حين يصبح الترحيل «حلًا»: هل مهّدت حرب غزة لـ«الحل النهائي» للقضية الفلسطينية؟
د. إبراهيم نعيرات
د. إبراهيم نعيرات
ثمة احتمال سياسي بالغ الخطورة يستحق أن يُقرأ بجدية، لا باعتباره حقيقة معلنة أو خطة سرية مثبتة، وإنما باعتباره تحولًا محتملًا في الحسابات الإسرائيلية: أن تكون حرب غزة قد غيّرت الظروف التي كانت تجعل بعض السيناريوهات شديدة الكلفة أو شبه مستحيلة، وجعلتها أكثر قابلية للتفكير والتنفيذ.
فإسرائيل امتلكت طوال عقود قوة عسكرية هائلة، لكنها كانت تدرك وجود سقف دولي وأمريكي يصعب تجاوزه دون أثمان كبيرة. غير أن الحرب ربما غيّرت معنى هذا السقف. فقد استخدمت إسرائيل قوة هائلة، وأحدثت دمارًا ونزوحًا واسعًا، وتعرضت لإدانة دولية وأخلاقية كبيرة، من دون أن تتحول هذه الإدانة إلى ضغط قادر على إجبارها على التراجع. وقد يكون الاستنتاج الأخطر لبعض دوائر القرار أن إسرائيل تستطيع الذهاب بعيدًا جدًا، وتحمل قدر كبير من العزلة والانتقاد، والاستمرار في فرض الوقائع على الأرض. وعندما تترسخ مثل هذه القناعة، فإن ما كان خطًا يصعب تجاوزه يصبح عتبة قابلة للاختبار، وما كان مغامرة سياسية يصبح احتمالًا يمكن التفكير فيه.
وهنا لا تكمن أهمية المجتمع الدولي في حجم الإدانة وحده، بل في الفجوة بين الإدانة والقدرة على الفعل. فالحرب أظهرت أن اتساع الرفض السياسي والأخلاقي لا يعني بالضرورة قدرة مماثلة على وقف إسرائيل أو تغيير سلوكها. وهذه الفجوة قد تصبح عنصرًا في الحساب الإسرائيلي: فإذا أمكن تحمل قدر كبير من الضغط السياسي والقانوني والأخلاقي والاستمرار في فرض الوقائع، فإن هامش الحركة قد يبدو لبعض القوى أوسع مما كان عليه قبل الحرب. ولا يعني ذلك أن المجتمع الدولي عاجز أو أن الضغوط بلا أثر، وإنما أن قدرتها على تحويل الرفض إلى تغيير فعلي في السلوك أصبحت جزءًا من اختبار المرحلة المقبلة.
من هنا تبرز خطورة السيناريو الذي تتبناه بعض قوى اليمين الإسرائيلي: دفع الفلسطينيين إلى مغادرة مناطقهم، وتغيير الواقع السكاني والجغرافي، وتوسيع الاستيطان والسيطرة، ثم تثبيت هذا الواقع بالضم، بما يغلق الطريق أمام قيام كيان فلسطيني مستقل ومتماسك وقابل للحياة. و«الحل النهائي» هنا لا يحمل المعنى التاريخي المرتبط بالمحرقة النازية، وإنما يعني أقصى سيناريو سياسي يمكن أن ينتهي إليه مسار السيطرة والتهجير والضم: إنهاء القضية الفلسطينية لا عبر اتفاق ينهي الصراع، وإنما عبر تغيير شروط الوجود الفلسطيني على الأرض إلى درجة يصبح معها قيام كيان فلسطيني مستقل بالغ الصعوبة أو مستحيلًا.
والأخطر أن هذا المسار لا يحتاج بالضرورة إلى قرار واحد كبير ومعلن. فقد يبدأ بتغيير شروط الحياة، وتوسيع السيطرة والاستيطان، وتجزئة المجال الفلسطيني، ودفع السكان بصورة مباشرة أو غير مباشرة إلى الرحيل، ثم تحويل السيطرة العسكرية إلى واقع دائم، وصولًا إلى الضم باعتباره تثبيتًا سياسيًا وقانونيًا لواقع سبق أن تشكل على الأرض. ولا يعني ذلك أن قرارًا إسرائيليًا معلنًا بالترحيل قد اتُخذ بالفعل، بل إن وجود قوى سياسية تتبنى هذه الرؤية، في ظل بيئة تغيرت بفعل الحرب، يجعل احتمال انتقالها من الهامش إلى المجال السياسي أمرًا يستحق القلق.
وحرب غزة قد تكون ساهمت، عن قصد أو من دونه، في خلق هذه البيئة. فهي لم تغيّر غزة ماديًا فقط، بل غيّرت أيضًا النقاش حول مستقبل العلاقة بين الفلسطينيين والإسرائيليين. وفي الضفة الغربية تزامن ذلك مع توسع الاستيطان والسيطرة والعنف والتهجير، بما يعيد تشكيل الواقع الجغرافي والسياسي. أما داخل إسرائيل، فقد عمقت صدمة السابع من أكتوبر والخوف والرهائن والحرب الطويلة الاعتقاد لدى قطاعات من المجتمع بأن الصراع لم يعد نزاعًا سياسيًا يمكن حله بالتفاوض، وإنما خطرًا أمنيًا دائمًا، وجعلت فكرة الفصل الكامل أكثر قابلية للتصور.
وهنا تبدأ إحدى أخطر عمليات التحول: إعادة تعريف الترحيل نفسه. فقد لا يُقدَّم باعتباره طردًا، بل «نقلًا إلى مكان أكثر أمنًا»، ولا باعتباره اقتلاعًا، بل «إنهاءً للمعاناة»، ولا باعتباره استيلاءً على الأرض، بل «حماية للطرفين». وإذا التقت هذه الرواية مع الاعتقاد بأن التعايش أصبح مستحيلًا وأن الفصل الكامل هو الطريق الوحيد إلى الأمن، فإن الترحيل يمكن أن ينتقل من خطاب متطرف إلى خيار سياسي أكثر قابلية للتسويق، حتى خارج الدوائر التي كانت تتبناه أصلًا.
لكن الأخطر هو ما يمكن أن تكون الحرب قد فعلته داخل المجتمع الإسرائيلي نفسه. فما كان قبل الحرب قناعات متطرفة ومواقف هامشية لدى فئات محدودة من اليمين لم يعد بالضرورة محصورًا في أصحابها؛ ليس لأن المجتمع كله تبناها، وإنما لأن الحرب وضعت قطاعات واسعة منه، بحكم المشاركة فيها وتحمل تبعاتها، داخل دائرة المسؤولية عن نتائجها. وهنا يكمن أحد أهم ما استطاع اليمين إنجازه: لم يعد المجتمع مجرد متفرج على سياساته الأكثر تطرفًا، بل أصبح، بدرجات مختلفة، شريكًا قسريًا في تبعات المسار الذي أنتجته الحرب، حتى من دون أن يكون شريكًا في أيديولوجيته.
وهذا فرق جوهري. فالمسألة ليست أن اليمين نجح في إقناع كل الإسرائيليين بالترحيل أو الضم، وإنما أن الحرب جعلت قطاعات واسعة منهم تعيش نتائجها وتتحمل كلفتها وتدخل في دائرتها الأخلاقية والسياسية. وبذلك قد لا يحتاج اليمين مستقبلًا إلى إقناع المجتمع بكل أفكاره؛ إذ يمكن أن تُقدَّم الإجراءات الأكثر قسوة تجاه الفلسطينيين باعتبارها امتدادًا ضروريًا لمسار أصبح المجتمع نفسه جزءًا من تبعاته، وباعتبارها ثمنًا لاستعادة الأمن ومنع تكرار السابع من أكتوبر. وقد يؤدي ذلك إلى خفض الحاجز النفسي والسياسي أمام تحمل إجراءات كان يصعب تصور قبولها قبل الحرب.
وهنا يصبح العنف نفسه جزءًا من إنتاج «الحل»: استمرار العنف يعزز الاعتقاد باستحالة التعايش، واستحالة التعايش تبرر الفصل، والفصل يفتح الطريق أمام الترحيل، والترحيل يهيئ لتثبيت السيطرة والضم. وعندها لا يعود العنف مجرد نتيجة للصراع، بل يتحول في الوعي السياسي لبعض القوى إلى دليل على أن الصراع لا يمكن إنهاؤه إلا بتغيير شروط وجود أحد طرفيه.
وفي هذا السياق تصبح الانتخابات الإسرائيلية المقبلة أكثر من معركة على شخص نتنياهو. فهي اختبار للاتجاه الذي ستأخذه إسرائيل بعد الحرب. فإذا عادت القوى التي دفعت نحو الاستيطان والضم وتعزيز السيطرة، فقد تُقرأ النتيجة كتفويض لمواصلة المسار وتوسيعه. لكن سقوط نتنياهو لا يعني بالضرورة سقوط منطقه؛ فقد يكون الخلاف حول السرعة والكلفة والطريقة، لا حول استمرار السيطرة أو رفض قيام دولة فلسطينية. لذلك لا يكمن الخطر في شخص واحد أو حزب واحد، بل في مقدار ما أصبحت هذه التصورات تشغله داخل السياسة والمجتمع الإسرائيليين.
وقد لا يصوت الإسرائيليون للترحيل مباشرة. فقد يصوتون للأمن، ولمنع قيام دولة فلسطينية، ولحماية المستوطنات، ولإبقاء السيطرة الإسرائيلية، ثم تتراكم نتائج هذه الخيارات حتى تنتج واقعًا يقترب من النتيجة نفسها. فأخطر المشاريع ليست دائمًا تلك التي تعلن غايتها النهائية، بل تلك التي تقدم كل خطوة باعتبارها استجابة لضرورة أمنية أو ظرف استثنائي، حتى ينتج مجموع الخطوات واقعًا دائمًا يصعب التراجع عنه.
ولا يعني هذا أن حرب غزة بدأت بوصفها خطة معدة مسبقًا للوصول إلى الترحيل، ولا أن المجتمع الإسرائيلي كله أصبح مؤيدًا له. مثل هذا الاستنتاج يتجاوز ما يمكن إثباته. لكن الأحداث الكبرى لا تحتاج إلى أن تكون مخططة منذ البداية حتى تنتج ظروفًا يستغلها أصحاب المشاريع السياسية لاحقًا. وقد تكون الحرب، بهذا المعنى، قد غيّرت شروط إمكان الترحيل أكثر مما صنعت الترحيل نفسه.
ولهذا فإن «الحل النهائي» لا يبدأ بالضرورة يوم يصدر قرار بالترحيل، بل قبل ذلك بكثير: عندما يصبح وجود الفلسطينيين نفسه يُنظر إليه باعتباره المشكلة، ويصبح التخلص من الصراع مرادفًا للتخلص من شروط وجوده، وتتحول السيطرة إلى واقع دائم، والضم إلى نتيجة طبيعية، والترحيل إلى خيار يمكن تبريره سياسيًا وأمنيًا وأخلاقيًا.
فالمسألة في نهايتها ليست ما إذا كان هناك اليوم قرار إسرائيلي معلن بالترحيل، وإنما ما إذا كانت الحرب قد بدأت نقل هذه الفكرة من المستحيل إلى الممكن، ومن الممكن إلى القابل للتفكير، ومن القابل للتفكير إلى القابل للتسويق، ثم إلى القابل للتنفيذ عندما تتوافر اللحظة السياسية المناسبة.
وهنا تحديدًا تكمن خطورة اللحظة: أن تكون حرب غزة لم تفتح الطريق إلى الترحيل مباشرة، وإنما أعادت تشكيل البيئة الدولية والإسرائيلية التي يمكن أن تجعل الترحيل، يومًا ما، قابلًا لأن يُقدَّم باعتباره «حلًا»؛ مجتمع دولي قادر على الإدانة أكثر من قدرته على الردع، ومجتمع إسرائيلي وجد نفسه، بحكم الحرب، داخل دائرة تبعاتها ومسؤوليتها. وعند نقطة التقاء هذين المسارين، يمكن لما كان جريمة لا يمكن تصورها أن يبدأ بالتحول إلى ضرورة أمنية أو إنسانية يعتقد أصحابها أنهم وجدوا لها المبرر، والظرف، واللحظة، والتفويض.



