لجنة زكاة طولكرم.. لا تجعلوا الفقراء وقوداً للاحتقان
بقلم: المحامي علي أبوحبلة
لجنة زكاة طولكرم.. لا تجعلوا الفقراء وقوداً للاحتقان
بقلم: المحامي علي أبوحبلة
حين تُغلق مؤسسة تفتح أبوابها للفقراء والأيتام والمرضى والمحتاجين، فإن المتضرر الحقيقي ليس المبنى ولا المكاتب، وإنما الإنسان الذي ينتظر مساعدة تسد حاجته، أو علاجاً يخفف ألمه، أو كفالة توفر لطفل يتيم بعضاً من الأمان.
من هنا، فإن إغلاق مقر لجنة زكاة طولكرم المركزية في ضاحية ارتاح جنوب مدينة طولكرم، فجر الثلاثاء، لا ينبغي أن يمر كخبر عابر، لما يمكن أن يترتب عليه من تداعيات مباشرة على الأسر المتعففة والمحتاجين في المحافظة.
وتعمل لجنة زكاة طولكرم ضمن الإطار الرسمي الفلسطيني وتخضع لإشراف وزارة الأوقاف والشؤون الدينية الفلسطينية، وتقدم خدمات ومساعدات اجتماعية وإغاثية لفئات واسعة من أبناء المحافظة. ولذلك فإن تعطيل عملها يثير مخاوف مشروعة بشأن استمرار وصول المساعدات إلى أسر هي بأمسّ الحاجة إليها.
وبعيداً عن الاتهامات والتجاذبات، يبقى السؤال الأهم: ماذا سيكون مصير الأسر التي تعتمد على هذه المساعدات؟
هذه الأسر لا ينبغي أن تتحول إلى طرف في أي خلاف. إنها أسر فقيرة ومتعففة، بينها أيتام ومرضى وأرامل وعائلات محدودة الدخل، وجدت في مؤسسات التكافل الاجتماعي سنداً يساعدها على مواجهة أعباء الحياة.
والتجربة الإنسانية في مختلف دول العالم تؤكد أن رعاية الفقراء والمحتاجين وحماية الفئات الهشة جزء أساسي من مسؤولية المجتمع والدولة. بل إن وجود برامج ومؤسسات لمساعدة الفقراء والمحتاجين في إسرائيل نفسها يؤكد أن العمل الإنساني ليس قضية سياسية أو جغرافية، وإنما حاجة إنسانية تتصل بكرامة الإنسان واستقرار المجتمع.
إن حرمان الأسر المحتاجة من المساعدات لا يزيل أسباب الفقر، بل يزيد المعاناة ويعمق مشاعر القهر والاحتقان. وفي بيئة مثقلة أصلاً بالأزمات الاقتصادية والاجتماعية، فإن استمرار الإجراءات التي تمس مصادر الدعم والرعاية يمكن أن يفاقم التوتر ويزيد من صعوبة الأوضاع.
ومن هنا، فإن القوى المحبة للسلام مطالبة برفع صوتها عالياً ضد كل إجراء يزيد معاناة المدنيين، والعمل باتجاه تخفيف القيود التي تؤدي إلى الاحتقان، لأن السلام الحقيقي لا يُبنى بالتجويع أو الحرمان، وإنما بالعدالة والكرامة واحترام الإنسان.
كما أن المسؤولية لا تقع على طرف واحد؛ فالجهات الفلسطينية المختصة مطالبة بالتحرك العاجل لضمان استمرار المساعدات وتأمين بدائل فورية للأسر المحتاجة، وعدم السماح بأن يكون الفقير الحلقة الأضعف في أي أزمة.
أما قوات الاحتلال الإسرائيلي وسلطة الإدارة المدنية، باعتبارهما الجهة صاحبة القوة والسيطرة الفعلية على الأرض، فالمطلوب منهما إعادة النظر في قرار إغلاق مقر لجنة زكاة طولكرم، وضمان ألا يؤدي أي إجراء إلى تعطيل المساعدات الإنسانية أو حرمان المحتاجين من حقوقهم الأساسية.
وإذا كانت هناك اتهامات أو شبهات تتعلق بأي شخص أو جهة، فإن معالجة هذه الشبهات يجب أن تكون وفق إجراءات واضحة وعادلة، وألا تتحول مجرد شبهة بحق فرد إلى سبب لمعاقبة مؤسسة بأكملها أو حرمان مئات الأسر من المساعدة. فالمساءلة، إن وجدت أسبابها، يجب أن تكون فردية ومحددة، وأن تستند إلى إجراءات قانونية واضحة، لا إلى التعميم.
إن القوة النافذة على الأرض تتحمل مسؤولية خاصة في مراعاة القوانين والمواثيق الدولية ذات الصلة، وفي حماية العمل الإنساني والمؤسسات التي تقدم الخدمات للمدنيين، وفي اتخاذ الإجراءات التي تراعي الضرورة والتناسب وتحمي الفئات الأكثر ضعفاً.
فالمطلوب ليس تعطيل القانون، بل تطبيقه بروحه ومقاصده؛ وليس تجاهل أي شبهة، بل التعامل معها عبر الوسائل القانونية العادلة، مع الفصل الواضح بين المساءلة الفردية وبين حق الأسر الفقيرة في الحصول على المساعدة.
إن الفقير لا يحتمل مزيداً من الأعباء، واليتيم لا ينتظر بيانات، والمريض لا يستطيع تأجيل حاجته.
ومن هنا، فإن إعادة فتح المجال أمام العمل الإنساني، وضمان استمرار المساعدات، وتخفيف الإجراءات التي تزيد الاحتقان، ليست مجرد مطالب اجتماعية؛ إنها خطوات ضرورية لحماية الاستقرار وتعزيز فرص السلام.
افتحوا باب الزكاة في طولكرم، واحموا العمل الإنساني، ولا تجعلوا الفقراء ضحايا لأي إجراء أو خلاف. فالسلام يبدأ عندما يشعر الإنسان أن كرامته مصانة، وأن حاجته لا تتحول إلى عقوبة.
المحامي علي أبوحبلة



