هُدم بيته.. فصارت عربته مأواه ومصدر رزقه بعد نزوحه من مخيم طولكرم
قصة رياض أرحيل بين النزوح وهدم المسكن وفقدان مقومات الحياة
هُدم بيته.. فصارت عربته مأواه ومصدر رزقه بعد نزوحه من مخيم طولكرم
قصة رياض أرحيل بين النزوح وهدم المسكن وفقدان مقومات الحياة
لم يكن رياض أرحيل يتوقع أن تتحول عربة بسيطة إلى عنوان لحياته الجديدة؛ مأوىً يقيه قسوة الظروف، ومكاناً يحاول من خلاله تأمين لقمة عيشه، بعد أن فقد منزله واضطر إلى النزوح من مخيم طولكرم في ظل الظروف الأمنية القاسية التي يعيشها المخيم ومحيطه.
هُدم البيت، وضاعت معه تفاصيل حياة كاملة؛ جدران كانت توفر للأسرة الحد الأدنى من الأمان والاستقرار، تحولت إلى ركام، فيما وجد رياض نفسه أمام واقع لا يترك له كثيراً من الخيارات. لم يجد أمامه سوى عربته، التي لم تعد مجرد وسيلة للعمل، وإنما أصبحت في الوقت ذاته مأوىً ومصدر رزق، تختصر في مساحتها الضيقة حكاية نزوح قسري وفقدان للسكن والعمل والاستقرار.
قصة رياض ليست حالة فردية معزولة، بل صورة تختزل معاناة عشرات الأسر التي وجدت نفسها أمام فقدان مساكنها وممتلكاتها ومصادر رزقها، نتيجة العمليات العسكرية والاقتحامات والدمار الذي طال أجزاء من مخيم طولكرم.
النزوح لا يعني فقدان المكان فقط
النزوح القسري لا يقتصر أثره على مغادرة المنزل؛ فهو يعني في كثير من الحالات فقدان البيئة الاجتماعية ومصدر الدخل والاستقرار النفسي والتعليم والخدمات الأساسية. وعندما يُهدم المسكن، يصبح النازح أمام أزمة مركبة: أين يسكن؟ وكيف يؤمّن احتياجات أسرته؟ ومن يتحمل مسؤولية إعادة بناء ما دُمّر؟
وفي حالة رياض أرحيل، تبدو المفارقة أكثر قسوة؛ فالعربة التي يفترض أن تكون وسيلة للعمل أصبحت مأوىً له، بينما يحاول استخدامها في الوقت نفسه لتأمين مصدر دخل يحفظ له ولأسرته كرامة العيش.
إنها صورة تختزل مأساة الإنسان الفلسطيني حين يفقد بيته، فلا يجد بديلاً سوى مساحة صغيرة من الحديد والمعدن، يحاول أن يجعل منها سقفاً فوق رأسه ووسيلة للبقاء.
من منظور القانون الدولي
إن الحق في السكن الملائم ليس ترفاً ولا منّة، بل حق أصيل كرسته قواعد القانون الدولي لحقوق الإنسان، ولا سيما العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. كما أن حماية المدنيين وممتلكاتهم في الأراضي الفلسطينية المحتلة تخضع لأحكام القانون الدولي الإنساني، وفي مقدمتها اتفاقية جنيف الرابعة.
وتحظر قواعد القانون الدولي الإنساني تدمير ممتلكات الأشخاص المحميين ما لم يكن هذا التدمير تفرضه بصورة قاطعة الضرورات العسكرية وفق الشروط التي يحددها القانون. كما أن التهجير القسري للسكان المدنيين محظور من حيث الأصل، ولا يمكن التعامل مع النزوح باعتباره مجرد نتيجة جانبية للأحداث، متى ارتبط بالإكراه أو بالإجراءات التي تجعل بقاء السكان في أماكنهم متعذراً أو غير آمن.
ومن هنا، فإن التعامل مع حالات النزوح وهدم المنازل ينبغي ألا يقتصر على الجانب الإغاثي، بل يجب أن يفتح الباب أمام المساءلة القانونية، والتحقيق في ظروف الهدم والنزوح، وتحديد المسؤوليات وفقاً للقواعد الوطنية والدولية ذات الصلة.
حين يصبح الفقر نتيجة للنزوح
الأخطر أن فقدان المسكن غالباً ما يترافق مع فقدان مصدر الدخل. فالإنسان الذي يُهجّر من منزله قد يفقد عمله ومحلّه وممتلكاته، ويجد نفسه مضطراً للبدء من الصفر في بيئة اقتصادية واجتماعية مثقلة بالأزمات.
وهنا تظهر مسؤولية المؤسسات الوطنية والجهات الإنسانية والمجتمع الدولي في توفير الحماية والمأوى والمساعدة، وعدم ترك النازحين لمواجهة مصيرهم بموارد محدودة.
كما أن حماية كرامة النازح تقتضي عدم اختزال معاناته في أرقام وتقارير إغاثية؛ فخلف كل منزل مهدّم أسرة، وخلف كل عربة تحولت إلى مأوى إنسان يحاول أن يتمسك بحقه في الحياة والعمل والكرامة.
رياض أرحيل.. شاهد على مأساة النزوح
في صورة رياض أرحيل، تختصر العربة أكثر من حكاية. إنها شهادة حية على ما يمكن أن يفعله النزوح بالإنسان عندما يفقد منزله ومصدر رزقه في آن واحد.
ومهما حاول الإنسان التأقلم مع واقعه الجديد، فإن العربة لا يمكن أن تكون بديلاً دائماً عن المنزل، كما أن الإغاثة المؤقتة لا يمكن أن تكون بديلاً عن الحق في السكن الآمن والمستقر.
إن قضية رياض تستحق أن تُرى باعتبارها قضية إنسانية وقانونية في آن واحد؛ فالحديث لا يدور فقط عن منزل هُدم، وإنما عن حق إنسان في السكن والأمان والعمل والعيش بكرامة، وعن مسؤولية تقع على عاتق كل من يملك القدرة على الحماية والمساعدة والمساءلة.
وفي النهاية، تبقى الصورة الأكثر قسوة أن يصبح ما كان وسيلةً لكسب الرزق هو نفسه المأوى، وأن يضطر إنسان نزح من مخيمه إلى أن يحوّل عربته إلى بيت، في انتظار أن يعود يوماً إلى مكان يستطيع فيه أن يعيش لا أن ينجو فقط.
إعداد: المحامي علي أبوحبلة



