بين الحوار والانتخابات.. فلسطين أمام اختبار الشرعية وإعادة بناء النظام السياسي
بين الحوار والانتخابات.. فلسطين أمام اختبار الشرعية وإعادة بناء النظام السياسي
المحامي علي أبوحبلة
تكشف تصريحات أمين سر اللجنة المركزية لحركة فتح جبريل الرجوب، خلال لقائه عددًا من الصحفيين في رام الله، عن مأزق سياسي يتجاوز مسألة موعد الانتخابات التشريعية، ليطال جوهر النظام السياسي الفلسطيني ومستقبل شرعيته وقدرته على مواجهة المرحلة الأخطر التي تمر بها القضية الفلسطينية.
وبحسب ما ورد في اللقاء، يرى الرجوب أن الانتخابات التشريعية لن تُجرى في موعدها المحدد ما لم يتحقق توافق وطني شامل، معتبرًا أن الدعوة إلى الانتخابات من دون اجتماع وتنسيق وطني لم تكن ولن تكون الوصفة الصحيحة لمعالجة الأزمة الراهنة. وفي المقابل، يؤكد أن تجديد شرعية النظام السياسي لا يتم إلا عبر صندوق الاقتراع.
وهنا تبرز المفارقة السياسية والقانونية الأساسية: إذا كانت الانتخابات هي الطريق لتجديد الشرعية، فكيف يمكن أن يصبح الحوار الوطني شرطًا سابقًا عليها، من دون أن يتحول الحوار إلى وسيلة لتعليق الاستحقاق الانتخابي؟ وكيف نضمن ألا يتحول التأجيل من إجراء استثنائي تفرضه ظروف موضوعية إلى نهج دائم يكرس الأمر الواقع؟
الحوار الوطني ضرورة فلسطينية لا خلاف عليها، خصوصًا في ظل الانقسام وتعدد مراكز القرار والتحديات التي يفرضها الاحتلال. لكن الحوار يجب ألا يصبح بديلًا عن الانتخابات، كما أن الانتخابات لا يجوز أن تُستخدم لتجاوز الحاجة إلى التوافق على قواعد النظام السياسي.
المطلوب إذن ليس المفاضلة بين الحوار والانتخابات، وإنما ربط المسارين بجدول زمني ملزم: حوار وطني شامل، يحدد قواعد الشراكة والانتخابات، ثم إجراء انتخابات حرة وشاملة في موعد متفق عليه، مع ضمان احترام نتائجها.
فالخطر الحقيقي يكمن في تأجيل الاستحقاقات دون سقف زمني واضح. استمرار غياب المجلس التشريعي المنتخب، وإطالة أمد أزمة الشرعية، وتعطيل التداول الديمقراطي للسلطة، كلها عوامل تضعف المؤسسات وتوسع الفجوة بين المواطن والنظام السياسي، وتمنح الاحتلال مساحة أكبر لفرض وقائع جديدة على الأرض.
كما أن أي تأجيل للانتخابات يجب أن يكون معللًا ومؤقتًا، وألا يتحول إلى قرار سياسي مفتوح. فالحق في الانتخاب ليس امتيازًا تمنحه السلطة، وإنما حق أصيل للشعب، ولا يجوز أن يبقى معلقًا تحت عنوان التوافق إلى أجل غير معلوم.
ومن هنا تكتسب «الثلاثية» التي طرحها الرجوب ـ الإصلاح والحوار وإعادة بناء النظام السياسي ـ أهميتها، شرط أن تتحول من عناوين سياسية إلى برنامج عملي. الإصلاح ينبغي أن يكون فلسطينيًا مستقلًا، وأن يتم عبر القانون والمؤسسات، ويشمل سيادة القانون والفصل بين السلطات واستقلال القضاء والرقابة والمساءلة والتعددية السياسية.
أما إعادة بناء منظمة التحرير والمجلس الوطني، فلا ينبغي أن تتحول إلى ترتيبات فصائلية أو محاصصة سياسية، بل إلى عملية وطنية تعيد الاعتبار لمنظمة التحرير باعتبارها الإطار الجامع، وتفتح المجال أمام تمثيل أوسع للفلسطينيين في الوطن والشتات.
وفي هذا السياق، يبقى الدور المصري مهمًا في رعاية حوار فلسطيني جاد، لكن المطلوب أن يكون الحوار فلسطيني القرار والنتيجة، وأن يقود إلى إنهاء الانقسام لا إلى إدارة أزمته.
إن فلسطين تواجه اليوم احتلالًا يشن حربًا على الأرض والديموغرافيا والقدس، فيما يبقى الانقسام الفلسطيني أحد أخطر عناصر الضعف الداخلي. ولذلك فإن استمرار الشلل السياسي ليس خيارًا، وتأجيل الانتخابات بلا نهاية ليس حلًا، والانتخابات المنفردة عن مشروع وطني جامع ليست مخرجًا.
الخلاصة أن الحوار يجب أن يفتح الطريق إلى الانتخابات، لا أن يغلقه؛ والإصلاح يجب أن يعزز الشرعية، لا أن يؤجلها؛ والوحدة يجب أن تكون شرطًا لحماية النتائج، لا ذريعة لتعليقها.
فلسطين لا تحتمل فراغًا دستوريًا وسياسيًا مفتوحًا، ولا تحتمل إعادة إنتاج الشرعية بالتأجيل. المطلوب قرار وطني واضح: حوار محدد المدة، إصلاح مؤسسي حقيقي، ثم انتخابات شاملة تحترم نتائجها. أما إبقاء الشعب الفلسطيني بين وعد الحوار ومؤجل الانتخابات، فهو تكريس للشلل الذي يفترض أن تكون الأولوية الوطنية هي الخروج منه.



