بين شبح الانهيار وضرورة الإصلاح: هل تكفي سياسة "تلبيس الطواقي" لإنقاذ الاقتصاد الفلسطيني؟

بقلم المحامي علي أبو حبلة

مايو 10, 2026 - 08:49
بين شبح الانهيار وضرورة الإصلاح: هل تكفي سياسة "تلبيس الطواقي" لإنقاذ الاقتصاد الفلسطيني؟

بين شبح الانهيار وضرورة الإصلاح: هل تكفي سياسة "تلبيس الطواقي" لإنقاذ الاقتصاد الفلسطيني؟
بقلم المحامي علي أبو حبلة
لم تعد الأزمة المالية الفلسطينية مجرد أرقام تُتداول في بيانات وزارة المالية، أو نسب رواتب تُصرف منقوصة نهاية كل شهر، بل تحولت إلى واقع اقتصادي واجتماعي وثقافي ضاغط يلامس حياة كل بيت فلسطيني، ويهدد بنية المجتمع ومقومات صموده. وما يجري اليوم يتجاوز مفهوم العجز المالي المؤقت، ليقترب من حالة إنهاك عام للدولة والمجتمع معاً.
فالسياسات القائمة على إدارة الأزمة بمنهج "تلبيس الطواقي" – أي تسديد التزام عبر خلق التزام جديد، وتأجيل استحقاق عبر استدانة أو شيكات مؤجلة – ربما أخرت الانفجار، لكنها لم تقدم علاجاً حقيقياً، بل ساهمت في ترحيل الأزمة من شهر إلى آخر، ومن مؤسسة إلى أخرى، ومن الحكومة إلى المواطن.
تردٍ اقتصادي يضرب الجميع
تشهد الأسواق الفلسطينية حالة ركود غير مسبوقة، وتراجعاً في القدرة الشرائية، وانخفاضاً في حركة الاستثمار، في وقت تعثرت فيه مئات المنشآت الاقتصادية الصغيرة والمتوسطة، وأصبحت عاجزة عن تغطية نفقاتها التشغيلية من إيجارات ورواتب وكهرباء وضرائب والتزامات بنكية.
كثير من هذه المنشآت لم تعد تعمل لتحقيق الربح، بل للبقاء فقط. وبعضها أغلق أبوابه بصمت، فيما يترقب آخرون لحظة التوقف الكامل. وهذا يعني فقدان وظائف، وتوسع دائرة البطالة، وتراجع الإيرادات العامة، لتدخل الأزمة في حلقة مفرغة.
المعضلة الاجتماعية... الموظف بين نارين
الموظف العمومي، الذي كان يشكل ركيزة الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي، أصبح اليوم ضحية معادلة قاسية: الحكومة مدينة له برواتب ومستحقات متراكمة، وفي المقابل هو مدين للبنوك والمؤسسات والأفراد.
يتلقى راتباً منقوصاً، بينما أقساطه البنكية والتزاماته المعيشية تُطلب كاملة. ومع تراكم الديون، أصبح كثير من الموظفين عرضة لإجراءات قانونية، وأوامر حبس، وملاحقات تنفيذية نتيجة التعثر في السداد.
وهنا تكمن المعضلة الأخلاقية والوطنية: كيف يُحاسب الموظف على عجزه عن السداد، بينما صاحب العمل – أي الحكومة – عاجز عن دفع حقوقه كاملة؟
إنها معادلة صعبة، تحمل في طياتها مخاطر اجتماعية خطيرة، تبدأ بالتفكك الأسري، ولا تنتهي بتآكل الثقة بالمؤسسات والقانون.
البعد الثقافي والنفسي للأزمة
الأزمات الاقتصادية لا تبقى في جيب المواطن فقط، بل تمتد إلى روحه وثقافته وسلوكه. فحين ينشغل الإنسان بتأمين لقمة العيش وسداد الدين، تتراجع أولوياته الثقافية والتعليمية، ويضعف الإقبال على القراءة والفنون والمبادرات المجتمعية، وتتسع دائرة الإحباط والهجرة والانكفاء الفردي.
ولهذا فإن استمرار الأزمة المالية دون أفق حل، لا يهدد الاقتصاد فقط، بل يهدد الإنسان الفلسطيني في وعيه ومعنوياته وانتمائه.
هل ننتظر الانهيار؟
السؤال الجوهري اليوم: هل ننتظر الانهيار الاقتصادي والاجتماعي الكامل، أم أن المرحلة تتطلب جرأة في الإصلاح والتغيير والتنمية؟
الجواب يجب أن يكون واضحاً: لا وقت للمسكنات. المطلوب انتقال عاجل من إدارة الأزمة إلى صناعة الحل، عبر برنامج وطني شامل يقوم على:
إصلاح مالي شفاف يوقف الهدر ويعيد ترتيب الأولويات.
إعادة هيكلة الجهاز الإداري وفق الكفاءة والاحتياج.
حماية الموظفين وصغار المدينين من الملاحقات القاسية.
دعم المنشآت الصغيرة والمتوسطة بخطط إنقاذ وتمويل ميسر.
تحفيز الاستثمار والإنتاج المحلي بدل الاقتصاد الاستهلاكي.
تعزيز شبكة الأمان الاجتماعي للفئات الأكثر تضرراً.
تحرك سياسي وقانوني دولي لوقف احتجاز أموال المقاصة.
أخيراً
الشعب الفلسطيني أثبت عبر تاريخه قدرته على الصمود أمام الاحتلال والحصار والحروب، لكنه لا يجوز أن يُترك وحيداً في مواجهة الانهيار الاقتصادي الداخلي. فالأوطان لا تُدار بسياسة التأجيل، ولا تُحمى بترحيل الأزمات.
إن المرحلة تتطلب شجاعة القرار، وعدالة الإصلاح، ورؤية تنموية حقيقية، لأن كلفة الإصلاح اليوم، مهما كانت صعبة، تبقى أقل بكثير من كلفة الانهيار غداً.