تنظيم أسواق طولكرم.. القانون يحمي الحق العام ولا يستهدف أصحاب البسطات
بقلم: المحامي علي أبوحبلة
تنظيم أسواق طولكرم.. القانون يحمي الحق العام ولا يستهدف أصحاب البسطات
بقلم: المحامي علي أبوحبلة
إن ما يجري في مدينة طولكرم من إجراءات لتنظيم الأسواق وإزالة التعديات على الأرصفة والشوارع ليس إجراءً تعسفيًا ولا استهدافًا لأصحاب البسطات، وإنما هو إجراء تنظيمي وقانوني يدخل في صميم مسؤولية المجلس البلدي تجاه المدينة وسكانها، ويهدف قبل كل شيء إلى حماية الحق العام، وتنظيم الحركة، والحفاظ على الأرصفة والممرات المخصصة للمشاة.
فالقانون الأساسي الفلسطيني كرس مبدأ سيادة القانون والمساواة، وأكد أن الحقوق والحريات تمارس في إطار القانون، كما أن قانون الهيئات المحلية رقم (1) لسنة 1997 وتعديلاته منح الهيئات المحلية صلاحيات تتصل بتنظيم شؤون المدن والبلدات والمرافق والأسواق العامة، واتخاذ الإجراءات اللازمة للمحافظة على النظام العام والصحة والسلامة والمصلحة العامة، وفق حدود الاختصاص.
كما أن قانون المرور رقم (5) لسنة 2000 وتعديلاته والأنظمة واللوائح ذات الصلة تضع إطارًا لتنظيم استعمال الطرق والأرصفة والمحافظة على انسيابية حركة المركبات والمشاة، بما يمنع إشغال الطريق العام بصورة تعيق حركة المواطنين أو تعرضهم للخطر.
ومن هنا، فإن إزالة التعديات على الأرصفة ليست قرارًا ضد فئة اجتماعية بعينها، بل هي تطبيق لمبدأ بسيط: الرصيف حق للمشاة، والشارع حق عام، والمرافق العامة ليست ملكًا خاصًا لأحد.
لكن في المقابل، فإن تطبيق القانون بصورة عادلة يقتضي أن يشمل التنظيم جميع أشكال التعدي دون استثناء. فلا يجوز أن تكون الحملة موجهة إلى أصحاب البسطات وحدهم، بينما تبقى تعديات بعض أصحاب المحال التجارية على الأرصفة قائمة، سواء من خلال عرض البضائع أو وضع المعيقات أو استغلال المساحات العامة بصورة تتجاوز الحدود القانونية.
وهنا تظهر مسؤولية البلدية في تحقيق المساواة في التطبيق؛ فالقانون يجب أن يطبق على البسطة والمحل التجاري والمطعم وأي جهة أخرى تستغل الرصيف أو الطريق العام بالمخالفة للأنظمة. لا حصانة لأحد أمام الحق العام، ولا ينبغي أن تتحول الأرصفة إلى امتياز خاص لمن يملك محلًا أو بسطة.
وفي الوقت نفسه، فإن احترام القانون لا يتعارض مع مراعاة الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية لأصحاب البسطات. المطلوب هو تنظيم وليس إقصاء، وتصحيح أوضاع وليس قطع أرزاق. ولذلك فإن إيجاد مواقع بديلة ومنظمة لأصحاب البسطات يمثل جزءًا أساسيًا من نجاح عملية التنظيم، ويحولها من إجراء إزالة إلى مشروع حضري واقتصادي متكامل.
ومن المؤسف أن تتحول قضية تنظيم الأسواق إلى مادة للإشاعات والتأويلات، أو أن يجري تصوير تطبيق القانون وكأنه استهداف لفئة معينة. فهناك دائمًا من يحاول، تحت عناوين مختلفة، إثارة البلبلة والتشكيك في أي إجراء إصلاحي، خدمةً لمصالح ضيقة أو انطلاقًا من حسابات لا علاقة لها بالمصلحة العامة. وهذه الأصوات، مهما كانت دوافعها، لا ينبغي أن تكون مدخلًا لتعطيل القانون أو تشجيع الفوضى.
إن المجتمع الكرماوي، الذي عانى طويلًا من الفوضى في بعض الأسواق والاعتداء على الأرصفة والطرق، من حقه أن يرى مدينة أكثر تنظيمًا ونظافة وأمانًا. والدعم الشعبي لأي خطوة إصلاحية ينبغي أن يقابله من الجهات التنفيذية الالتزام بالشفافية والعدالة وعدم الانتقائية.
والرسالة التي ينبغي أن تكون واضحة للجميع هي: نعم لتنظيم الأسواق، نعم لحماية أصحاب البسطات عبر البدائل القانونية، ونعم لإزالة جميع التعديات، سواء ارتكبها صاحب بسطة أو صاحب محل تجاري أو أي جهة أخرى.
إن طولكرم بحاجة إلى قانون يطبق بعدالة، وإدارة حازمة ولكن مسؤولة، وحلول عملية تحفظ للناس أرزاقهم وتحفظ للمدينة شوارعها وأرصفةها.
فالحق العام ليس خصمًا لأحد، والقانون ليس سلاحًا ضد الفقراء؛ بل القانون عندما يطبق بعدالة هو الحماية الحقيقية للجميع.



