من سياسة التسامح الى سياسة فرض العقوبات: التحول البريطاني–الأوروبي تجاه الاستيطان الإسرائيلي

"قراءة في تطورات الموقف"

سبتمبر 10, 2026 - 11:42
من سياسة التسامح الى سياسة فرض العقوبات:  التحول البريطاني–الأوروبي تجاه الاستيطان الإسرائيلي

من سياسة التسامح الى سياسة فرض العقوبات:

التحول البريطاني–الأوروبي تجاه الاستيطان الإسرائيلي

"قراءة في تطورات الموقف"

بروفيسور عوض سليمية  

باحث في العلاقات الدولية

 

الملخص

ما يجري ليس انقلاباً غربياً على إسرائيل، وبالطبع ليس قطع للعلاقات التاريخية البريطانية-الغربية-الاسرائيلية؛ بل إعادة تعريف تدريجي لرفع كلفة ممارسات حكومة اليمين المتطرف على الارض الفلسطينية، ورسالة مباشرة بخط احمر للحكومة الاسرائيلية القادمة. جوهرها؛ ان بريطانيا واوروبا عازمتان على الانتقال من بيانات الشجب والاستنكار لسياسة التوسع الاستيطاني وعنف المستوطنين وجرائمهم، إلى التعامل مع هذه القضية بوصفها سياسة تنسف حل الدولتين وتدفع المنطقة للانفجار. وبالتالي؛ يستوجب هذا النهج فرض كلفة سياسية واقتصادية وقانونية على اسرائيل.

اهمية هذه الموقف تأتي من نقل ملف الاستيطان وعنف المستوطنين من قضية داخلية-كما تحاول اسرائيل تسويقها، إلى متغير في المعادلة الاستراتيجية للعلاقات الغربية–الإسرائيلية. وفقاً لهذا الاعلان، يبدو ان معادلة غربية جديدة بدأت تتشكل؛ من الان فصاعداً: إذا كان الاستيطان ينسف حل الدولتين، فإن حماية حل الدولتين تقتضي فرض كلفة سياسية واقتصادية وقانونية على هذا الاستيطان"

 

 

 

مقدمة

تطورات المواقف الغربية التي تقودها بريطانيا لا يجب ان ننظر اليها باعتبارها تهديداً بفرض العقوبات على منتجات المستوطنات فقط، بل باعتبارها تطوراً في طبيعة المواقف الغربية السائدة منذ عقود والانتقال من مربع الاكتفاء بالإدانة السياسية والتعبير عن القلق المتزايد إلى محاولة فرض كلفة مرتفعة على سياسات حكومة اليمين في اسرائيل؛ بما يشمل مشاريع الاستيطان غير القانونية في كل الارض الفلسطينية بما فيها مشروع E1 وتفاقم عنف المستوطنين وجرائمهم. والأهم في هذا التحرك أن بريطانيا لا تتحرك منفردة؛ بل تعمل على بناء ائتلاف غربي قابل للتوسع لحماية حل الدولتين، لكن دون قطع العلاقة الرسمية مع اسرائيل.

وفقاً للبيان الصادر، فإن 12 دولة غربية بما فيها بريطانيا أعلنت أنها ستفرض أو تدرس او تدعم فرض قيود وعقوبات، أوروبية، على التجارة مع المستوطنات غير القانونية والخدمات المرتبطة بها؛ بينما أعلنت بريطانيا وفرنسا وكندا إجراءات وطنية مباشرة.

ما الذي حرك المياه الراكدة؟

التحول الأهم في المواقف الغربية المنسقة ليس في حجم او شكل العقوبات، وإنما في المنطق الذي يقف خلفها. خلال عقود، كان الموقف الأوروبي الرسمي يقوم على معادلة، الاستيطان غير قانوني ويخالف القوانين الدولة ويعيق تنفيذ حل الدولتين، لكن هذه الاعلانات السياسية لم تتطور الى احتكاك في العلاقة مع اسرائيل.

مع وصول حزب العمال البريطاني الى الحكم، اتخذت الحكومة الحالية مساراً متسارعاً ضد سياسات اسرائيل على الارض الفلسطينية، في هذا السياق، أعلن رئيس الوزراء البريطاني الجديد اندي بيرنهام تشديد الإجراءات ضد الاستيطان الإسرائيلي في الضفة الغربية، منتقداً التردد الحكومي السابق بسبب الخشية من الاتهام بـ "معاداة السامية". وشدد بيرنهام على أن "المبادرة لا تستهدف المواطنين الإسرائيليين، بل سياسات حكومة نتنياهو، ممهدا حديثه بالتأكيد على أن مأساة غزة "وصمة عار" تتطلب التحرك لحماية حل الدولتين، وفي سياق متصل، كشف وزير خارجيته إد ميليباند عن فحوى الاجراءات التي تخطط بلاده لاتخاذها والمتمثلة في حظر استيراد سلع المستوطنات ومقاطعة الشركات الممولة لها خلال 6 إلى 9 أشهر.

حماية حل الدولتين

البيان المشترك لوزراء خارجية كندا، والدنمارك، وفنلندا، وفرنسا، وأيسلندا، وأيرلندا، والنرويج، وبولندا، والبرتغال، وإسبانيا، والسويد، والمملكة المتحدة، يتحدث بصورة مباشرة عن خطورة ممارسات اسرائيل على حل الدولتين "إن الإجراءات التي تتخذها حكومة إسرائيل في الضفة الغربية تقوض إمكانية التوصل إلى حل الدولتين". كما ركز البيان على مخاطر استمرار بناء المستوطنات على الارض الفلسطينية وعنف المستوطنين المتزايد واعتداءاتهم على المدنيين الفلسطينيين "الوضع يتدهور بسرعة في ظل مستويات غير مسبوقة من عنف المستوطنين وتوسيع المستوطنات، بما في ذلك القرار غير المقبول بإعلان مناقصات لمشروع مستوطنة E1".

وفقاً لهذا الاعلان، فإن المعادلة الغربية الجديدة الاخذة بالتشكل – في حال تم ترجمتها الى افعال، إذا كان الاستيطان يقوّض حل الدولتين، فإن حماية حل الدولتين تقتضي فرض كلفة على هذا الاستيطان. نقطة التحول المركزية في هذا الاعلان، هي نقل الملف من مربع الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني إلى مستوى دولي يهدف بالدرحة الاولى الى الحفاظ على النظام والقانون الدولي وقطع الطريق على محاولات تغيير الوضع الديموغرافي في اراضي دولة فلسطين.  

لماذا الآن؟

اعتقد ان هناك عدة أسباب متداخلة دفعت لندن لقيادة هذا التحرك الجديد مع العواصم الاوروبية؛ منها.

1.    تحول الاستيطان في الضفة الغربية إلى سياسة ضم فعلي وامر واقع لا يمكن الرجوع عنه.

أصبح مشروع E1 الاستيطاني العتبة التي تجاوزت كل الخطوط الحمراء للعواصم الاوروبية. باعتباره يقع في منطقة حساسة وسط الضفة الغربية، وقادر في حال تنفيذه على قطع التواصل الجغرافي بين شمال الضفة الغربية وجنوبها. ولهذا لم تتعامل أوروبا معه كمشروع استيطاني إضافي، بل باعتباره خطوة يمكن أن تخلق أمراً واقعاً جغرافياً يصعب التراجع عنه. وبدأت بريطانيا وفرنسا وكندا تحديداً في تحويل E1 إلى قضية سياسية مركزية؛ والبيان المشترك الصادر يوم 20 اوغسطس، عن قادة 12 عاصمة اوروبية وتبنته المفوضية الاوروبية بشأن المشروع جاء واضحاً "إن من شأن مستوطنة «E1» أن تقوض آفاق حل الدولتين من خلال إحداث فصل الضفة الغربية والإضرار بالاتصال الجغرافي للأراضي الفلسطينية".

2. جرائم وعنف المستوطنين المتزايدة

3.    تعطيل حكومة نتنياهو لخطة ترامب في قطاع غزة وإعادة انتاج حرب الابادة بأساليب جديدة؛ الى جانب تصاعد التهديدات بحرب شاملة ضد السلطة الوطنية الفلسطينية والاجهزة الامنية.

4.    إعادة تعريف الخط الفاصل لعام 1967

لندن لا تريد مقاطعة إسرائيل. بل تريد رسم خط واضح بين إسرائيل داخل حدودها المعترف بها دولياً والمشروع الاستيطاني داخل الأراضي الفلسطينية. ولهذا حرص ميليباند على القول "إن الخلاف ليس مع الشعب الإسرائيلي وإنما مع سياسات حكومته".

5.    اسباب سياسية وحزبية بريطانية بعد تآكل الدور الاوروبي

تحاول لندن استعادة دورها في المبادرات الدبلوماسية والسياسية في القضايا العالمية بعد خروجها من الاتحاد الأوروبي. فهمي لم تعد قادرة على فرض سياسة على الدول الاوروبية من الداخل، لذلك تحاول العودة من منفذ بناء ائتلاف أوروبي–غربي من الخارج.

الموقف الفلسطيني؛ العربي والاسلامي

تسعى القيادة الفلسطينية التي "رحبت بهذا القرار واعتبرته بمثابة خطوة مهمة لمواجهة منظومة الاستيطان الإسرائيلي وانتهاكاتها بحق الشعب الفلسطيني"؛ للاستفادة من هذا الاعلان باعتباره مدخلاً للمساءلة القانونية ورفع كلفة الاستيطان وتدويل عدوان المستوطنين وجرائمهم. بالمثل؛ رحبت عدد من الدول العربية والاسلامية بالقرار البريطاني-الاوروبي واعتبرته "خطوة نحو حشد المجتمع الدولي" لترجمة الاقوال الى افعال ملموسة واجراءات متراكمة تدفع حكومات اسرائيل للتوقف عن هذه الممارسات والتوجه نحو حل الدولتين.  

الموقف الامريكي

استبق السفير الامريكي في اسرائيل مواقف إدارته في واشنطن، وشن هاكابي هجوماً على المواقف الغربية وخاصة بريطانيا، ليس بسبب قيمة العقوبات الاقتصادية المباشرة، بل لان المواقف تعيد ترتيب التموضع للقوى الغربية. رسالة هاكابي تقول، يُسمح للأوروبيين انتقاد الاستيطان، لكن لا يسمح لهم ترجمة الاقوال الى افعال. ولا تحويل الضغط السياسي الشفهي إلى نظام عقوبات اقتصادي فعلي. بالمقابل، اظهر وزير الخارجية الأميركي روبيو، ضبط نفسي ملحوظ؛ قائلاً "لقد أبلغونا بذلك..."لقد استمعنا إلى الحجج التي ساقوها لتبرير موقفهم"... واضاف بالطبع، "نحن لن نحذو حذوهم"؛ هذا الاعلان لا يدين القرار البريطاني-الغربي ولا يدعمه؛ لكنه يعبر ضمناً ان الادارة الامريكية سئمت من مراوغات نتنياهو وتحالفه.

الموقف الاسرائيلي

شكل الإعلان البريطاني–الأوروبي لطمة سياسية على وجه حكومة نتنياهو. من ناحية، مع اقتراب موعد انتخابات الكنيست الاسرائيلي. من ناحية اخرى، نقل ملف الاستيطان وعنف المستوطنين من دائرة الانتقاد الدبلوماسي الغربي إلى مستوى يفرض كلفة سياسية ودولية على الحكومة الإسرائيلية خاصة من قبل حلفاء تقليديين لاسرائيل؛ يمثل سابقة غير معهودة. وهو ما يمهد الطريق ليس فقط من قضية فرض العقوبات او القيود على منتجات المستوطنات، بل من الخطوة التالية التي من المتوقع ان تستهدف؛ الشركات، المصانع، المزارع...التي تعمل في المستوطنات؛ البنوك التي تمولها؛ المستثمرون والشركات الدولية المشاركة ثم لاحقاً كل من يقيم فيها... هكذا يتشكل تدريجياً نظام كلفة دولي قابل للتوسع حول الاستيطان.

هذه المحاذير تتسق تماماً مع صيغة الغضب الإسرائيلي الكبير، ورد على لسان وزير الخارجية ساعر "قررنا بالتنسيق مع رئيس الوزراء إغلاق القنصلية البريطانية في القدس الشرقية؛ انهاء مشاركة بريطانيا في مركز التنسيق المدني العسكري بشأن غزة في "كريات غات"؛ وإغلاق مكتب التمثيل الأمني البريطاني في رام الله. وامهلت اسرائيل عدداً من الدبلوماسيين البريطانيين مدة 7 ايام لمغادرة ما أسمته "اراضيها"، بالتزامن أعلن الوزير ايلي كوهين عضو الكابينيت السياسي والامني؛ ان "اسرائيل سوف تستمر ببناء المستوطنات في الضفة الغربية".

التقدير

ما يجري ليس عقوبة أوروبية على المستوطنات بقدر ما هو اختبار حقيقي لمدى قدرة العواصم الغربية على ترجمة الاقوال الى افعال. هذا لا يعني ان واشنطن ستقف موقف المتفرج ومتوقع ان تمارس ضغطاً على مستوى "سقف الضغط وحدوده وليس على مبدأ الضغط ذاته". هذا يعني؛ إذا ثبتت المواقف الغربية وتحولت إلى نظام يميز بين حدود إسرائيل وحدود اراضي دولة فلسطين المعترف بها دولياً وتم البناء على هذه المواقف، فنحن أمام تطور نوعي في البيئة الدولية للاستيطان وسياسات اسرائيل بشكل عام، وبعكس ذلك، تبقى هذه القرارات اعلانات سياسية وانتخابية مجردة لا علاقة لها بما يجري على الارض الفلسطينية.