أي عقد سياسي يتجدد بالفعل... لا بالانتظار؟

ردًا على مقال د. غانية ملحيس: بين تجديد الشرعية وإعادة تعريف الجماعة السياسية

يوليو 9, 2026 - 19:58
أي عقد سياسي يتجدد بالفعل... لا بالانتظار؟

أي عقد سياسي يتجدد بالفعل... لا بالانتظار؟

ردًا على مقال د. غانية ملحيس: بين تجديد الشرعية وإعادة تعريف الجماعة السياسية

9/7/2026

محمد قاروط أبو رحمه

عضو مجلس إدارة اكاديمية فتح الفكرية

يُحسب للدكتورة غانية ملحيس أنها نقلت النقاش خطوة إلى الأمام. فبعد أن كان السؤال يدور حول جدوى الانتخابات، أصبح يدور اليوم حول علاقتها بالعقد السياسي والجماعة الوطنية. وهذه نقلة مهمة تستحق التقدير، لأنها تبتعد عن ثنائية القبول أو الرفض، وتتجه نحو البحث في الأساس النظري للمسألة.

ومع ذلك، أرى أن الإشكال ما زال قائمًا، لأن المقال ينطلق من فرضية تقول إن العقد السياسي يجب أن يسبق الانتخابات، بينما أعتقد أن التجربة الفلسطينية نفسها، بل وتجارب حركات التحرر عمومًا، تثبت العكس: العقد الوطني لا يولد كاملًا ثم تُبنى عليه المؤسسات، وإنما يتشكل ويتجدد من خلال النضال والمؤسسات والانتخابات معًا.

لقد تأسست منظمة التحرير الفلسطينية قبل أن يوجد "عقد سياسي" مكتوب يجمع كل الفلسطينيين. ولم تنتظر الحركة الوطنية أن تُحسم كل أسئلة التمثيل والشتات والحدود حتى تبدأ بناء مؤسساتها. بل إن هذه المؤسسات نفسها أصبحت جزءًا من صناعة الهوية الوطنية، وجزءًا من تعريف الجماعة السياسية الفلسطينية.

ولهذا، فإن الانتخابات ليست مجرد انعكاس لعقد سياسي سابق، بل هي أيضًا إحدى الوسائل التي تُعيد إنتاج هذا العقد، وتمنحه شرعية متجددة، وتفتح المجال أمام مراجعة موازين القوى داخل المجتمع.

إن الخشية من أن تُستخدم الانتخابات لإعادة تعريف الشعب الفلسطيني أو لتقليص حقوقه مشروعة، لكن هذه ليست مشكلة الانتخابات ذاتها، بل مشكلة المشروع السياسي الذي تُدار في إطاره. فالانتخابات لا تُلغي حق العودة، ولا تُسقط حق تقرير المصير، كما أن غياب الانتخابات لا يحمي هذه الحقوق تلقائيًا.

وأعتقد أن التجربة الفلسطينية خلال العقود الستة الماضية تقدم درسًا مهمًا؛ فكلما تعطلت المؤسسات وتعطل تجديد الشرعية، اتسعت الفجوة بين المجتمع والنظام السياسي، وازدادت قدرة القوى الخارجية على فرض وقائع جديدة. أما حين يجدد الفلسطينيون مؤسساتهم، فإنهم يمارسون فعلًا سياديًا، حتى لو كان ناقصًا بفعل الاحتلال.

ومن هنا أختلف مع الفكرة التي تجعل السؤال: من نحن الذين ننتخب؟ سابقًا على كل شيء.

فالهوية الفلسطينية لم تُولد من سؤال نظري، وإنما صاغتها الثورة، ومنظمة التحرير، وحركة فتح، والانتفاضات، والمخيمات، والجامعات، والنقابات، والبلديات، والانتخابات، والشهداء والأسرى، وكل أشكال الفعل الوطني المتراكم.

لسنا أمام جماعة تبحث عن نفسها لأول مرة، بل أمام شعب يحاول حماية وحدته وتجديد أدواته في ظروف استثنائية.

كما أنني أرى أن المقال يتعامل مع العقد السياسي بوصفه لحظة تأسيس تسبق المؤسسات، بينما التاريخ يعلمنا أن الشعوب لا تبني عقودها السياسية في غرف مغلقة، بل أثناء الممارسة. فالعقد الوطني الفلسطيني لم يكن يومًا وثيقة جامدة، وإنما كان عملية تاريخية مستمرة، تتجدد مع كل محطة نضالية، وكل مؤسسة وطنية، وكل عملية انتخابية، وكل مراجعة سياسية.

وهنا أستعيد الفكرة التي طرحتها سابقًا حول النموذج الثالث (الصمود النشط)؛ فالفلسطيني لا يبتكر مستقبله بهدم ما بناه، وإنما يبتكر من داخل تاريخه، ومن داخل مؤسساته، ومن داخل تجربته الوطنية. فالتجديد لا يعني القطيعة، بل إعادة التوجيه والتطوير.

ولذلك فإن المطلوب ليس انتظار عقد سياسي كامل قبل تجديد المؤسسات، بل السير في المسارين معًا: تجديد الشرعية، وتوسيع التمثيل، وتعميق الحوار الوطني، وإصلاح المؤسسات، وإعادة بناء المشروع الوطني في الوقت نفسه.

وأضيف هنا ملاحظة أراها جوهرية في هذا النقاش.

فالمقال، وهو يناقش العقد السياسي والجماعة السياسية وإعادة تعريف التمثيل، يتجاوز حقيقة تأسيسية في التجربة الوطنية الفلسطينية، وكأن الفلسطينيين يقفون اليوم أمام فراغ سياسي أو مؤسسي كامل، بينما يتناسى وجود منظمة التحرير الفلسطينية بوصفها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، والمعترف بها عربيًا ودوليًا.

إن هذا الاعتراف لم يكن مجرد قرار سياسي عابر، بل هو ثمرة مسيرة طويلة من النضال الوطني، وتجسيد لعقد وطني تاريخي شارك في بنائه الفلسطينيون في الوطن والشتات، قبل أن يصبح حقيقة سياسية وقانونية يعترف بها العالم.

ولهذا، فإذا كان الحديث يدور حول ضرورة تجديد العقد السياسي الفلسطيني، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو: هل يبدأ هذا التجديد من خارج منظمة التحرير الفلسطينية، أم من داخلها؟ فالإصلاح شيء، وتجاوز المرجعية الوطنية شيء آخر.

إن تطوير منظمة التحرير، وتوسيع تمثيلها، وتجديد مؤسساتها، وتعزيز دورها الجامع، هو استكمال لمسيرتها التاريخية، وليس تأسيسًا لكيان بديل عنها. أما التعامل معها وكأنها لم تعد الإطار الجامع للشعب الفلسطيني، فإنه يفتح الباب - بقصد أو بغير قصد - أمام إضعاف المرجعية الوطنية التي شكّلت، طوال عقود، الركيزة السياسية والقانونية للشعب الفلسطيني في مواجهة محاولات التفكيك والتجزئة.

كما أن العقد السياسي الفلسطيني ليس مفهومًا نظريًا مجردًا ينتظر من يصوغه على الورق، بل له تجسيده المؤسسي القائم في منظمة التحرير الفلسطينية. نعم، تحتاج المنظمة إلى مراجعة وإصلاح وتجديد، لكن ذلك يختلف جذريًا عن القفز فوق شرعيتها التاريخية، أو إعادة طرح سؤال التمثيل الوطني وكأنه يبدأ من الصفر.

ولهذا، فعندما يُطرح سؤال: من نحن الذين ننتخب؟  فإن الإجابة ليست غائبة كما يوحي المقال. فنحن الشعب الفلسطيني الذي وحّدته منظمة التحرير الفلسطينية، ورسخت حضوره السياسي والقانوني أمام العالم. ويبقى التحدي الحقيقي اليوم ليس إعادة اختراع هذه الجماعة الوطنية، وإنما تجديد مؤسساتها، وتعزيز وحدتها، وتوسيع مشاركتها، بما يحافظ على المرجعية الوطنية الجامعة، ويمنع تحويل الحاجة إلى الإصلاح إلى مدخل لإضعاف ما راكمه الفلسطينيون عبر عقود طويلة من النضال.

 

وأخيرًا، إذا كنا نتحدث عن مرحلة يعاد فيها تشكيل المنطقة، فلا ينبغي أن ننسى أن هذه التحولات لم تصنعها المقالات ولا التنظيرات وحدها، وإنما صنعها صمود الشعب الفلسطيني، وتضحيات قواه الحية، وعلى رأسها منظمة التحرير الفلسطينية والحركة الوطنية بقيادة حركة فتح، وما راكمته من حضور سياسي ونضالي خلال ستة عقود.

فالسياسة ليست انتظار اللحظة المثالية، وإنما القدرة على تحويل الممكن إلى خطوة جديدة في الطريق نحو التحرر. وهذا، في تقديري، هو جوهر الصمود النشط، وهو أيضًا جوهر التجربة الفلسطينية نفسها.

بمزيد الاحترام