الانتباه كأصل معرفي

من قراءة المنظور إلى قراءة المسطور 

سبتمبر 10, 2026 - 10:45
الانتباه كأصل معرفي

الانتباه كأصل معرفي
من قراءة المنظور إلى قراءة المسطور 
محمد قاروط أبو رحمه
حين نتحدث عن المعرفة، ينصرف الذهن غالبًا إلى المعلومات، والكتب، والنظريات، والمفاهيم. لكن سؤالًا أبسط يسبق كل ذلك:
كيف تدخل المعرفة إلى الإنسان أصلًا؟
في عصر الذكاء الاصطناعي، حيث أصبحت المعلومات متاحة بضغطة زر، لم يعد السؤال الأهم: كيف نحصل على المعرفة؟ بل أصبح: كيف ننتبه إلى ما يستحق أن نعرفه؟
فالمعرفة لا تبدأ من المعلومات، بل من الانتباه.
قبل أن نفهم شيئًا يجب أن ننتبه إليه. وقبل أن نتذكره يجب أن نلتفت إليه. وقبل أن نتعلم منه يجب أن نعطيه حيزًا من وعينا. لذلك فإن المعلومة التي لا تحظى بالانتباه لا تدخل أصلًا إلى الدورة المعرفية.
ولهذا يمكن القول إن الانتباه هو البوابة الأولى للمعرفة.
ويتضح ذلك حتى في أبسط مراحل النمو الإنساني. فالطفل بعد ولادته لا يبدأ بالتعلم عبر الحفظ أو الشرح أو قراءة الكتب، بل يبدأ بالانتباه. يراقب الوجوه، ويتابع الأصوات، ويلتفت إلى الحركة، ويتأمل ما يدور حوله. ثم ينتقل إلى التقليد، وبعد ذلك إلى التكرار، ومن خلال هذه العملية تتشكل بدايات الفهم والمهارة والعادة.
إن الطفل يتعلم أولًا بالانتباه، ثم بالتقليد، ثم بالتكرار.
وهذه الحقيقة البسيطة تكشف أن أصل التعلم الإنساني ليس تراكم المعلومات، بل توجيه الانتباه إلى ما يستحق التعلم.
ومن المثير للتأمل أن أول ما نزل من القرآن الكريم لم يبدأ بالحفظ أو التدوين أو التلقين، بل بفعل القراءة:
بسم الله الرحمن الرحيم
ٱقۡرَأۡ بِٱسۡمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَق (1) خَلَقَ ٱلۡإِنسَٰنَ مِنۡ عَلَقٍ (2) ٱقۡرَأۡ وَرَبُّكَ ٱلۡأَكۡرَمُ (3) ٱلَّذِي عَلَّمَ بِٱلۡقَلَمِ (4) عَلَّمَ ٱلۡإِنسَٰنَ مَا لَمۡ يَعۡلَمۡ (5). صدق الله العظيم

ومن زاوية معرفية يمكن ملاحظة تسلسل لافت.
فالقراءة الأولى تسبق ذكر القلم، وكأنها تشير إلى قراءة الواقع والإنسان والعالم من خلال الانتباه والملاحظة. إنها قراءة المنظور؛ أي قراءة ما يدور حولنا وما يدور داخلنا. (1)
ثم تأتي الإشارة إلى خلق الإنسان، وكأنها دعوة إلى الالتفات إلى طبيعتنا البشرية وحدودنا وإمكاناتنا.
أما القراءة الثانية فتأتي بعد ذكر القلم:
﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ﴾
لتشير إلى قراءة المسطور؛ أي المعرفة المكتوبة والمنقولة عبر التعليم والتوثيق والتراكم الحضاري.
وبهذا المعنى يمكن النظر إلى المعرفة بوصفها حركة بين مسارين متكاملين:
قراءة المنظور: الواقع، والإنسان، والتجربة، والميدان.
وقراءة المسطور: الكتب والنصوص والتوثيق والمعرفة المتراكمة.
ومن اللافت أن قراءة المنظور تسبق قراءة المسطور، وكأن المعرفة تبدأ من الانتباه إلى العالم قبل أن تنتقل إلى ما كُتب عنه.
لكن الآية تضيف بعدًا آخر لا يقل أهمية عن الانتباه نفسه.
فهي لا تقول: "اقرأ" فقط، بل تقول: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾.
وهنا يظهر الشرط الأخلاقي للمعرفة.
فالإنسان لا يقرأ العالم بعين واحدة. فقد ينظر إليه بوصفه مادة للاستغلال، وقد ينظر إليه بوصفه وسيلة للهيمنة، وقد ينظر إليه بوصفه ميدانًا للفهم والخدمة والعمران.
ولهذا فإن القراءة الأولى ليست مجرد انتباه ذهني، بل انتباه أخلاقي أيضًا.
إن عبارة "باسم ربك الذي خلق" تضع إطارًا أخلاقيًا سابقًا على المعرفة نفسها. فهي تحدد الغاية قبل الوسيلة، والمعنى قبل الأداة، والمسؤولية قبل الاستخدام.
ومن هنا تصبح الأخلاق جزءًا من لحظة المعرفة الأولى، لا حكمًا يضاف إليها بعد اكتمالها.
فالإنسان لا يعرف أولًا ثم يقرر إن كان سيستخدم معرفته أخلاقيًا أم لا، بل يدخل إلى المعرفة أصلًا من خلال منظومة قيم تحدد ما الذي يستحق أن يُعرف، ولماذا يُعرف، وكيف يُستخدم.
وهذا ينسجم مع الفكرة التي تبلورت في هذه السلسلة:
أن الأخلاق ليست حكمًا على المعرفة بعد إنتاجها، بل هي البنية التي تسبقها وتحدد شكلها ووظيفتها قبل أن تبدأ أصلًا.
وفي عصر الذكاء الاصطناعي تزداد أهمية هذه الفكرة.
لقد أصبحت المعلومات وفيرة إلى حد غير مسبوق، لكن الانتباه بقي موردًا محدودًا. وأصبح الإنسان قادرًا على الوصول إلى آلاف الصفحات في دقائق، لكنه لا يستطيع أن يمنح انتباهه إلا لعدد محدود من الأشياء.
ومن هنا لم تعد الأزمة أزمة نقص معلومات، بل أزمة إدارة انتباه.
ولعل هذا ما يفسر ظاهرة متزايدة في عصرنا: امتلاك كميات هائلة من المعلومات دون امتلاك فهم أعمق للواقع.
فالمشكلة ليست في قلة المعرفة، بل في تشتت الانتباه.
كما أن المعرفة لا تُدرك دائمًا في لحظة حدوثها. فكثير من الأفكار والخبرات لا نفهم معناها الكامل إلا بعد سنوات. وقد نمر بتجربة اليوم ثم نكتشف قيمتها الحقيقية لاحقًا.
وهذا ما يمكن تسميته بالإدراك المتأخر.
فالمعرفة أحيانًا لا تغيب لأن المعلومات ناقصة، بل لأن الانتباه لم يكن مهيأً بعد لاستقبال معناها.
ولهذا فإن الانتباه ليس مجرد مهارة معرفية، بل هو الشرط الأول لدخول الإنسان في دورة المعرفة كلها.
فإذا كانت الدورة المعرفية كما توصلنا إليها في هذه السلسلة هي:
المعرفة → الممارسة → المهارة → العادة → السلوك → الخبرة → الحدس الخبراتي → القرار في الميدان → التجربة → إعادة تشكيل المعرفة.
فإن الانتباه يسبق هذه الدورة كلها، لأنه البوابة التي تسمح بدخول المعرفة إليها أصلًا.
ومن هنا يمكن صياغة قانون هذا المقال:
لا يتعلم الإنسان مما يحيط به من معلومات، بل مما يمنحه انتباهه داخل تلك المعلومات.
وفي عصر الذكاء الاصطناعي، حيث أصبحت المعلومات متاحة للجميع، تصبح قيمة الإنسان أقل ارتباطًا بما يستطيع الوصول إليه من معرفة، وأكثر ارتباطًا بما يختار أن ينتبه إليه، وكيف ينتبه إليه، ولماذا ينتبه إليه أصلًا.
فالانتباه ليس مجرد بداية للمعرفة، بل هو بداية الفهم، وبداية الخبرة، وبداية الحكمة.
هامش:
(1)    أ.د فؤاد محمد موسى، اقراء باسم ربك الذي خلق. تأملات تربوية. مركز الانطلاقة للدراسات. 2025. وموقع الالوكة على الرابط التالي: https://www.alukah.net/sharia