السلطات الجزائرية تفرج عن المعارض فتحي غراس بعد ساعات من توقيفه
أعلنت مصادر مقربة من عائلة المعارض الجزائري فتحي غراس عن إخلاء سبيله، مساء السبت، وذلك بعد ساعات قليلة من توقيفه من قبل الأجهزة الأمنية في العاصمة الجزائرية. وجاء هذا القرار عقب إجراءات أمنية شملت وضعه تحت النظر لفترة وجيزة، في خطوة أثارت تفاعلاً واسعاً في الأوساط السياسية والحقوقية المحلية.
وأكدت مسعودة شبالة، زوجة المعارض والناشطة السياسية أن السلطات قررت الإفراج عن زوجها مع الإبقاء على هاتفه المحمول محجوزاً. وأوضحت أن الهدف من حجز الهاتف هو إخضاعه لعملية تفتيش إلكتروني دقيقة ضمن مسار التحقيقات الجارية، مشيرة إلى أن غراس عاد إلى منزله بعد انتهاء الإجراءات الأولية.
وكانت عملية التوقيف قد تمت في وقت مبكر من يوم السبت، حيث قامت عناصر أمنية بزي مدني باقتياد غراس من منزل عائلته الواقع في منطقة جسر قسنطينة بالعاصمة. وأفادت زوجته في وقت سابق أنها تلقت اتصالاً رسمياً يبلغها بوضع زوجها تحت الحراسة النظرية، وهو ما دفعها لانتقاد الملاحقات المستمرة ضده بسبب آرائه.
ويرى مراقبون أن هذا التوقيف المفاجئ قد يرتبط بمواقف غراس الأخيرة، خاصة انتقاداته الحادة لطريقة إدارة السلطات لأزمة الحرائق التي اندلعت في ولاية جيجل وعدة مناطق شرقية. حيث تسببت تلك الحرائق في خسائر بشرية ومادية، مما فتح باب الجدل حول كفاءة خطط الطوارئ والتدخل السريع في مثل هذه الأزمات.
ويشغل فتحي غراس منصب المنسق الوطني لحزب الحركة الديمقراطية والاجتماعية، وهو تنظيم سياسي يمثل الامتداد التاريخي للحركة الشيوعية في الجزائر. ويعاني الحزب حالياً من تجميد نشاطه بقرار قضائي صدر قبل نحو خمس سنوات، بناءً على دعوى رفعتها وزارة الداخلية تتهم فيها الحزب بممارسة أنشطة غير مرخصة.
ويواجه غراس في الوقت الراهن ضغوطاً قضائية مستمرة، حيث يخضع لحكم سابق يقضي بسجنه لمدة عامين مع غرامة مالية ثقيلة تصل إلى 300 ألف دينار. وتعود خلفية هذا الحكم إلى تصريحات أدلى بها واعتبرتها الجهات القضائية مسيئة لشخص رئيس الجمهورية ومؤسسات الدولة.
وكانت محكمة الاستئناف قد أيدت في يوليو الماضي الأحكام الصادرة بحق غراس، بعد إدانته بتهم تتعلق بإهانة هيئة نظامية ونشر معلومات كاذبة. واستندت المحكمة في قرارها إلى مواد من قانون العقوبات تتعلق بالمساس بالنظام العام والأمن العام، وهو ما ترفضه هيئة الدفاع جملة وتفصيلاً.
من جانبها، طالبت هيئة الدفاع عن غراس بضرورة تبرئته من كافة التهم، معتبرة أن ما يصدر عنه يندرج ضمن حرية التعبير التي كفلها الدستور الجزائري. وشدد المحامون في جلسات سابقة على أن الملف يفتقر إلى الأسس القانونية المتينة، وأن الملاحقات تأتي في سياق التضييق على العمل السياسي المعارض.
ولا تعد هذه المواجهة القضائية الأولى من نوعها لغراس، فقد سبق وأن أدانته محكمة باب الوادي في مطلع عام 2025 بالسجن النافذ لمدة سنة. وشمل ذلك الحكم إلزامه بدفع تعويضات للخزينة العمومية ودينار رمزي لرئيس الجمهورية، في قضايا ارتبطت بنشاطه خلال الحملات الانتخابية الرئاسية.
وقد أمضى غراس سابقاً نحو تسعة أشهر خلف القضبان في سجن الحراش الشهير، قبل أن يتم الإفراج عنه في شهر مارس من عام 2022. وتأتي هذه السلسلة من التوقيفات والمحاكمات لتعكس حالة الشد والجذب المستمرة بين السلطة الحالية والوجوه السياسية التي تتبنى خطاباً راديكالياً معارضاً.
ويعرف عن فتحي غراس نشاطه المكثف عبر منصات التواصل الاجتماعي، حيث يستخدمها كمنبر بديل لإيصال آرائه السياسية في ظل تجميد نشاط حزبه. وتلقى مداخلاته عبر القنوات الفضائية ومقاطع الفيديو التي ينشرها متابعة واسعة، كما تثير في الوقت ذاته حفيظة الجهات الرسمية.
الحركة الديمقراطية والاجتماعية التي يقودها غراس كانت قد اتخذت موقفاً مقاطعاً للعملية الانتخابية التي تلت الحراك الشعبي في عام 2019. ويرى الحزب أن الشروط السياسية للتحول الديمقراطي لم تكتمل بعد، مما جعله في صدام دائم مع خارطة الطريق التي رسمتها السلطة بعد استقالة الرئيس السابق.
وينتظر الشارع السياسي في الجزائر ما ستسفر عنه الإجراءات القضائية المقبلة، خاصة عند تقديم غراس أمام وكيل الجمهورية للنظر في نتائج التفتيش الإلكتروني. وسيكون لهذا الإجراء دور حاسم في تحديد ما إذا كان سيواجه تهماً جديدة أو سيتم إغلاق الملف الحالي بصفة نهائية.
وفي ختام تصريحاتها، وجهت زوجة غراس الشكر لكل المتضامنين مع عائلتها في هذه المحنة، مؤكدة على استمرار زوجها في التعبير عن مواقفه. وشددت على أن النضال السياسي السلمي هو السبيل الوحيد لتحقيق التغيير المنشود، رغم كل التحديات والملاحقات الأمنية والقضائية التي تواجه المعارضين.



