سرقة الزمن: كيف تتحول الحواجز والطرق إلى أداة للفصل العنصري

محمد قاروط أبو رحمه

أبريل 4, 2026 - 10:08
سرقة الزمن: كيف تتحول الحواجز والطرق إلى أداة للفصل العنصري

سرقة الزمن: كيف تتحول الحواجز والطرق إلى أداة للفصل العنصري
تفكيك أثر السيطرة على الحركة في إعادة تشكيل الحياة اليومية والبنية الاجتماعية والاقتصاد الفلسطيني
محمد قاروط أبو رحمه
ليست كل أشكال السيطرة تُمارَس بالقوة المباشرة، ولا كل أنظمة الفصل العنصري تُبنى فقط على القوانين المعلنة. أحيانًا، تُمارَس السيطرة بهدوء، عبر تفاصيل يومية تبدو عابرة: طريقٌ يُغلق، حاجزٌ يتأخر، مسافةٌ قصيرة تتحول إلى رحلة مُرهِقة. هناك، في هذه المساحة بين نقطة انطلاق ووصول مؤجل، يتشكّل شكل آخر من أشكال العنف، عنفٌ لا يُرى بسهولة، لكنه يُعاش يوميًا.

في فلسطين، لم تعد الحواجز ونقاط التفتيش والطرق البديلة مجرد إجراءات أمنية كما تُقدَّم، بل أصبحت جزءًا من منظومة متكاملة تعيد تعريف علاقة الإنسان بالمكان والزمن معًا. فحين يُحرم الإنسان من حقه في الحركة الطبيعية، لا يُقيَّد جسده فقط، بل يُعاد تشكيل يومه، عمله، علاقاته، وحتى إحساسه بذاته.

إنها ليست مسألة تأخير عابر، بل إعادة هندسة للحياة اليومية: زمنٌ يُستنزف عند الحواجز، فرصٌ تضيع على الطرق، وعلاقاتٌ تتآكل تحت ضغط الانتظار وعدم اليقين. ومع تراكم هذه التفاصيل، يتحول التحكم بالحركة إلى أداة عميقة التأثير، أداة لا تكتفي بتنظيم المرور، بل تُسهم في تفكيك البنية الاجتماعية، وإضعاف الاقتصاد، ودفع الأفراد تدريجيًا نحو الهامش.

هذا المقال لا يتناول الحواجز كوقائع منفصلة، بل كجزء من بنية أوسع، حيث تُستخدم الجغرافيا لإدارة البشر، ويُستخدم الزمن لإعادة تشكيل وجودهم. فالفصل العنصري هنا لا يُمارَس فقط عبر الفصل بين الناس، بل عبر التحكم في قدرتهم على الوصول، وعلى الاستمرار، وعلى البقاء.

من هذه الزاوية، تصبح الطرق والحواجز أكثر من مجرد مسارات مغلقة، تصبح أدوات تُعيد طرح السؤال الأعمق:
من يملك الحق في الزمن؟ ومن يُجبر على انتظاره؟
ليس الفصل العنصري دائمًا جدارًا يُرى بالعين، ولا قانونًا يُقرأ في كتاب.
أحيانًا يكون زمنًا يُسرق… على حاجز.
في فلسطين، لا تبدأ الحكاية من السياسة، بل من الطريق.
طريق قصيرة على الخريطة، لكنها طويلة في الواقع، تمتد عبر حواجز ونقاط تفتيش وطرق بديلة لا تُختار، بل تُفرض.
يقف الإنسان هناك، لا كعابر طريق، بل كمنتظر.
ينتظر إذنًا ليمر، أو سببًا ليُمنع، أو لحظةً لا تأتي.
وهنا يتجلّى أحد أعمق أشكال الفصل العنصري:
ليس فقط في فصل الناس عن بعضهم، بل في فصل الإنسان عن زمنه.
الحاجز ليس مجرد نقطة عسكرية؛
هو أداة تعيد تشكيل الحياة اليومية:
طالب يتأخر عن جامعته
مريض يتأخر عن علاجه
عامل يفقد يومه… وربما عمله
وفي كل مرة، لا يُسرق الطريق فقط، بل يُسرق جزء من الحياة.
ثم تأتي الطرق البديلة، طرق أطول، أضيق، وأثقل، كأنها تقول:
"يمكنك أن تتحرك… لكن ليس بحرية، وليس بكرامة."
وهكذا، يصبح الطريق جزءًا من منظومة أكبر:
منظومة لا تكتفي بالسيطرة على المكان،
بل تعمل على إعادة تشكيل علاقة الإنسان بالمكان.
لكن الأثر لا يتوقف عند الفرد.
في البيوت، يتسلل الانتظار إلى تفاصيل الحياة:

قلق أمّ على ابن تأخر عند الحاجز
توترُ أبٍ لا يعلم إن كان سيصل إلى عمله غدًا.
أطفال يكبرون وهم يتعلمون أن الطريق ليس حقًا… بل مخاطرة
وهنا يتحول الزمن المسروق إلى ضغط نفسي متراكم، يُرهق العلاقات،
ويُفكك ما كان يومًا بسيطًا: الطمأنينة.
ومع الوقت، لا تتعطل حركة الناس فقط، بل تتعطل حركة الاقتصاد والحياة:
بضائع تتأخر، استثمارات تتراجع، فرص تُفقد قبل أن تولد
لأن الاستثمار يحتاج إلى استقرار، 
ولا شيء مستقر في طريق يمكن أن يُغلق في أي لحظة.

هكذا يعمل الفصل العنصري هنا، ليس فقط كقانون يفصل بين الناس،
بل كمنظومة أدوات:
حاجز…
طريق بديل…
تصريح…
انتظار…

كلها خيوط تنسج واقعًا واحدًا:
تقليص الوجود، وتضييق الحياة، ودفع الإنسان نحو الهامش.
وفي النهاية،
قد لا يُجبر الإنسان على الرحيل مباشرة،
لكن حين يُثقل يومه بالانتظار،
ويُحاصر زمنه،
وتُرهق حياته…

يصبح الرحيل احتمالًا يُصنع ببطء.

وهنا يكمن المعنى الأعمق:
الفصل العنصري ليس فقط فصلًا بين الناس،
بل هو محاولة لإعادة تعريف من يبقى… ومن يستطيع أن يبقى