الانتخابات المحلية بين استحقاق الصمود وإعادة الهيكلة: نحو برنامج إنقاذ وطني للبلديات الفلسطينية

بقلم: المحامي علي أبو حبلة

أبريل 4, 2026 - 10:09
الانتخابات المحلية بين استحقاق الصمود وإعادة الهيكلة: نحو برنامج إنقاذ وطني للبلديات الفلسطينية

الانتخابات المحلية بين استحقاق الصمود وإعادة الهيكلة: نحو برنامج إنقاذ وطني للبلديات الفلسطينية
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
رئيس تحرير صحيفة صوت العروبة
في سياق سياسي واقتصادي وأمني بالغ التعقيد، تأتي الانتخابات المحلية الفلسطينية في لحظة فارقة تتجاوز بعدها الإداري والخدماتي، لتتحول إلى اختبار حقيقي لقدرة الهيئات المحلية على الصمود وإعادة إنتاج دورها في ظل بيئة ضاغطة تتسم بالاقتحامات اليومية للمدن والقرى والمخيمات، وتصاعد سياسات التهجير القسري في الأغوار والتجمعات الفلسطينية، وما شهدته مخيمات طولكرم ونور شمس وجنين من نماذج قاسية لاستهداف البنية المجتمعية والخدماتية.
هذه المعطيات تفرض على القوائم المرشحة أن تتعامل مع الانتخابات بوصفها مدخلًا لإعادة بناء الحكم المحلي على أسس مهنية واستراتيجية، وليس مجرد منافسة تقليدية على إدارة الخدمات.
أولًا: واقع البلديات بين الانكماش المالي والاختلال الهيكلي
تعاني البلديات والمجالس المحلية من أزمة مركبة تتجلى في:
تضخم المديونية وتآكل القدرة على الإيفاء بالالتزامات المالية.
البطالة المقنّعة داخل الجهاز البلدي نتيجة التوظيف العشوائي، ما أدى إلى تضخم فاتورة الرواتب واستنزاف الموارد.
ضعف الجباية في ظل تراجع القدرة الشرائية للمواطنين.
تآكل الثقة العامة نتيجة ضعف الأداء وغياب الشفافية.
كما أن استمرار صرف رواتب ومخصصات لأعضاء المجالس البلدية والمحلية، في ظل هذا الوضع المالي الحرج، يزيد من الأعباء، ويستدعي إعادة نظر جادة في هيكلية الإنفاق.
ثانيًا: البيئة السياسية والقانونية الضاغطة
تعمل الهيئات المحلية ضمن سياق استثنائي، يتمثل في:
الاقتحامات العسكرية المتكررة وما تسببه من أضرار مباشرة للبنية التحتية.
القيود المفروضة على التخطيط والبناء، خاصة في مناطق (ج).
سياسات الهدم والتهجير القسري، في مخالفة صريحة لقواعد القانون الدولي الإنساني، ولا سيما اتفاقية جنيف الرابعة.
وهذا الواقع يُحتم على البلديات أن تتجاوز الدور الخدمي التقليدي نحو دور تنموي-صمودي يعزز بقاء المواطنين على أرضهم.
ثالثًا: نحو برنامج إنقاذ وطني محلي
إن المطلوب من القوائم المرشحة ليس برامج إنشائية، بل خطة إنقاذ استراتيجية قابلة للتنفيذ، تقوم على المحاور التالية:
1. إعادة الهيكلة المالية والإدارية (برنامج تقشف رشيد)
ضبط النفقات التشغيلية وخفض المصاريف غير الضرورية.
مراجعة شاملة لهيكل الرواتب والحد من التوظيف العشوائي.
إعادة النظر في مخصصات أعضاء المجالس بما ينسجم مع الواقع المالي.
تعزيز الجباية بآليات عادلة تراعي الظروف الاقتصادية للمواطنين.
2. تحفيز الاقتصاد المحلي وتخفيف الأعباء عن المواطنين
خفض الرسوم على رخص الأبنية السكنية لتشجيع الحركة العمرانية.
تقديم تسهيلات في الدفع وتقسيط المستحقات البلدية.
دعم المشاريع الصغيرة والأسر المنتجة.
تخفيف الضرائب والرسوم حيثما أمكن، بما يحقق توازنًا بين الاستدامة المالية والعدالة الاجتماعية.
3. حماية الأرض وتعزيز الاستدامة
الحفاظ على سلة فلسطين الغذائية عبر حماية الأراضي الزراعية ومنع الزحف العمراني العشوائي.
دعم المزارعين وتطوير البنية التحتية الزراعية.
حماية المساحات الخضراء وتعزيز التخطيط البيئي المستدام.
4. خطط استجابة للطوارئ والصمود
إنشاء وحدات طوارئ بلدية للتعامل مع آثار الاقتحامات.
إعادة تأهيل البنية التحتية المتضررة بشكل سريع وفعّال.
توفير شبكات دعم اجتماعي للفئات الأكثر تضررًا.
5. الحوكمة والشفافية
نشر الموازنات والتقارير المالية بشكل دوري.
إشراك المجتمع المحلي في صنع القرار.
اعتماد معايير الكفاءة والنزاهة في التوظيف والإدارة.
رابعًا: البعد الاستراتيجي لدور البلديات
في ظل غياب السيادة الكاملة، تتحول البلديات إلى:
رافعة للصمود الوطني في مواجهة التهجير والاستيطان.
أداة لتعزيز الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي.
منصة لتعزيز الشراكات مع المؤسسات الدولية لدعم التنمية المحلية.
خاتمة
إن الانتخابات المحلية القادمة ليست مجرد استحقاق إداري، بل محطة لإعادة تعريف دور الحكم المحلي في فلسطين. فإما أن تكون البلديات جزءًا من الأزمة، أو أن تتحول إلى أداة فاعلة في إدارتها وتجاوزها.
وعليه، فإن المعيار الحقيقي لاختيار القوائم لن يكون في الشعارات، بل في قدرتها على تقديم برنامج إنقاذ وطني متكامل يعيد التوازن المالي، ويعزز صمود المواطنين، ويحمي الأرض، ويؤسس لمرحلة جديدة من الحكم المحلي القائم على الكفاءة والشفافية والمسؤولية.
وفي ظل هذا الواقع، يبقى السؤال الجوهري:
هل ترتقي القوائم المرشحة إلى مستوى التحدي، وتنتقل من إدارة البلديات إلى إدارة معركة الصمود؟