موسم العنب في غزة …كروم متهالكة وعناقيد لا تكفي

الصحفية : ملاك ابو عودة

سبتمبر 2, 2026 - 13:11
موسم العنب في غزة …كروم متهالكة وعناقيد لا تكفي

موسم العنب في غزة …كروم متهالكة وعناقيد لا تكفي .

الصحفية : ملاك ابو عودة 

على مدّ البصر في مدينة الزهراء، جنوب غرب مدينة غزة، مشهد زراعي لأرضٍ لا تشبه ما كانت عليه قبل الحرب. ترابها الأحمر المائل إلى البني أنهكه الجفاف، وآثار التجريف خطوطًا واضحة على امتدادها، وأغصان يابسة، وجذوع أشجار اقتُلعت من جذورها. وبين مساحاتٍ فقدت جزءًا كبيرًا من كرومها، تتناثر أشجار قليلة متباعدة، في مشهدٍ يكشف حجم ما خسرته الأرض، وما تبقّى منها.

 

على مساحة تبلغ 30 دونمًا، يملكها أبو عاهد أبو مدين، 55 عامًا، يقف بين أشجارها بمقص التقليم، يعتني بها ويجهز محصول العنب المتبقي للبيع ، تضرب الشمس وجهه، ويسري العرق على جبينه، ويتوقف أحيانًا عن التقليم أثناء الحديث، يصمت للحظات ويتنهد، ثم يعود إلى أغصان العنب المتبقية أمامه.

 

منذ طفولته، عرف أبو عاهد الأرض رفيقةً ليومه ومصدرًا لرزقه، وكان العنب جزءًا أساسيًا من حياته ،قبل الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة التي بدأت في أكتوبر/تشرين الأول 2023، كانت دونماته الثلاثون تتوزع بين محاصيل مختلفة، فيما استحوذت كروم العنب على الجزء الأكبر منها.

 

لكن قذائف جيش الاحتلال الإسرائيلي غيّرت وجه الأرض؛ أُحرقت أشجار العنب وتضررت مساحات واسعة منها، فيما يحتاج ما نجا من الأشجار إلى رعاية وتأهيل مكثف حتى يستعيد قدرته على الإنتاج.

 

وعن علاقته بالعنب، يقول أبو عاهد: "فطوري وغذائي كان العنب"

 

قبل الحرب، كانت أرض أبو عاهد تنتج نحو طنين من العنب في الموسم الواحد، لكن الدمار خفّض الإنتاج إلى أقل من نصف طن فقط.

 

لكن ما حدث لأرض أبي عاهد لم يكن خسارةً منفردة، ففي أراضي شملخ، بمنطقة الشيخ عجلين جنوب مدينة غزة، تتكرر الحكاية بأرقام مختلفة، بعدما تهالكت الكروم ولم يبقَ منها إلا القليل.

 

هناك، يقف شريف شملخ، البالغ من العمر 50 عامًا، بين أشجار جديدة نمت في أرضه التي تبلغ نحو دونمين. قبل الحرب، كانت تنتج قرابة عشرة صناديق من العنب في الموسم، أما اليوم فلم يبقَ من كرومه سوى شجرتين أو ثلاث، لا تنتج أكثر من صندوق واحد.

 

يقول شريف: "هذه الأرض كل حياتي، نشأت بها وعشت فيها وعشت منها".

 

ويقلم شريف الأشجار الجديدة، فيما تستعيد ذاكرته شكل الكروم التي فقدها. لا يكفي الصندوق الوحيد للبيع أو لتأمين دخل؛ يأخذه إلى أسرته ويوزعه بينهم. عشرة صناديق كانت تخرج من أرضه كل عام، اليوم لا يخرج منها سوى صندوق واحد.

 

وبحسب بيانات أصدرتها وزارة الزراعة في قطاع غزة في 12 أغسطس/آب 2026، فقد تراجعت المساحة المزروعة بالعنب من نحو 6,500 دونم قبل الحرب إلى 676 دونمًا في عام 2026، فيما هبط الإنتاج المتوقع من نحو 8,000 طن إلى قرابة 500 طن.

 

وطال الضرر نحو 5,824 دونمًا من الأراضي المزروعة بالعنب، ودُمّرت قرابة 250 ألف كرمة، بينما قُدّرت الخسائر المباشرة التي لحقت بمنتجي العنب بنحو 6.27 مليون دولار.

 

ويعتمد على قطاع العنب نحو 1,500 مزارع، إلى جانب قرابة 500 امرأة وآلاف العمال الموسميين، وفق بيانات وزارة الزراعة. لذلك، فإن انحسار الموسم لا يعني محصولًا أقل فحسب، بل مصادر دخل تتقلص، وأسرًا تتأثر، وسلسلة كاملة من العمل المرتبط بالعنب تفقد جزءًا من قدرتها على الاستمرار.

 

وإذا كانت الخسارة تبدأ في الكرمة، فإن أثرها يصل في النهاية إلى مائدة الأسرة.

عصام أبو عودة، مواطن غزي، 59 عامًا، ويعيل ستة أبناء، لم يعد يشتري العنب كما كان قبل الحرب. كان يشتري نحو ثلاثة كيلوغرامات يوميًا، حتى عندما كان سعر الكيلوغرام في بداية الموسم يبلغ 10 أو 12 شيكلًا.

 

اليوم، يقول عصام إن العنب أصبح "بسعر الذهب". وصل سعر الكيلوغرام إلى نحو 14 أو 15 شيكلًا، وبالمبلغ الذي كان يشتري به سابقًا كيلوغرامين ونصفًا إلى ثلاثة، يكتفي الآن بكيلوغرام واحد يوزعه على أفراد أسرته الستة.

 

كما غيّرت الحرب طريقة شراء أسرته للفاكهة عمومًا. ففي الفترة الأولى من الحرب وحتى العام الماضي، لم تكن الأسرة تشتري منها إلا حبة أو حبتين عند الحاجة، خصوصًا للأطفال أو في حالات المرض. هذا العام، أصبح بإمكانه  شراء كيلوغرام من الفاكهة مرة واحدة تقريبًا في الأسبوع، ويُقسّم بين أفرادها.

 

ومن المائدة إلى السوق، يظهر التغير بصورة أخرى.

 

أبو أمجد العالول، 52 عامًا، تاجر فاكهة، يلمس أثره في الكميات التي تصل إليه والتكلفة التي يدفعها، ما يؤثر في قدرته على البيع والمتاجرة.

 

يصف أبو أمجد العالول موسم العنب الحالي بأنه «موسم بخيل». قبل الحرب، كان ينزل إلى السوق بنحو عشرة صناديق من العنب، أما اليوم فلا يتجاوز ما يتعامل معه صندوقًا أو صندوقين. وحتى ما يصل إلى السوق أصبح أكثر كلفة؛ فالتاجر يتحمل كلفة الوصول إلى الأرض والوقود والمواصلات والتعبئة، بما فيها أكياس النايلون التي ارتفعت أسعارها أيضًا.

 

إلى جانب ذلك، فإن غياب ظروف التخزين المناسبة لدى كثير من الأسر، خصوصًا التي تعيش في الخيام أو أماكن الإيواء، يجعل شراء كميات كبيرة أكثر صعوبة. لذلك يفضّل أبو أمجد شراء ما يستطيع تصريفه حتى لا يتحول ما تبقى من المحصول إلى خسارة جديدة.

 

ومن داخل السوق، يختصر أبو أمجد ما تغيّر في تجارة العنب بثلاث كلمات: «الكميات، الأسعار، والعرض».

 

وبين الأرض والسوق طريقٌ آخر تغيّرت تفاصيله منذ الحرب.

 

يعرف عوض حمد، 57 عامًا، هذا الطريق منذ سنوات؛ فهو يعمل في نقل الفواكه والمنتجات الزراعية، وكان ينقل العنب من مناطق الشيخ عجلين وأراضي شملخ إلى سوق فراس شرق مدينة غزة، الحسبة الرئيسية في قطاع غزة.

 

الطريق الذي كان يقطعه في نحو نصف ساعة، قد يحتاج اليوم إلى ساعة ونصف أو ساعتين بسبب تضرر الطرق والتجريف وأزمة حركة المركبات.

 

وتغيّرت كلفة الرحلة أيضًا؛ فكانت حمولة مركبة نصف نقل تُنقل بنحو 200 شيكل قبل الحرب، بينما تبلغ أجرة الكارة والحمار، وهي وسيلة نقل بدائية، نحو 300 شيكل، وتتراوح أجرة التوك توك بين 500 و600 شيكل.

 

أما الوقود، فيقول عوض حمد إن لتر البنزين كان بنحو 6 شواكل قبل الحرب، بينما وصل إلى نحو 40 أو 45 شيكلًا في الوقت الحالي، وارتفع سعر الكاز من 4 شواكل إلى 25 و30 شيكلًا، إلى جانب ارتفاع كلفة صيانة المركبات وقطع الغيار.

 

ولا يظهر التغير في سعر الرحلة وحده؛ قبل الحرب، كانت المركبة تحمل نحو 100 صندوق من العنب في الرحلة، أما اليوم فقد لا يجد في بعض الأراضي أكثر من أربعة أو خمسة صناديق. كمية أقل تقطع طريقًا أطول، بكلفة أعلى.

 

وبحسب رأفت عسلية، المتحدث باسم وزارة الزراعة، يُتوقع أن يكون موسم العنب في عام 2027 أفضل من موسم 2026، لكن العودة إلى مستويات ما قبل الحرب لن تكون سريعة، وستظل مرتبطة بتوفر المياه ومدخلات الإنتاج وإمكانية الوصول إلى الأراضي.

 

ويشير عسلية إلى مؤشرات أولية على قدرة بعض الكروم على التعافي؛ إذ تمكن مزارعون من إعادة إنبات كروم قديمة من جذورها، ونجح أحدهم في الوصول إلى نحو 30% من إنتاجه المعتاد قبل الحرب.

 

ويقول إن نحو 87% من الأراضي الزراعية في قطاع غزة ما زالت متضررة، ما يجعل تعافي العنب مرتبطًا بإعادة تأهيل الأرض والبنية الزراعية، وليس بتوفير الشتلات وحدها. ويقترح حصر الكروم وتصنيفها بحسب درجة الضرر، وإنقاذ الأشجار القابلة للتأهيل، وتوفير المياه والأسمدة ومستلزمات التقليم، وإعادة تأهيل الآبار وشبكات الري حيثما أمكن، وإعادة زراعة الأراضي التي فقدت كرومها بالكامل.

 

ويقدّر أن الكرمة القابلة للإنقاذ قد تبدأ بإظهار نمو جديد خلال موسم واحد إذا كانت جذورها سليمة، لكن استعادة إنتاج اقتصادي جيد قد تحتاج إلى موسمين أو ثلاثة. ولا يوجد حتى الآن، وفق عسلية، برنامج شامل مخصص لمزارعي العنب، لذلك يدعو إلى برنامج لإنعاش الكروم يشمل مستلزمات الإنتاج والمياه والشتلات والتدريب، إلى جانب معالجة مشكلات النقل والتسويق.

 

ورغم توقع تحسن الإنتاج في 2027، فإن عودة العنب إلى ما كان عليه قبل الحرب تحتاج إلى أكثر من موسم جيد؛ تحتاج إلى أرض قابلة للزراعة، وكروم تستعيد عافيتها، وطريق يستطيع المزارع أن يسلكه، وسوق يجد فيه لمحصوله مكانًا.

 

فبينما ينتظر أبو عاهد أن تكبر الأشجار الجديدة، ويواصل شريف ري ما نبت من أرضه، يظل موسم العنب القادم أكثر من رقم في جداول الإنتاج؛ إنه اختبار لما إذا كانت هذه الأرض، التي ظل أصحابها متمسكين بها رغم كل ما أصابها، قادرة على أن تُخرج من جديد ما يكفي ليصل من الكرمة إلى المائدة.