موثقة، لأن معركة الأرض قد تُحسم باتفاق سياسي، أما معركة الذاكرة والهوية فإن آثارها قد تمتد إلى أجيال.