بين أطفال... وأطفال

د. صبري صيدم

سبتمبر 6, 2026 - 15:47
بين أطفال... وأطفال

د. صبري صيدم

في عالمٍ تتسابق فيه الدول على إدخال الذكاء الاصطناعي إلى كل مساحات الحياة، من المصانع إلى المستشفيات، ومن الجيوش إلى المدارس، يأتي قرارٌ من نيويورك ليطرح سؤالاً يبدو في ظاهره تقنياً، لكنه في جوهره إنساني بامتياز: ماذا نريد لأطفالنا أن يكونوا قبل أن يصبحوا مستخدمين للآلة؟ سؤال طرحناه على تطبيقات الذكاء الاصطناعي، فوجدنا أنفسنا أمام الجواب التالي:
رئيس بلدية نيويورك زهران ممداني قرر فرض وقفٍ لمدة عامٍ على استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي من جانب طلاب المدارس الابتدائية والمتوسطة، أي حتى الصف الثامن، بما يشمل نحو 600 ألف طالب. والفكرة، كما طُرحت، ليست إعلان حربٍ على الذكاء الاصطناعي، ولا إنكاراً لأهميته، بل محاولة لحماية الطفل من أن تتحول الآلة إلى بديلٍ مبكرٍ عن التفكير، والحوار، والخيال، والعلاقات الإنسانية.
قد يختلف المرء مع ممداني في القرار، وقد يرى فيه البعض مبالغةً أو خطوةً عكس اتجاه العصر. فالذكاء الاصطناعي أصبح جزءاً من مستقبل التعليم والعمل، ومن الصعب أن نعزل أبناءنا عنه إلى الأبد. لكن ما يستحق التوقف عنده ليس فقط قرار المنع، بل فكرة الدفاع عن الطفل وحمايته من كل ما يؤذيه.
ففي نيويورك، ثمة رئيس بلدية يقول لأطفال مدينته: تمهلوا قليلاً، نريد أن نحمي عقولكم من أن تصبح الآلة بديلاً عنكم. وهنا، دون استئذان، تأخذنا المفارقة إلى فلسطين.
أيّ عالم هذا الذي يقلق فيه مسؤولٌ من أن يعتمد طفلٌ في نيويورك على روبوت محادثة قبل أن يصل إلى المرحلة الثانوية، بينما لا يجد أطفال فلسطين من يقلق بما يكفي على وصولهم إلى المرحلة الثانوية أصلاً؟
أيّ مفارقة أكبر من أن ينشغل العالم بالسؤال: هل ينبغي للطفل أن يستخدم الذكاء الاصطناعي؟ فيما أطفال غزة والضفة الغربية بما فيها القدس، يُسألون كل يوم سؤالاً أكثر بدائية وقسوة: هل سينجو الطفل من القصف؟
الأمم المتحدة وثقت استمرار ارتقاء الأطفال الفلسطينيين في غزة. وفي الثاني من سبتمبر/أيلول، أُبلغ عن قتل ثلاثة أطفال تتراوح أعمارهم بين ثلاثة وثلاثة عشر عاماً خلال أربع وعشرين ساعة فقط، فيما أصيب أطفال آخرون. وقبل ذلك بأيام، أعلنت اليونيسف ارتقاء أربعة أطفال آخرين في هجمات متفرقة، ليسبقهم عشرات الآلاف من الأطفال والأمهات الذين ارتقوا في غزة على مدار السنوات الثلاثة الماضية.
هكذا تبدو الصورة شديدة القسوة: هناك من يخشى على طفلٍ من شاشة، وهناك من يعجز عن حمايته من صاروخ. هناك من يناقش ما إذا كان الذكاء الاصطناعي قد يضعف قدرة الطفل على التفكير، وهناك أطفال فلسطينيون يُحرمون من المدارس والكتب والدفاتر، بل من البيوت نفسها.
ليس المقصود هنا أبداً أن نقارن بين مشكلتين لا تتشابهان، وإنما أن نكشف خللاً أخلاقياً في عالمنا المعاصر: لماذا تحظى بعض طفولة العالم بكل هذا الاهتمام، بينما تبدو طفولة أخرى وكأنها خارج دائرة الحساب؟
إن حماية الطفل لا تتجزأ. فالطفل في نيويورك ليس أكثر استحقاقاً للحياة من الطفل في غزة، كما أن حق طفل فلسطيني في الأمان ليس أقل قيمة من حق طفل أمريكي في التعلم بعيداً عن سلطة الخوارزميات.
الذكاء الاصطناعي يمكن تنظيمه، ويمكن تعليم الأطفال كيفية استخدامه بأمان. أما الطفولة التي تقتل فلا يمكن استعادتها، والطفل الذي يُدفن تحت الركام لا يمكن إعادته إلى مقعد الدراسة.
ربما يكون درس ممداني الأهم أبعد من الذكاء الاصطناعي نفسه: السياسة تبدأ حين نتذكر أن وراء كل قرار إنساناً، ووراء كل رقم طفلاً، ووراء كل طفل حقاً لا يجوز أن يخضع لجغرافيا أو لون أو جنسية.
فإذا كان العالم يريد حقاً أن يحمي أطفال المستقبل من مخاطر الآلة، فعليه أولاً أن يحمي أطفال الحاضر من مخاطر الإنسان.
وهنا تكمن المأساة الفلسطينية... وهنا أيضاً يكمن السؤال الأخلاقي الذي لا يجوز للعالم أن يواصل الهروب منه.
للحديث بقية.
s.saidam@gmail.com