هل يتجاوز التصعيد الإسرائيلي في لبنان الخط الأصفر؟

سبتمبر 5, 2026 - 10:13
هل يتجاوز التصعيد الإسرائيلي في لبنان الخط الأصفر؟

هل يتجاوز التصعيد الإسرائيلي في لبنان الخط الأصفر؟

أبو شريف رباح
5\9\2026

يبدو أن تطورات العدوان الإسرائيلي على لبنان تتجه نحو مرحلة جديدة من التصعيد وقد تكون الساعات والأيام المقبلة حاسمة في تحديد مسار الأوضاع خاصة بعد إعلان جيش الاحتلال الإسرائيلي إحكام سيطرته العملياتية على مرتفعات علي الطاهر وما رافق ذلك من غارات جوية مكثفة وعمليات قصف وتفجير استهدفت مناطق عدة في الجنوب اللبناني، فمرتفعات علي الطاهر تكتسب أهمية خاصة بسبب موقعها الاستراتيجي وإشرافها على مناطق واسعة من النبطية وإقليم التفاح ومحيط الليطاني ومستعمرات اصبع الجليل ولذلك فإن السيطرة الإسرائيلية المعلنة عليها لا يمكن النظر إليها باعتبارها مجرد عملية عسكرية محدودة بل باعتبارها تطوراً قد تكون له تداعيات تتجاوز حدود الموقع نفسه.

والأخطر من ذلك أن العمليات العسكرية الإسرائيلية لم تعد محصورة ضمن نطاق ما يسمى بالخط الأصفر بل تترافق مع غارات بطائرات حربية ومسيّرات وعمليات تدمير واسعة في وقت تجاوزت فيه الضربات الإسرائيلية مناطق بعيدة عن خطوط المواجهة التقليدية، وهذا التطور يطرح سؤالاً كبيراً حول حدود التصعيد الإسرائيلي وما إذا كانت إسرائيل تعمل على فرض واقع ميداني بالقوة أم أنها تمهّد لمرحلة أوسع من العمليات العسكرية لذلك فإن استمرار هذا النهج الإسرائيلي يشكل خروجاً خطيراً على قواعد القانون الدولي وعلى مبدأ احترام سيادة الدول إذ لم يعد الأمر مقتصراً على استهداف مواقع عسكرية حسب رواية الاحتلال وإنما باتت القرى والبلدات اللبنانية تدفع ثمناً باهظاً فيما يعيش المدنيون تحت وطأة الخوف والتهجير والدمار حيث شهد الجنوب اللبناني خلال الفترة الأخيرة عمليات قصف وتفجير واسعة النطاق أدى إلى سقوط ضحايا مدنيين.

من الواضح أن إسرائيل تحاول من خلال عملياتها العسكرية تكريس معادلة جديدة في الجنوب اللبناني تقوم على إبقاء وجود عسكري ومناطق نفوذ تحت ذرائع أمنية وهو ما يثير مخاوف جدية من تحويل الواقع المؤقت إلى أمر دائم خصوصاً مع استمرار الحديث الإسرائيلي عن ضرورة إبعاد حزب الله وفرض ترتيبات أمنية جديدة بالقوة، وفي المقابل فإن استمرار هذه العمليات يضع اتفاق وقف إطلاق النار أمام اختبار حقيقي فكلما استمرت الغارات والعمليات البرية والتدمير تقلصت المسافة بين التصعيد المحدود وبين الانزلاق إلى مواجهة أوسع، كما أن أي عملية عسكرية كبيرة أو سقوط أعداد كبيرة من الضحايا قد تفرض على الأطراف المعنية اتخاذ قرارات لا تكون محسوبة النتائج.

ومن هنا فإن السؤال لم يعد فقط، ماذا تريد إسرائيل من عملياتها في الجنوب؟ بل أصبح، إلى أين تريد أن تأخذ المنطقة؟ فإذا كانت السيطرة على مرتفعات علي الطاهر جزءاً من عملية محدودة لتأمين مواقع عسكرية فقد تتوقف الأمور عند هذا الحد وتبدأ محاولات احتواء التصعيد، أما إذا كانت هذه السيطرة مقدمة لتوسيع المنطقة التي تحتلها إسرائيل داخل الأراضي اللبنانية بالتزامن مع تكثيف الغارات والضربات في مناطق أوسع فإن ذلك يعني أن المنطقة قد تكون أمام مسار أكثر خطورة لأن أي احتكاك مباشر بين جيش الإحتلال وحزب الله في هذه المرحلة يمكن أن يشكل شرارة تتدحرج سريع نحو الأسوء خصوصاً في ظل استمرار العمليات الإسرائيلية وتصاعد التوتر على الأرض، وقد شهدت الأيام الماضية مؤشرات على ارتفاع مستوى التوتر حول علي الطاهر بما في ذلك عمليات بطائرات مسيّرة وغارات في مناطق مختلفة من لبنان. 

يقف لبنان اليوم أمام مشهد بالغ الخطورة، غارات وتفجيرات وتدمير للأحياء والبلدات واستمرار احتلال للأراضي اللبنانية ومنع وعرقلة عودة السكان إلى مناطقهم ومنازلهم في وقت يبدو فيه أن قواعد الاشتباك التي كانت تضبط مستوى التصعيد أصبحت أكثر هشاشة، فهل يبقى الوضع في إطار التصعيد المدروس أم أن المنطقة تتجه فعلاً نحو مواجهة مفتوحة بين إسرائيل وحزب الله؟ الساعات والأيام المقبلة ستكون كفيلة بإظهار ما إذا كانت التطورات الأخيرة وفي مقدمتها مرتفعات علي الطاهر مجرد عملية عسكرية تسعى إسرائيل إلى تثبيت نتائجها أم أنها بداية لمرحلة جديدة من العدوان قد تتجاوز الخطوط التي كانت ترسم حدود المواجهة، وفي كل الأحوال فإن استمرار التصعيد بهذا الشكل يحمل مخاطر كبيرة على لبنان والمنطقة لأن الحرب عندما تتدحرج قد يصبح من الصعب على الأطراف التحكم بمسارها أو تحديد نهايتها ولذلك فإن المطلوب اليوم ليس اختبار المزيد من الخطوط الحمراء وإنما وقف مسلسل التصعيد قبل أن يتحول الجنوب اللبناني إلى ساحة مواجهة مفتوحة لا يستطيع أحد التكهن بمدياتها ونتائجها.