التعليم ركيزة الأمن القومي (3): حين تصبح استمرارية التعليم مسألة سيادة

د. ياسر أبو بكر عضو المجلس الثوري لحركة فتح

سبتمبر 6, 2026 - 15:43
التعليم ركيزة الأمن القومي (3): حين تصبح استمرارية التعليم مسألة سيادة

د. ياسر أبو بكر عضو المجلس الثوري لحركة فتح

في المقال الأول من هذه السلسلة طرحت مفهوم الأمن التربوي بوصفه جزءا من الأمن القومي، وفي الثاني تناولت "المسار التعليمي المكسور" لدى الطفل الفلسطيني الذي يقطع الاعتقال علاقته الطبيعية بمدرسته. لكن ثمة سؤالا أكبر تفرضه التجربة الفلسطينية اليوم:
 ماذا يحدث عندما لا ينكسر مسار طفل واحد، بل تصبح قابلية الانقطاع جزءا من حياة منظومة تعليمية بأكملها ؟!
هذه، في تقديري، هي النقطة التي ينبغي أن ينتقل إليها النقاش الفلسطيني.
فنحن معتادون على قياس قوة النظام التعليمي بعدد المدارس والجامعات والطلبة والمعلمين ونسب النجاح. وهي مؤشرات مهمة، لكنها تقيس التعليم عندما تسير الحياة بصورة طبيعية. أما في فلسطين، فهناك معيار آخر لا يقل أهمية: كم يستطيع التعليم أن يستمر عندما لا تكون الظروف طبيعية؟
المدرسة التي تقدم تعليما جيدا في الأيام العادية مدرسة ناجحة، لكن النظام التعليمي الآمن وطنيا هو الذي يستطيع أن يحافظ على صلته بالطالب عندما تُغلق المدرسة، أو يُحاصر المكان، أو يُقطع الطريق، أو يُعتقل الطالب أو المعلم، أو تتعطل البنية التحتية.
من هنا أقترح أن نضيف إلى قاموسنا التربوي مفهوما أراه ضروريا: "الاستمرارية التعليمية الوطنية"، وأقصد بها قدرة النظام التعليمي على ضمان استمرار علاقة المتعلم بالتعليم والمعرفة، حتى عندما تتعطل الوسيلة أو المكان أو الظروف التي كان يتعلم من خلالها.
فالمدرسة مبنى، لكن التعليم علاقة مستمرة. والجامعة مؤسسة ومكان، لكن المعرفة لا ينبغي أن تتوقف عندما يتعذر الوصول إليهما.
وهنا يظهر الفرق بين إدارة التعليم وإدارة استمراريته.
الأولى تنظم العام الدراسي عندما تكون المدارس مفتوحة والمعلمون والطلبة قادرين على الوصول إليها. أما الثانية فتسأل مسبقا: ماذا نفعل عندما يتعذر ذلك؟ وما البديل؟ ومن يفعله؟ وكيف نضمن جودته؟ وكيف نحفظ سجل الطالب ومساره وتقدمه؟
هذه ليست أسئلة طوارئ إدارية. إنها أسئلة أمن قومي.
فالتهديد الحقيقي لأي مجتمع لا يبدأ فقط عندما تتعطل مؤسسة تعليمية، بل عندما يمتد التعطل مدة تكفي لتحويل الانقطاع المؤقت إلى فجوة معرفية، ثم إلى تعثر، ثم إلى انسحاب من التعليم، ثم إلى خسارة بشرية واجتماعية يصعب تعويضها.
وهنا تتسع فكرة "المسار التعليمي المكسور" التي تناولتها في المقال السابق. فقد يكون الكسر فرديا بسبب اعتقال طفل، لكنه قد يكون أيضًا مكانيا عندما يتعطل التعليم في منطقة، أو جماعيا عندما تتعرض أعداد كبيرة من الطلبة لانقطاع طويل، أو رقميا عندما تصبح المعرفة متاحة لمن يمتلك الاتصال والأجهزة فقط، أو اجتماعيا عندما تدفع الظروف الاقتصادية الطفل بعيدا عن المدرسة.
بمعنى آخر، ليس كل طفل خارج المدرسة متسربا، وليس كل انقطاع تعليمي ناتجا عن ضعف الطالب أو أسرته. أحيانًا تكون البيئة نفسها هي التي تكسر المسار.
وهذا التمييز مهم؟
 لأن السياسات تختلف باختلاف التشخيص. فإذا تعاملنا مع المشكلة باعتبارها "فاقدًا تعليميًا" فقط، سنبحث عن حصص تعويضية. أما إذا اعتبرناها تهديدًا لاستمرارية المسار، فسنبحث عن منظومة تستطيع منع الكسر أولًا، واكتشافه سريعًا عندما يحدث، ثم إعادة وصل الطالب بالتعليم قبل أن يتحول الانقطاع إلى خروج دائم.
ومن هنا أعتقد أننا بحاجة إلى الانتقال من ثقافة الاستجابة بعد الأزمة إلى هندسة الاستمرارية قبل الأزمة.
أي أن تكون لكل مدرسة وجامعة، ولكل مديرية ومنطقة، خطة لاستمرارية التعليم، لا تنتظر وقوع الحدث حتى تبدأ بالتفكير. نحتاج إلى معرفة البدائل الممكنة للتعلم، وكيفية التواصل مع الطلبة، وكيف نحفظ السجلات والمواد التعليمية، وكيف نصل إلى من لا يمتلك اتصالًا رقميًا، وكيف نعيد الطالب إلى مساره الطبيعي عندما تنتهي حالة الطوارئ.
وهنا تعود التكنولوجيا، ولكن من زاوية مختلفة عن تلك التي ناقشتها في الجزء الأول.
فالتحول الرقمي ليس مجرد استبدال الكتاب بشاشة، ولا إدخال جهاز إلى الصف. قيمته الاستراتيجية الحقيقية تظهر عندما يصبح طبقة أمان للنظام التعليمي.
منصة وطنية للتعليم المفتوح، ومحتوى يمكن الوصول إليه بأكثر من وسيلة، ونسخ رقمية وغير رقمية للمواد، وسجلات تعليمية آمنة وقابلة للاستعادة، وأدوات تسمح للمعلم بالبقاء على اتصال بطلابه؛ كل ذلك لا ينبغي أن ينظر إليه باعتباره رفاهيةً تكنولوجيةً، بل بنية احتياطية تضمن ألا يؤدي تعطل المكان إلى تعطل التعليم.
لكن الرقمنة وحدها ليست الحل. فإذا بنينا نظامًا يعتمد كليا على الإنترنت، فإننا قد نستبدل هشاشة بهشاشة أخرى. فالطالب الذي لا يمتلك جهازًا أو اتصالًا جيدًا يصبح خارج المنظومة الجديدة.
لذلك فإن المرونة التعليمية الحقيقية تعني تعدد الطرق، لا استبدال طريق بطريق واحد آخر.
تعليم حضوري عندما يكون ممكنًا، ورقمي عندما يتعذر الحضور، ومواد قابلة للاستخدام دون اتصال دائم، ومساحات تعلم مجتمعية عند الحاجة، وآليات واضحة للاعتراف بما تعلمه الطالب خارج الصف التقليدي. المهم ليس شكل الأداة ؟
 المهم ألا تنقطع العلاقة بين الطالب والتعليم.
وهذا يقود إلى قضية أعمق: نحن بحاجة إلى خريطة وطنية لمخاطر الانقطاع التعليمي.
نعرف أين توجد المدارس، لكن هل نعرف أين توجد المسارات الأكثر عرضة للكسر؟ أي المناطق أكثر تعرضًا لتعطل الوصول؟ أي الفئات أكثر احتمالًا للخروج من التعليم بعد أزمة؟ كم يستغرق النظام لاكتشاف أن طالبًا انقطع؟ ومن يتدخل قبل أن يصبح غيابه تسربًا؟
في الأمن القومي تُرسم خرائط للمخاطر قبل وقوعها. فلماذا لا نفعل الشيء نفسه في التعليم؟
يمكن بناء مؤشر وطني بسيط لـ"هشاشة المسار التعليمي" يجمع بين انتظام الحضور، وإمكانية الوصول إلى المدرسة، والوصول الرقمي، والتعثر الدراسي، والظروف الاجتماعية، والانقطاعات القسرية. وعندها لا تنتظر المؤسسة حتى يختفي الطالب من النظام، بل تستطيع اكتشاف المسار الذي بدأ يتصدع والتدخل مبكرًا.
وهذا يغير فلسفة العمل كلها: من إدارة المدارس إلى حماية المسارات التعليمية.
فالطالب هو الوحدة الحقيقية للأمن التربوي، وليس المبنى. وقد تكون المدرسة مفتوحة، لكن طالبًا لا يستطيع الوصول إليها. وقد تكون المنصة الإلكترونية تعمل، لكن أسرة لا تمتلك اتصالًا. وقد يكون الطالب مسجلًا رسميًا، لكنه انقطع فعليًا عن التعلم منذ أشهر. الأرقام الإدارية وحدها قد تقول إن النظام يعمل، بينما تكون بعض مساراته قد بدأت بالانكسار.
لذلك فإن المؤشر الأكثر أهمية ليس فقط: كم طالبًا لدينا؟ بل: كم طالبًا ما زال متصلًا فعليًا بمساره التعليمي؟
وهنا أصل إلى الفكرة التي أعتقد أنها تستحق أن تكون محور الجزء الثالث كله: استمرارية التعليم شكل من أشكال السيادة.
السيادة ليست فقط أن نقرر ماذا نعلّم أبناءنا، وهي الفكرة التي ناقشتها سابقًا تحت عنوان السيادة المعرفية ، بل أن نمتلك أيضًا القدرة على إبقاء التعليم مستمرًا عندما يحاول الواقع السياسي أو الأمني أو الاقتصادي تعطيله.
المجتمع الذي يستطيع آخرون تعطيل تعليمه لفترات طويلة يمتلك منظومة تعليمية، لكنه لا يمتلك بعد أمنًا تربويًا كاملًا. أما المجتمع الذي يبني بدائل ومسارات احتياطية وقدرة على استعادة التعليم سريعًا، فإنه يحول المعرفة من خدمة قابلة للتعطيل إلى قدرة وطنية يصعب كسرها.
وهذا هو الانتقال الذي أراه ضروريًا في التفكير الفلسطيني: ألا نسأل فقط كيف نطور التعليم، بل كيف نجعله قادرًا على البقاء؟
في المقال الأول كان السؤال: كيف ندخل العالم إلى المدرسة الفلسطينية دون أن نفقد فلسطين داخل المدرسة؟
وفي المقال الثاني كان السؤال: كيف نعيد الطفل إلى المدرسة دون أن نترك جزءًا منه خلف قضبان الاعتقال؟
أما السؤال الثالث فهو: كيف نبني تعليمًا يستطيع أن يستمر حتى عندما لا تستطيع المدرسة أن تستمر بصورتها المعتادة؟
الإجابة عن هذا السؤال لا تحتاج مشروعًا تربويًا فقط، بل رؤية وطنية تعتبر التعليم بنية استراتيجية يجب أن تمتلك خطط استمرارية وبدائل وبيانات وإنذارًا مبكرًا وقدرة على التعافي، تمامًا كما تفعل الدول مع قطاعاتها الحيوية.
فالغاية ليست أن نقول بعد كل أزمة إن التعليم الفلسطيني صمد. الغاية الأهم أن نبني مسبقًا منظومة تعرف كيف تصمد.
عندها فقط ننتقل من الاحتفاء بصمود الطالب والمعلم إلى بناء مؤسسات لا تتركهما يصمدان وحدهما.
وهنا يصبح التعليم فعلًا ركيزة للأمن القومي: ليس لأننا نحمي المدرسة فقط، بل لأننا نحمي حق كل طفل في أن يبقى له طريق إلى المعرفة، حتى عندما تُغلق الطرق الأخرى.