*ضمّ الضفة الغربية وعنف المستوطنين: تداعيات تهدد استقرار المنطقة والكيان الإسرائيلي*

سبتمبر 3, 2026 - 18:22
سبتمبر 3, 2026 - 18:24
*ضمّ الضفة الغربية وعنف المستوطنين: تداعيات تهدد استقرار المنطقة والكيان الإسرائيلي*

*ضمّ الضفة الغربية وعنف المستوطنين: تداعيات تهدد استقرار المنطقة والكيان الإسرائيلي*

أبو شريف رباح 

3\9\2026

تعيش الأراضي الفلسطينية المحتلة ولا سيما الضفة الغربية والقدس مرحلة بالغة الخطورة في ظل تصاعد اعتداءات المستوطنين واتساع رقعة الاستيطان واستمرار الإجراءات الرامية إلى فرض وقائع جديدة على الأرض، يترافق ذلك مع حديث متزايد داخل الأوساط السياسية الإسرائيلية عن إمكانية ضم أجزاء واسعة من الضفة الغربية الأمر الذي يفتح الباب أمام تداعيات سياسية وأمنية وإنسانية تتجاوز حدود الأراضي الفلسطينية لتطال دول المنطقة بأسرها.

ويشكل تصاعد اعتداءات المستوطنين المسلحين ضد المواطنين الفلسطينيين في الضفة الغربية والقدس أحد أبرز مظاهر التوتر فقد شهدت مناطق مختلفة اعتداءات على المواطنين وممتلكاتهم ومنازلهم وأراضيهم الزراعية إلى جانب محاولات فرض واقع استيطاني جديد تحت ذرائع متعددة، وتكتسب هذه الاعتداءات خطورتها من كونها تجري بالتوازي مع التوسع الاستيطاني ومصادرة الأراضي بما يهدد الوجود الفلسطيني ويزيد من صعوبة الوصول إلى تسوية سياسية قائمة على الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني. 

وإلى جانب الصراع مع الفلسطينيين يواجه المجتمع الإسرائيلي جملة من التحديات والانقسامات الداخلية ذات الطابع الاجتماعي والثقافي والاقتصادي، ومن أبرزها التفاوتات التاريخية بين اليهود ولا سيما بين ذوي الأصول الأوروبية والغربية من جهة وذوي الأصول الشرقية والشرق أوسطية من جهة أخرى قد تركت هذه التفاوتات آثارا على توزيع النفوذ والفرص الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في المجتمع الإسرائيلي، ومع استمرار الشعور لدى بعض الفئات بوجود فجوات في الحقوق والفرص والتمثيل فإن هذه المسائل يمكن أن تتحول إلى عوامل إضافية للتوتر الداخلي خصوصا عندما تتقاطع مع الانقسامات السياسية والأيديولوجية والسياسية حول طبيعة الدولة ومستقبلها وحول قضايا الأمن والاستيطان والعلاقة مع الفلسطينيين إضافة إلى خلافات تتعلق بإدارة الاقتصاد والمؤسسات العامة.

وقد انعكست هذه الانقسامات على الحياة السياسية والاجتماعية الإسرائيلية وظهرت بصورة واضحة في الخلافات بين الأحزاب والتيارات المختلفة إضافة إلى التوترات التي يمكن أن تنشأ حول المؤسسة العسكرية ودورها في إدارة الصراعات الداخلية والخارجية، ففي حال استمرار هذه الاستقطابات واتساعها فإنها قد تشكل تحديا أمام قدرة المؤسسات الإسرائيلية على الحفاظ على مستوى متماسك من الاستقرار الداخلي ولا سيما إذا تزامنت مع أزمات أمنية واقتصادية متلاحقة.

وفي ظل الحديث المتزايد عن مخططات لضم الضفة الغربية وتوسيع المستوطنات تتزايد المخاوف الفلسطينية والعربية والدولية من أن يؤدي فرض هذه الوقائع إلى موجة جديدة من التهجير القسري للفلسطينيين، وتزداد حساسية هذا السيناريو بالنسبة إلى دول الجوار وفي مقدمتها الأردن وسوريا ولبنان التي تنظر بقلق إلى احتمال تحويل قضية التهجير إلى أزمة إقليمية واسعة، فاستمرار التوسع الاستيطاني وتصاعد اعتداءات المستوطنين وهدم المنازل ومصادرة الأراضي والممتلكات قد يخلق ظروفا تدفع أعداداً كبيرة من الفلسطينيين إلى مغادرة مناطقهم تحت ضغط الخوف وانعدام الأمن والأمان، ولا يمكن النظر إلى مثل هذا السيناريو باعتباره قضية فلسطينية فقط إذ إن أي عملية تهجير واسعة ستترك آثاراً سياسية وأمنية واقتصادية وإنسانية عميقة على دول المنطقة وقد تؤدي إلى زعزعة الاستقرار الإقليمي وفتح ملفات جديدة من الصراعات والأزمات.

وفي حال إقدام إسرائيل على تنفيذ ضم واسع للضفة الغربية فإن التداعيات السياسية ستكون كبيرة وقد تشمل مستقبل السلطة الوطنية الفلسطينية وترتيبات الحكم والأمن في الأراضي الفلسطينية، كما أن انهيار الإطار السياسي القائم قد يفتح الباب أمام مرحلة شديدة الخطورة تتزايد فيها احتمالات الفوضى والعنف والمواجهات خصوصاً في ظل وجود جماعات استيطانية متطرفة تدعو إلى توسيع السيطرة على الأرض الفلسطينية ورفض أي تسوية سياسية، ومن أخطر السيناريوهات التي قد تنتج عن ذلك اتساع دائرة العنف ضد الفلسطينيين وما يمكن أن يترتب عليه من نزوح داخلي أو تهجير إلى خارج الأراضي الفلسطينية، إلا أن تحقق هذا السيناريو ليس أمراً حتميا إذ يرتبط بمواقف الأطراف الفلسطينية والعربية والدولية وبقدرتها على منع فرض واقع جديد بالقوة.

في المقابل يبقى العامل الفلسطيني حاسما في مواجهة أي مخططات تستهدف تغيير الواقع الديموغرافي والجغرافي في الضفة الغربية، فتمسك الفلسطينيين بأرضهم وحقوقهم الوطنية إلى جانب الموقف العربي والدولي الرافض للتهجير القسري وضم الأراضي المحتلة يمكن أن يشكل عاملا أساسيا في الحد من فرص تنفيذ مثل هذه المخططات، كما أن وحدة الموقف العربي ووضوح الموقف الدولي تجاه الاستيطان والتهجير والضم يمكن أن يساهما في خلق ضغوط سياسية تحول دون انتقال المنطقة إلى مرحلة أكثر خطورة، لذلك فإن مستقبل الصراع لن يتحدد فقط من خلال موازين القوة العسكرية وإنما أيضاً من خلال قدرة المجتمع الإسرائيلي على إدارة تناقضاته الداخلية، وقدرة الفلسطينيين على الصمود والحفاظ على وجودهم والموقفين العربي والدولي تجاه مشاريع الضم والتهجير.

ومن هذا المنطلق فإن استمرار الاستيطان وعنف المستوطنين وتصاعد الانقسامات الداخلية الإسرائيلية قد يؤدي إلى إضعاف قدرتها على الحفاظ على تماسكها السياسي والاجتماعي خصوصا إذا ترافقت هذه العوامل مع أزمات أمنية واقتصادية متراكمة، ومن المؤكد أن استمرار الاحتلال والاستيطان ورفض الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني يحمل مخاطر كبيرة على مستقبل الاستقرار في المنطقة وأن أي محاولة لفرض الضم أو التهجير بالقوة قد تكون لها نتائج تتجاوز قدرة الأطراف على التحكم بمسارها، وفي المحصلة فإن حماية حقوق الشعب الفلسطيني ومنع التهجير القسري ووقف التوسع الاستيطاني وفتح الطريق أمام حل سياسي عادل لا تمثل فقط ضرورة فلسطينية بل تشكل أيضا مصلحة إقليمية ودولية في تجنيب المنطقة دورة جديدة من العنف وعدم الاستقرار.