حين يُحاصر النازح بلقمة عيشه.. طولكرم ترفع الصوت
افتتاحية – بقلم المحامي علي أبوحبلة
حين يُحاصر النازح بلقمة عيشه.. طولكرم ترفع الصوت
افتتاحية – بقلم المحامي علي أبوحبلة
من أمام وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «الأونروا» وسط مدينة طولكرم، لم تكن وقفة النازحين قسرًا من مخيمي طولكرم ونور شمس مجرد احتجاج على وقف المساعدات الغذائية من برنامج الأغذية العالمي؛ كانت رسالة سياسية وإنسانية وقانونية في آن واحد: لا يجوز أن يتحول النزوح القسري إلى عقوبة مفتوحة، ولا أن يصبح الغذاء أول ضحايا الأزمات التمويلية والسياسية.
النازح الذي اقتُلع من منزله لا يطلب ترفًا، وإنما يطالب بالحد الأدنى من مقومات الحياة. وحين تفقد الأسرة منزلها ومصدر رزقها وتستقر مؤقتًا في مكان آخر، فإن مسؤوليتها لا تنتهي عند حدود قدرتها الذاتية، بل تبدأ مسؤولية المجتمع والمؤسسات والمنظمات الإنسانية والدول القادرة على تقديم الحماية والإغاثة.
وهنا تبرز المسألة القانونية الدولية بوضوح. فالقانون الدولي الإنساني يفرض حماية المدنيين في أوقات النزاع، ويحظر التهجير القسري إلا في ظروف استثنائية ووفق شروط صارمة، كما أن ضمان وصول المساعدات الإنسانية إلى السكان المحتاجين يمثل جزءًا أساسيًا من منظومة حماية المدنيين. ولا يمكن اختزال المسألة في أرقام المساعدات أو حجم التمويل؛ فخلف كل سلة غذائية أسرة وأطفال ومرضى وكبار سن يعيشون تداعيات النزوح.
المشكلة أن العالم اعتاد إدارة المأساة بدل معالجة أسبابها.
فبدل أن يكون السؤال: لماذا نزح هؤلاء؟ وكيف يمكن ضمان عودتهم الآمنة إلى منازلهم؟ يتحول النقاش إلى سؤال آخر: كم من المساعدات يمكن توفيرها؟ وكم من الوقت يمكن تمويلها؟ وكأن النزوح أصبح واقعًا دائمًا ينبغي التعايش معه.
هذا المنطق خطير؛ لأن الإغاثة الإنسانية لا يمكن أن تكون بديلًا عن الحماية الدولية، ولا يمكن للمساعدات أن تتحول إلى غطاء لإدارة نتائج النزوح بينما تستمر أسبابه.
إن مسؤولية المجتمع الدولي لا تتوقف عند إرسال المساعدات، بل تشمل العمل الجاد لمنع استمرار الانتهاكات، وضمان حماية المدنيين، واحترام قواعد القانون الدولي، ومساءلة كل من يثبت تورطه في انتهاكات تستهدف السكان المدنيين أو تؤدي إلى تهجيرهم قسرًا.
ومن هنا، فإن وقف المساعدات الغذائية عن أسر نازحة يجب أن يكون موضع مراجعة عاجلة، خصوصًا إذا كانت هذه الأسر فقدت قدرتها على الوصول إلى مصادر دخلها ومساكنها نتيجة ظروف قسرية.
وفي المقابل، تقع على المؤسسات الفلسطينية مسؤولية لا تقل أهمية. فالمطلوب قاعدة بيانات دقيقة وشفافة للنازحين، وتنسيق حقيقي بين الحكومة والبلديات ووكالات الأمم المتحدة والمؤسسات المحلية، بحيث لا تتحول المساعدات إلى ملف للمحاصصة أو الاستقطاب أو التوظيف السياسي. الحق الإنساني لا يخضع للون السياسي ولا للانتماء التنظيمي.
والأهم أن طولكرم لا ينبغي أن تُترك وحدها في مواجهة تداعيات النزوح. فالمجتمع الدولي مطالب بتحويل التعاطف إلى التزام، والبيانات إلى إجراءات، والوعود إلى برامج تمويل مستدامة تضمن الغذاء والمأوى والصحة والتعليم والحماية الاجتماعية.
إن صرخة النازحين أمام «الأونروا» في طولكرم يجب ألا تضيع في زحام الأزمات. إنها تذكير للعالم بأن خلف كل عنوان سياسي إنسانًا يدفع الثمن.
فالخبز ليس منّة، والإغاثة ليست بديلًا عن العدالة، والصمت عن معاناة النازحين لا يصنع استقرارًا.
وإذا كان المجتمع الدولي جادًا في حماية المدنيين، فعليه أن يبدأ من أبسط الحقوق: أن لا ينام طفل نازح جائعًا، وأن لا تُترك أسرة فقدت منزلها تواجه مصيرها وحدها.
إن حماية النازحين ليست مسألة فلسطينية فحسب؛ إنها اختبار حقيقي لمصداقية النظام الدولي وقدرته على تطبيق القانون الذي يتحدث باسمه. وما يجري في طولكرم اليوم ينبغي أن يكون جرس إنذار قبل أن تتحول الأزمة الإنسانية إلى أزمة اجتماعية وأمنية أكثر اتساعًا.



