المسؤولية أمانة.. والإصلاح يبدأ من الذات
المسؤولية أمانة.. والإصلاح يبدأ من الذات
في زمن تتبدل فيه القيم والمعايير، وتطغى فيه المصالح الشخصية على حساب المصلحة العامة، تصبح الحاجة أكثر إلحاحًا إلى إعادة تعريف مفهوم المسؤولية، ليس باعتبارها موقعًا أو وجاهة أو نفوذًا، وإنما باعتبارها أمانة والتزامًا أخلاقيًا ووطنيًا تجاه المجتمع والناس.
لقد أصبح من المؤسف أن تتقدم الحسابات الشخصية لدى البعض على الاعتبارات الوطنية والاجتماعية، وأن تتحول المواقف العامة أحيانًا إلى وسيلة لتحقيق مصالح خاصة أو تصفية خلافات أو تسجيل مواقف، فيما تتراجع المسؤولية تجاه المجتمع إلى مرتبة ثانوية. وهذه معادلة لا تستقيم؛ إذ لا يمكن لمن يتصدر للشأن العام أن يضع مصلحته الخاصة فوق المصلحة العامة، ثم يتحدث في الوقت ذاته باسم المسؤولية الوطنية والمجتمعية.
فالمسؤولية أمانة، والأمانة تقتضي التجرد، والحرص على الصالح العام، والقدرة على التمييز بين المصلحة الشخصية والمصلحة الوطنية.
ولا يعني ذلك مصادرة حق أي مواطن في النقد أو الاختلاف أو إبداء الرأي؛ فالاختلاف حق مشروع، والنقد البنّاء ضرورة لتصويب الأداء، والمساءلة أحد أسس المجتمعات السليمة. لكن النقد يفقد قيمته عندما يتحول إلى استهداف شخصي، أو تحريض، أو تشهير، أو محاولة لإرباك المجتمع وزعزعة استقراره.
والأخطر أن بعض الذين غابوا عن واقعهم الاجتماعي والوطني، ولم يمارسوا دورًا حقيقيًا في خدمة مجتمعهم، يتخذون من مواقعهم البعيدة منصة لإصدار الأحكام على الآخرين، ويطالبونهم بإصلاح الواقع، بينما هم بأمسّ الحاجة إلى مراجعة الذات وإصلاح طريقة التفكير والمواقف والسلوك.
فمن أراد إصلاح الناس، عليه أن يبدأ بإصلاح نفسه؛ ومن أراد إصلاح المجتمع، عليه أن يكون أولًا جزءًا من هذا المجتمع ومسؤولًا عن سلامته واستقراره.
وفي محافظة طولكرم، التي تواجه ظروفًا بالغة الحساسية، فإن الحفاظ على الأمن والسلم الأهلي والاستقرار الاجتماعي ليس مسؤولية جهة واحدة، وإنما مسؤولية جماعية تتطلب وعيًا سياسيًا واجتماعيًا وأخلاقيًا من الجميع. ومن هنا ينبغي التوقف بجدية أمام ما تضمنه بيان حركة فتح – إقليم طولكرم من تحذير من مظاهر الفوضى والانجرار نحو ما يهدد الأمن والاستقرار والسلم الاجتماعي.
إن التحذير من الفوضى لا يعني رفض النقد، ولا يعني تعطيل المساءلة، ولا يمنح أحدًا حصانة من النقد أو المحاسبة؛ وإنما يعني أن تكون الممارسة العامة منضبطة بالقانون، وأن يبقى الخلاف في إطاره السياسي والاجتماعي السليم، بعيدًا عن كل ما يمكن أن يؤدي إلى تفكيك النسيج الاجتماعي أو إضعاف ثقة المواطنين بمؤسساتهم أو دفع المجتمع إلى مربع الفوضى.
وهنا تكمن خطورة المرحلة: فالفوضى تبدأ غالبًا من كلمات غير مسؤولة، ثم تتحول إلى مواقف، ثم إلى اصطفافات، وقد تنتهي إلى حالة من عدم الاستقرار يصعب ضبط نتائجها.
ولذلك فإن حماية المجتمع من الانزلاق نحو الفوضى ليست موقفًا سياسيًا عابرًا، بل هي مسؤولية وطنية وأخلاقية وقانونية. وكل من يتحمل موقعًا أو دورًا في الشأن العام مطالب بأن يزن كلماته ومواقفه وقراراته بميزان المصلحة العامة، لا بميزان المكاسب الشخصية أو الحسابات الضيقة.
ولا يمكن الجمع بين المسؤولية الوطنية، والمسؤولية تجاه المجتمع، وتغليب المصالح الخاصة عندما تتعارض هذه المصالح مع الصالح العام. فمن اختار تحمل المسؤولية العامة عليه أن يدرك أن هذه المسؤولية تفرض عليه قدرًا أعلى من التجرد والانضباط، وأن خدمة الناس لا تكون بالشعارات وإنما بالممارسة والسلوك والقدرة على وضع المصلحة العامة فوق الاعتبارات الشخصية.
إن المجتمع لا يحتاج إلى مزيد من الذين يكتفون بالمراقبة والانتقاد من بعيد، وإنما يحتاج إلى أصحاب مبادرات، وأصحاب مسؤولية، وأشخاص يعملون على رأب الصدع، وتعزيز الثقة، وحماية السلم الأهلي، وترسيخ ثقافة الحوار والاحتكام إلى القانون والمؤسسات.
كما أن مواجهة الفوضى لا تعني إسكات الأصوات المختلفة، بل تعني تنظيم الاختلاف ضمن قواعد حضارية وقانونية؛ فالديمقراطية لا تقوم على الفوضى، والحرية لا تعني الفلتان، والنقد لا يعني التحريض، والمعارضة لا تعني هدم المؤسسات أو ضرب الاستقرار.
والأهم أن الأمن والاستقرار والسلم الأهلي ليست امتيازًا لفئة أو تنظيم، وإنما مصلحة عامة لجميع المواطنين. وحمايتها واجب على كل من يؤمن بأن المجتمع لا يمكن أن يتقدم في ظل التوتر والانقسام والفوضى.
لقد آن الأوان لأن نعيد الاعتبار إلى مفهوم المسؤولية الحقيقية، وأن ندرك أن خدمة الناس ليست سلّمًا للمصالح الشخصية، وأن العمل العام ليس مجالًا للوجاهة أو تصفية الحسابات، وإنما أمانة ومسؤولية ومحاسبة أمام المجتمع والتاريخ.
ومن أراد أن يصلح الآخرين، فليبدأ بإصلاح ذاته. ومن أراد أن ينتقد، فليقدم البديل. ومن أراد أن يتصدر للشأن العام، فليضع المصلحة العامة فوق مصلحته الخاصة. ومن أراد حماية المجتمع، فعليه أن يكون عامل استقرار لا عامل توتر، وجزءًا من الحل لا جزءًا من المشكلة.
فالأوطان لا تُحمى بالأنانية، والمجتمعات لا تُبنى بالفوضى، والمسؤولية لا تُجزّأ حسب المصالح.
إنها أمانة؛ ومن حمل الأمانة، فعليه أن يكون على قدرها.



