تنظيم الأسواق ليس تضييقاً على الرزق.. بل حماية للمدينة وحقوق الناس
بقلم: المحامي علي أبوحبلة
تنظيم الأسواق ليس تضييقاً على الرزق.. بل حماية للمدينة وحقوق الناس
بقلم: المحامي علي أبوحبلة
إن تنظيم الأسواق والأرصفة والشوارع ليس إجراءً يستهدف أصحاب المحال التجارية أو البسطات أو العاملين في الأسواق، كما لا ينبغي أن يُفهم على أنه تضييق على مصادر الرزق؛ بل هو جزء أساسي من مسؤولية البلدية في حماية المصلحة العامة، والحفاظ على صورة المدينة، وضمان حق المواطنين في استخدام الشوارع والأرصفة بأمان وحرية.
والإشعار الصادر عن بلدية طولكرم بشأن إزالة بسطة خاصة موجودة في حرم الشارع العام يفتح الباب أمام نقاش أوسع وأكثر أهمية: كيف يمكن أن نعيد للأسواق والأرصفة والشوارع نظامها، من دون الإضرار بمصالح التجار وأصحاب المهن، ومن خلال معالجة الظاهرة بصورة حضارية وعادلة ومتدرجة؟
فالمدينة لا يمكن أن تكون سوقاً مفتوحاً بلا ضوابط، كما لا يمكن أن تتحول الأرصفة إلى امتداد للمحال التجارية، أو أن تُستخدم الشوارع لعرض البضائع ووضع المظلات والبسطات والعوائق، بما يحرم المشاة من حقهم الطبيعي في المرور، ويخلق اختناقات مرورية ومخاطر على السلامة العامة.
الرصيف حق عام وليس مساحة خاصة.
والشارع ملك للمجتمع، واستخدامه يجب أن يخضع لقواعد تحقق التوازن بين النشاط التجاري وحقوق السكان والمارة. ومن هنا فإن إزالة التعديات وإعادة فتح الأرصفة أمام المواطنين ينبغي أن تكون سياسة بلدية مستمرة، لا حملة مؤقتة مرتبطة بموسم أو شكوى.
لكن نجاح هذه السياسة يتطلب أن تكون عملية التنظيم شاملة ومنظمة وعادلة. فلا يكفي إزالة بسطة أو عائق من مكان وترك عوائق أخرى في أماكن مختلفة. المطلوب وضع رؤية واضحة للأسواق تحدد أماكن البيع والعرض، وتنظم المظلات والواجهات والبسطات، وتحدد المساحات المسموح باستغلالها، وتمنع إغلاق الممرات العامة أو تعطيل حركة المركبات والمشاة.
كما أن التنظيم لا ينبغي أن يبدأ بالعقوبة، بل بالتوعية والإنذار ومنح مهلة معقولة لتصويب الأوضاع، ثم تطبيق الإجراءات اللازمة بحق من يصر على المخالفة، وبصورة متساوية على الجميع دون استثناءات أو انتقائية. فالعدالة في تطبيق النظام هي أساس ثقة المواطن بالمؤسسة المحلية.
وفي المقابل، على أصحاب المحال والتجار وأصحاب البسطات أن يدركوا أن احترام النظام يخدمهم قبل غيرهم. فالسوق المنظم والنظيف والمريح يجذب المتسوقين، ويعزز الحركة التجارية، ويحسن البيئة الاستثمارية، ويمنح المدينة مظهراً حضارياً يليق بأهلها وتاريخها.
ومن المهم أيضاً أن تترافق إزالة التعديات مع بدائل عملية، خصوصاً بالنسبة للعاملين الذين يعتمدون على البسطات كمصدر دخل. ويمكن للبلدية، بالتعاون مع الجهات ذات العلاقة، دراسة تخصيص أسواق أو مساحات منظمة تستوعب الأنشطة التجارية المتنقلة، بما يضمن استمرار الرزق ضمن إطار قانوني وحضاري.
إن المطلوب اليوم ليس فقط إزالة المعيقات، وإنما إعادة هندسة العلاقة بين السوق والشارع والرصيف. نريد مدينة يستطيع فيها المواطن أن يمشي بأمان، والتاجر أن يعمل بكرامة، والبلدية أن تطبق النظام بثقة وعدالة.
وطولكرم تستحق أسواقاً منظمة، وأرصفة مفتوحة، وشوارع آمنة ونظيفة. وتنظيم المدينة لا يعني إغلاق أبواب الرزق، بل يعني فتح الطريق أمام اقتصاد أكثر انتظاماً، ومدينة أكثر جمالاً، ومجتمع أكثر احتراماً للحق العام.
فالمدينة التي تحترم رصيفها وشارعها، تحترم مواطنها. والتنظيم حين يقترن بالعدالة والحوار والبدائل، لا يصبح عبئاً على الناس، بل يتحول إلى عنوان للتنمية والانضباط والحياة الكريمة.



