الصمود النشط بوصفه النموذج الثالث بين السلطة والتحرر
صفر باليد صفيره
الصمود النشط بوصفه النموذج الثالث بين السلطة والتحرر
صفر باليد صفيره
محمد قاروط أبو رحمه
في النقاش الفلسطيني الدائر حول مستقبل الحركة الوطنية، وخصوصًا داخل حركة فتح، غالبًا ما يُطرح السؤال بصيغة ثنائية حادة:
هل نحن أمام حركة تحرر فقدت وظيفتها وتحولت إلى سلطة؟ أم أمام سلطة عاجزة تحاول الاحتفاظ بخطاب التحرر؟
غير أن هذا التقابل الثنائي، رغم وجاهته الظاهرية، قد يكون جزءًا من الأزمة نفسها، لأنه يفترض أن العلاقة بين "التحرر" و"الإدارة" علاقة تناقض مطلق، وأن أي دخول في بنية مؤسساتية يعني بالضرورة نهاية الفعل الوطني. بينما تكشف التجربة الفلسطينية، بتعقيدها التاريخي والاستعماري الخاص، أن الواقع أكثر تركيبًا من هذه الثنائية المغلقة.
فالحالة الفلسطينية لا تشبه تجارب التحرر الكلاسيكية التي انتقلت فيها الحركات الوطنية من الثورة إلى الدولة بعد تفكيك البنية الاستعمارية. هنا لم يأتِ قيام السلطة بعد الاستقلال، بل داخل استمرار الاستعمار الاستيطاني الإحلالي نفسه. ولذلك لم تنتج التجربة الفلسطينية "دولة ما بعد التحرر"، ولا "ثورة خارج السلطة"، بل حالة هجينة تجمع بين الإدارة المحدودة واستمرار الصراع في آن واحد.
ومن هنا تظهر الحاجة إلى ما يمكن تسميته بـ (النموذج الثالث):
ليس سلطة خالصة، ولا ثورة منفصلة عن المجتمع والمؤسسات، بل صيغة تحاول تحويل البنية القائمة نفسها إلى مجال صمود، واشتباك، وتراكم وطني.
من الثنائية المغلقة إلى النموذج المركب
لقد أظهر المسار الفلسطيني منذ أوسلو أن النموذجين التقليديين يواجهان مأزقًا بنيويًا:
سلطة بلا سيادة تحمل خطر التحول إلى إدارة للسكان تحت الاحتلال.
وحركة بلا أرض تحمل خطر الانفصال عن المجتمع أو الارتهان للخارج.
لكن الاستنتاج الذي يترتب على هذا المأزق ليس بالضرورة ضرورة هدم أحد النموذجين لصالح الآخر، بل البحث عن إمكانية دمج الوظيفة المؤسسية بالوظيفة التحررية ضمن معادلة جديدة.
فالتحرر لا يتحقق بالشعارات وحدها، كما أن بناء المؤسسات لا يمكن اختزاله في وظيفة إدارية محايدة داخل سياق استعماري مفتوح. المسألة تتعلق بكيفية تحويل المؤسسة ذاتها إلى عنصر من عناصر الصمود الوطني، لا إلى بديل عنه.
هنا لا تصبح المدرسة مجرد مرفق تعليمي، بل أداة لحماية الوعي الوطني.
ولا يتحول الاقتصاد إلى مجرد إدارة للاستهلاك، بل إلى محاولة لتقليل التبعية.
ولا تُفهم الإدارة باعتبارها غاية مستقلة، بل باعتبارها وسيلة لحماية المجتمع ومنع تفككه.
بهذا المعنى، لا يكون النضال نقيض البناء، ولا تكون المؤسسة نقيض المقاومة، بل يصبح كل منهما شرطًا لاستمرار الآخر.
صفر باليد صفيرة: من نقص الموارد إلى فلسفة فعل
لا تُفهم عبارة صفر باليد صفيره هنا بوصفها توصيفًا شعبيا ساخرا للفقر أو قلة الإمكانيات، بل بوصفها خلاصة تجربة سياسية وتاريخية عاشها الفلسطيني عبر مراحل متعددة من الصراع.
فـ اللصفر هنا ليس عدماً مطلقاً، بل لحظة انكشاف كاملة:
حين لا يبقى للفرد سوى جسده ووعيه وإرادته.
دائرة الإبهام والسبابة التي تُنتج الصفير ليست مجرد حركة يد، بل اختزال رمزي لفكرة أعمق: القدرة على إنتاج التأثير انطلاقا من الحد الأدنى الممكن.
هنا لا يعود الفعل الوطني مشروطا بامتلاك القوة الكاملة، بل بالقدرة على تحويل المحدود إلى طاقة حضور واشتباك وصمود.
بهذا المعنى، لا يقوم النموذج الثالث على انتظار شروط مثالية للتحرر، ولا على وهم القدرة على إنتاج سيادة مكتملة تحت الاستعمار، بل على إدارة التناقض التاريخي بوعي: بناء ما يمكن بناؤه، وحماية ما يمكن حمايته، وتحويل كل مساحة متاحة إلى مجال فعل وطني.
لقد كشفت التجربة الفلسطينية، خصوصا منذ هبة النفق عام 1996 والانتفاضة الثانية، أن المجتمع الفلسطيني قادر على إنتاج أشكال مقاومة مركبة حتى في ظل اختلال هائل في موازين القوة.
لم يكن الفلسطيني يمتلك جيشا نظاميا ولا سيادة ولا اقتصادا مستقلا، لكنه امتلك القدرة على تحويل الإنسان ذاته إلى مركز للفعل السياسي: في الشارع، والجامعة، والمخيم، والمؤسسة، والإعلام، والاقتصاد، والرمز الثقافي.
في الانتفاضة الثانية، لم يكن الصراع مجرد مواجهة عسكرية، بل عملية إعادة توظيف شاملة للمجتمع بوصفه بنية صمود.
الجامعات تحولت إلى فضاءات تعبئة،
والمخيمات إلى شبكات تنظيم،
والاقتصاد المحلي إلى آلية بقاء،
والإعلام الشعبي إلى أداة مواجهة للرواية الإسرائيلية.
حتى حين تعرضت البنية الفلسطينية لضربات هائلة، لم ينتهِ الفعل الوطني، لأن مصدره لم يكن السلاح وحده، بل المجتمع نفسه.
ومن هنا، فإن جوهر "الصمود النشط" لا يتمثل في تمجيد الضعف أو التكيف مع العجز، بل في رفض التحول إلى حالة انتظار تاريخي. فالفلسطيني، حين لا يملك إلا صفيره، يحولها إلى إعلان حضور، وإلى أداة تنظيم وتنبيه وتواصل، أي إلى فعل سياسي في حدّه الأدنى، لكنه فعل يرفض الاستسلام للفراغ.
فتح والنموذج الثالث
ضمن هذا الإطار، لا يعود السؤال الحقيقي:
هل أصبحت فتح سلطة أم بقيت حركة تحرر؟
بل يصبح السؤال الأعمق:
هل تستطيع فتح إعادة تعريف علاقتها بين السلطة والتحرر بطريقة تمنع تحول أحدهما إلى نقيض كامل للآخر؟
لقد أنتجت تجربة السلطة تحولًا حقيقيًا في بنية الحركة ولغتها وأولوياتها. وهذا أمر لا يمكن إنكاره. لكن تحويل هذا التحول إلى "نهاية تاريخية" للمشروع الوطني يفترض أن السياسة الفلسطينية فقدت تمامًا قدرتها على إعادة إنتاج ذاتها، وهو استنتاج لا تؤيده التجربة الفلسطينية ذاتها.
فحتى داخل أكثر اللحظات قسوة، ظل المجتمع الفلسطيني قادرًا على إنتاج أشكال جديدة من الفعل الوطني، سواء عبر المقاومة الشعبية، أو العمل المجتمعي، أو الصمود الاقتصادي، أو إعادة بناء الهوية الوطنية داخل الأرض المحتلة وخارجها.
من هنا، فإن "النموذج الثالث" لا يدعو إلى إلغاء السلطة، ولا إلى الاكتفاء بإدارتها، بل إلى إعادة توجيه وظيفتها تدريجيًا بحيث تصبح جزءًا من استراتيجية صمود وطني طويلة المدى.
أي أن يُعاد تعريف النجاح السياسي:
ليس فقط بمنع الانهيار الإداري،
ولا فقط بإطلاق شعارات التحرير،
بل بمدى القدرة على تعزيز بقاء المجتمع الفلسطيني، وتقليل تبعيته، وحماية وحدته، وإبقاء أفق التحرر مفتوحًا تاريخيًا.
بين الواقعية والاستسلام
تكمن خطورة بعض الطروحات السياسية في أنها تخلط بين الواقعية والاستسلام.
فالواقعية لا تعني القبول بالهزيمة بوصفها قدرًا نهائيًا، كما أن التمسك بالتحرر لا يعني تجاهل موازين القوى أو الانفصال عن الواقع.
النموذج الثالث يحاول تجاوز هذا الانقسام عبر الجمع بين أمرين:
إدارة الممكن،
ومنع الممكن نفسه من التحول إلى سقف نهائي.
أي أن المؤسسة لا تتحول إلى بديل عن القضية، بل إلى أداة لحماية المجتمع الذي يحمل القضية.
وهذا ما يجعل الصمود نفسه فعلًا سياسيًا، لا مجرد حالة دفاعية سلبية.
خاتمة: من إدارة البقاء إلى إنتاج المعنى
إن السؤال المركزي اليوم لا يتعلق فقط بمستقبل حركة فتح، بل بمستقبل السياسة الفلسطينية كلها:
هل تبقى السياسة مجرد إدارة لواقع قائم؟
أم تستعيد قدرتها على إنتاج معنى تاريخي جديد؟
في هذا السياق، لا يبدو "النموذج الثالث" وصفة جاهزة أو حلًا سحريًا، بل محاولة لإعادة التفكير في العلاقة بين التحرر والبناء ضمن شروط استعمارية غير مسبوقة تاريخيًا.
إنه يفترض أن الفلسطيني لا يملك ترف الاختيار بين "الدولة الكاملة" و"الثورة الكاملة"، لأنه يعمل داخل واقع لم يكتمل فيه أي منهما. ولذلك تصبح المهمة الأساسية هي منع انهيار المجتمع، ومنع تصفية الهوية الوطنية، وتحويل كل مساحة متاحة إلى مجال تراكم وصمود وفعل.
وهنا تكمن الدلالة الأعمق لعبارة صفر باليد صفيره، ليست القيمة في حجم ما نملك، بل في قدرتنا على تحويل ما نملكه، مهما كان محدودًا، إلى فعل حضور وتأثير واستمرار.
فالشعوب لا تُقاس فقط بما تمتلكه من قوة، بل أيضًا بقدرتها على تحويل الحد الأدنى من الإمكانيات إلى مشروع بقاء ومعنى وتاريخ.
صوت القضية 15/5/2026 https://soutalqadih.com/news/article.php?id=2953



