إعادة إنعاش السلطة الفلسطينية بالمفهوم الأميركي–الأوروبي والاشتراطات الإسرائيلية: بين خطاب الإصلاح ومشروع إعادة هندسة القضية الفلسطينية
إعداد: المحامي علي أبو حبلة
إعادة إنعاش السلطة الفلسطينية بالمفهوم الأميركي–الأوروبي والاشتراطات الإسرائيلية: بين خطاب الإصلاح ومشروع إعادة هندسة القضية الفلسطينية
إعداد: المحامي علي أبو حبلة
لم يعد الحديث الأميركي والأوروبي عن "إعادة إنعاش السلطة الفلسطينية" مجرد مبادرة لدعم المؤسسات الفلسطينية أو معالجة أزمتها المالية، بل أصبح جزءًا من رؤية سياسية أشمل لإعادة صياغة المشهد الفلسطيني في مرحلة ما بعد الحرب على غزة. وتقوم هذه الرؤية على ربط أي دعم سياسي أو اقتصادي أو مالي بحزمة من الإصلاحات الإدارية والأمنية والاقتصادية، في حين تتجاهل بصورة لافتة السياسات الإسرائيلية التي تشكل السبب الرئيس في إضعاف السلطة الفلسطينية وتقويض فرص إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة.
إن هذا النهج يثير إشكالية جوهرية تتمثل في اختزال القضية الفلسطينية إلى مسألة "إصلاح السلطة"، بينما يتم التغاضي عن الاحتلال بوصفه أصل المشكلة، وعن الاستيطان والضم والتهجير القسري وسياسات تغيير الواقع الديموغرافي والجغرافي في الأرض الفلسطينية المحتلة.
لقد دأبت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي على التأكيد على ضرورة إصلاح مؤسسات السلطة الفلسطينية، وتعزيز الحوكمة، وإعادة هيكلة الأجهزة الأمنية، وتحسين الإدارة المالية، وربط المساعدات بتنفيذ أجندة إصلاحية. وفي المقابل، لا نجد اشتراطات مماثلة تُفرض على إسرائيل لوقف الاستيطان أو إنهاء الاحتلال أو وقف الاعتداءات اليومية على الفلسطينيين، رغم أن الاتحاد الأوروبي يؤكد رسمياً أن المستوطنات غير شرعية وأن عنف المستوطنين والتوسع الاستيطاني يقوضان حل الدولتين.
وفي الوقت الذي تُطالب فيه السلطة الفلسطينية بإصلاحات داخلية، تواصل الحكومة الإسرائيلية تنفيذ سياسات ممنهجة لتقويض وجودها السياسي والاقتصادي، من خلال اقتطاع أموال المقاصة الفلسطينية، وفرض قيود مالية على الاقتصاد الفلسطيني، والتضييق على عمل البنوك، والسيطرة على المعابر والموارد، بما يتعارض مع الالتزامات المترتبة على إسرائيل بموجب الاتفاقات الموقعة والقانون الدولي. كما دعت دول أوروبية علناً إلى رفع القيود المالية المفروضة على السلطة الفلسطينية والاقتصاد الفلسطيني.
وفي موازاة ذلك، تتسارع مشاريع الاستيطان بصورة غير مسبوقة. فقد أعلن وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش مراراً أن الهدف هو "ترسيخ السيطرة الإسرائيلية على الأرض" ومنع قيام دولة فلسطينية، بينما دفعت حكومته باتجاه توسيع المستوطنات وتخصيص ميزانيات ضخمة للبنية التحتية الاستيطانية، بما يشمل الطرق وشبكات الخدمات، في إطار سياسة فرض "حقائق على الأرض".
ولم تعد الدعوات إلى ضم أجزاء واسعة من الضفة الغربية مجرد مواقف فردية، بل أصبحت جزءاً من الخطاب الرسمي لوزراء وأعضاء في الحكومة الإسرائيلية، الذين يدعون إلى فرض السيادة الإسرائيلية على المنطقة (ج) والأغوار بحسب تقسيمات أوسلو الإدارية وهي تقسيمات تتعارض مع القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة، ورفض إقامة دولة فلسطينية مستقلة. وقد أعرب الاتحاد الأوروبي في بيانات رسمية عن معارضته الصريحة لدعوات الضم والتهجير القسري، معتبراً أنها تنتهك القانون الدولي وتقوض فرص السلام.
أما على الأرض، فإن سياسة الضم تتجسد عملياً في التوسع الاستيطاني، وشق الطرق الالتفافية، وإقامة البؤر الاستيطانية، والاستيلاء على الأراضي الخاصة، وربط المستوطنات بشبكات مواصلات حديثة، بما يؤدي إلى تفتيت الضفة الغربية إلى كانتونات منفصلة، ويحول دون قيام دولة فلسطينية متصلة جغرافياً.
وفي القدس المحتلة، تتواصل سياسة التهويد بوتيرة متسارعة، من خلال توسيع الاستيطان، وهدم المنازل، وسحب الهويات، وفرض القيود على المقدسات الإسلامية والمسيحية، وتغيير الطابع العمراني والديموغرافي للمدينة، في مخالفة صريحة لقرارات الأمم المتحدة والقانون الدولي.
ولا يقل خطورة عن ذلك تصاعد إرهاب المستوطنين، الذي أصبح يشكل أداة موازية لسياسة الضم. وتشير تقارير دولية إلى ارتفاع غير مسبوق في الاعتداءات على الفلسطينيين وممتلكاتهم، وسط اتهامات للحكومة الإسرائيلية بتوفير الحماية السياسية والقانونية للمستوطنين، في حين أكدت بيانات أوروبية أن عنف المستوطنين بلغ مستويات غير مسبوقة، وطالبت بمحاسبة مرتكبيه.
وفي الجانب الثقافي والتعليمي، تتزايد الدعوات الإسرائيلية إلى فرض رقابة على المناهج الفلسطينية وربط التمويل بإجراء تعديلات عليها، في إطار رؤية أوسع لإعادة تشكيل الهوية الوطنية الفلسطينية بما يتوافق مع الرؤية الإسرائيلية، وهو ما يثير مخاوف جدية من تحويل الإصلاح التعليمي إلى أداة للتدخل في الرواية الوطنية الفلسطينية.
كما تتضمن الرؤية المطروحة إعادة صياغة الاقتصاد الفلسطيني ليبقى مرتبطاً بالاقتصاد الإسرائيلي، مع استمرار القيود على التجارة والاستيراد والتصدير والتحويلات المالية، وهو ما يبقي الاقتصاد الفلسطيني رهينة للقرارات الإسرائيلية، ويحول دون تحقيق تنمية مستقلة ومستدامة.
وتشير اللقاءات والوثائق الأوروبية المتعلقة بدعم السلطة الفلسطينية إلى التركيز على تنفيذ أجندة الإصلاح المالي والإداري، وتقديم الدعم عبر آليات أوروبية مخصصة، في الوقت الذي يستمر فيه النقاش حول دعم التعافي وإعادة الإعمار، دون وجود آلية دولية ملزمة تُجبر إسرائيل على وقف سياساتها الاستيطانية أو إعادة الأموال الفلسطينية المحتجزة أو إنهاء الإجراءات الأحادية التي تقوض حل الدولتين.
إن الإصلاح الحقيقي الذي يحتاجه الشعب الفلسطيني هو إصلاح وطني مستقل، يهدف إلى تعزيز سيادة القانون، وتجديد الشرعيات عبر الانتخابات، وإعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية، وتحقيق الوحدة الوطنية، وليس إصلاحاً مشروطاً يخضع لأولويات الاحتلال أو المانحين.
وفي المقابل، فإن المجتمع الدولي مطالب بالانتقال من مرحلة إصدار بيانات الإدانة إلى مرحلة اتخاذ إجراءات عملية وملزمة لوقف الاستيطان، وإنهاء مصادرة الأراضي، ووقف الاعتداءات على الفلسطينيين، وإلزام إسرائيل بتنفيذ الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية، وقرارات مجلس الأمن، وفي مقدمتها القرار 2334، وإنهاء جميع الإجراءات الأحادية التي تستهدف تغيير الوضع القانوني والجغرافي والديموغرافي للأراضي الفلسطينية المحتلة.
إن أي مشروع لإعادة إنعاش السلطة الفلسطينية يتجاهل الاحتلال، والاستيطان، والضم، ومصادرة الأراضي، واحتجاز أموال المقاصة، وإرهاب المستوطنين، وتهويد القدس، وهندسة الجغرافيا الفلسطينية والديموغرافيا، لا يمثل مشروعاً للسلام، بل مشروعاً لإدارة الاحتلال وإعادة إنتاجه بصورة جديدة. ولذلك فإن المدخل الحقيقي للاستقرار يبدأ بإنهاء الاحتلال وتجسيد حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة كاملة السيادة على حدود الرابع من حزيران/يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، وفقاً لقرارات الشرعية الدولية والقانون الدولي.



