فلسطين على حافة اللحظة المصيرية: من أخطاء مجلس عموم فلسطين إلى معركة إنقاذ الشرعية والوحدة الوطنية
قراءة استراتيجية في الحاضر على ضوء دروس الماضي
فلسطين على حافة اللحظة المصيرية: من أخطاء مجلس عموم فلسطين إلى معركة إنقاذ الشرعية والوحدة الوطنية
قراءة استراتيجية في الحاضر على ضوء دروس الماضي
بقلم المحامي علي أبو حبلة
في تاريخ الشعوب، هناك لحظات لا تحتمل التردد، ومحطات لا يغفر فيها الزمن أخطاء القيادات ولا انقسامات النخب. وفلسطين تقف اليوم أمام واحدة من تلك اللحظات المصيرية، حيث تتقاطع مخاطر الحرب والتهجير والاستيطان وتآكل الشرعية الداخلية، مع محاولات إقليمية ودولية لإعادة تشكيل القضية الفلسطينية وفق مصالح الآخرين لا وفق حقوق الشعب الفلسطيني.
ومن هنا، فإن العودة إلى تجربة مجلس عموم فلسطين عام 1948 ليست ترفاً فكرياً ولا حنيناً إلى الماضي، بل ضرورة استراتيجية لفهم كيف تضيع الفرص الوطنية حين ينشغل أصحاب القضية بصراعات الشرعية والنفوذ، فيما يعمل الخصوم على فرض الوقائع على الأرض.
لقد نشأ مجلس عموم فلسطين عقب النكبة بوصفه محاولة لتثبيت الكيانية السياسية الفلسطينية ومنع تصفية الهوية الوطنية أو إلحاقها بمشاريع إقليمية. لكن التجربة سرعان ما اصطدمت بالانقسامات الفلسطينية، وبالتجاذبات العربية، وبضعف أدوات التنفيذ، فتحول المشروع من فرصة تاريخية إلى عنوان لعجز سياسي في زمن كانت فيه فلسطين بأمسّ الحاجة إلى وحدة القرار وصلابة القيادة.
واليوم، وإن اختلفت الأسماء والظروف، فإن جوهر الأزمة يعود بأشكال جديدة. فالفلسطينيون يواجهون انقساماً سياسياً وجغرافياً، ومؤسسات بحاجة إلى تجديد، وشرعيات متنازعاً عليها، وتراجعاً في الثقة الشعبية، في وقت تمضي فيه إسرائيل بخطة متكاملة لحسم الصراع من طرف واحد.
تعمل حكومة اليمين الإسرائيلي المتطرف على استراتيجية واضحة المعالم: تدمير غزة وإفراغها من مقومات الحياة، تكريس السيطرة الأمنية الكاملة على الضفة الغربية، توسيع الاستيطان، تهويد القدس، إضعاف السلطة الفلسطينية، وتحويل الفلسطينيين إلى تجمعات سكانية بلا أفق سياسي ولا كيان سيادي.
وفي المقابل، لا يزال النظام السياسي الفلسطيني أسير الحسابات الفصائلية، وردود الفعل، وتأجيل الاستحقاقات الوطنية، وكأن الزمن يعمل لصالح الفلسطينيين، فيما الحقيقة أن الزمن السياسي يتحرك بسرعة ضدهم.
إن أخطر ما يهدد القضية الفلسطينية اليوم ليس فقط قوة الاحتلال، بل غياب الجبهة الوطنية الموحدة القادرة على إدارة الصراع بوعي استراتيجي. فالانقسام يمنح إسرائيل ما عجزت عن تحقيقه بالحرب: تفكيك الإرادة الفلسطينية من الداخل.
صحيح أن التاريخ لا يُستنسخ، وأن واقع 2026 ليس واقع 1948، لكن الثابت أن الشعوب التي تتجاهل دروس ماضيها تدفع أثماناً مضاعفة في حاضرها. فكما أضعفت الانقسامات تجربة مجلس عموم فلسطين، فإن استمرار الانقسام اليوم يهدد ما تبقى من المشروع الوطني الفلسطيني. مما يتطلب وضع رؤيا استراتجية تتمثل في :-
أولاً: إطلاق حوار وطني شامل وفوري
يضم جميع القوى والفصائل والمستقلين للاتفاق على رؤية إنقاذ وطنية بعيداً عن منطق الغلبة والإقصاء.
ثانياً: إعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية
على أسس ديمقراطية وتمثيلية حديثة، لتبقى الممثل الشرعي الجامع لكل الفلسطينيين في الداخل والخارج.
ثالثاً: تجديد الشرعيات عبر الانتخابات حيث أمكن أو بالتوافق الوطني حيث يتعذر
لإنهاء حالة الفراغ السياسي واستعادة ثقة الشارع الفلسطيني.
رابعاً: توحيد الضفة الغربية وقطاع غزة مؤسساتياً وإدارياً
لأن استمرار الانقسام الجغرافي هو أخطر هدية مجانية للاحتلال.
خامساً: اعتماد استراتيجية مقاومة شاملة
تمزج بين النضال الشعبي، والتحرك القانوني الدولي، والدبلوماسية النشطة، وتعزيز الصمود الاقتصادي والاجتماعي.
سادساً: بناء تحالف عربي ودولي داعم
يعيد القضية الفلسطينية إلى مركز الاهتمام الدولي باعتبارها قضية تحرر وطني لا ملفاً إنسانياً مؤقتاً.
خاتمة
فلسطين اليوم ليست أمام أزمة عابرة، بل أمام لحظة تقرير مصير. وإذا لم تُتخذ قرارات شجاعة تعيد بناء الوحدة الوطنية وتحصّن الشرعية وتوحد أدوات المواجهة، فإن الآخرين سيواصلون رسم مستقبل فلسطين نيابة عن الفلسطينيين.
لقد أثبت التاريخ أن الاحتلال يستثمر كل انقسام، وأن الشعوب لا تخسر فقط عندما تُهزم عسكرياً، بل عندما تفشل سياسياً في إدارة معركتها. ولهذا، فإن معركة الفلسطينيين الأولى اليوم ليست بين فصيل وآخر، بل بين مشروع وطني جامع... ومشهد تآكل بطيء يهدد الجميع.



